في بعض كوى السماء، تدفع تلاوين الغيم ريح هواء مرتفع خفيف، وفي مواضع غزيرة أخرى سبل ذرات الغيم تسوح من تلقاء نفسها وتسرح…
بحيث تتشكل بهدأة، أمام *روان* رنو* أعيننا، لوحة مشهدية، مائية زيتية متهدهدة:
تتلامس أهدابها وتفترق، تتكاثف وتشف، تنحسر وتنهدل.. سائحة كل حين في هوى بعضها البعض.
*هو الهواء أم الماء يحركها ببطء؟ ملكوت الهواء السابح في طيات ماء وألوان الغيم؟ ام ملكوت اللون المغناج المتهادي في طبقات الهواء الخفيف العالي؟ أم فنون و “مزاج” اختلاط اللون العضوي؟ كما التلقائي؟
.
*تحضرني على الفور، لوحة تلفزيونية مذهلة، تشكل فاصلاً فنياً بين البرامج. باقة زهر زيتية ملونة، معلقة على حائط، ضمن إطار كلاسيكي مزخرف. فجأة يسوح بعض اللون الزيتي، ويسرح عكس الجاذبية، باتجاه الإطار الجانبي للوحة!
سراب رؤيا؟ سحر ساحر؟
أم قوى الفن! طاقات العقل الحر الفعال! أو حتى قدرة المسارات الخفية للكون، على تجاوز القوانين الطبيعية المعلومة وغير المعلومة!!
أبعد من كل ذلك؟! غبطة الدهشة في اللوحة، تحول اللحظة إلى خلق، وإلى معاينة فعل خلق أبدي!!
*هكذا هي أيضاً في مدى البصر، حال لوحة الغيم المثلث الألوان عند مدخل الدالية. إذ تتوالد رسوم الغيم، وألوان بحراته، في “كانفا” السماء، (مع) الجاذبية، (عكس) الجاذبية، على (وقع) أشعة الشمس، و(إيقاعات) بعضها البعض…
أما متعة البصيرة؟! ففي النور الذي يفوق الجاذبية والمجد الذي يتعدى الكون!!
** لا رياضة اليوم في رياض الدالية **
الهواء صقعة، وشذرات البلل تنذر بالمطر.
 
** وحدها تلول الزهر ال”معجعجة”، بفساتينها الكلوروفيلية الخضراء، وأزرارها المكتنزة بالرحيق، وأزهارها الضاجة باكتمال اللون، وقاماتها المشرئبة المواكبة للغيم … تقهقه ضاحكة … مضمخة “بمائيات وزيتيات” السماء!
**”طلعت يا محلا نورها شمس الشموسة** إنها إياها، “طلة” الشمس، “طلعة” شمس الصباح الشموسة، تزنر للتو تحولات قويسات وبواطن الغيم الأزرق-الأبيض-الرمادي، بنثار الماس! وعروق الفضة! وعاجيات الصدف!!
*** لكن حذار! حذار!
مسافة قصيرة للخروج من الدالية، ويتبدل المشهد! الغلبة لتبدل الفصول؟ أم بالأحرى اليد الطولى “للعبة الفصول”؟!
مسافة أمتار قليلة عن مدخل الدالية، وها هي قباب غيم كثيف داكم (مشتقة بتصرف من داكن وقاتم)* ترابط خلف مشهدية الصباح، كسنن أشجار غامضة، ضبابية معتمة متراصة، تعلو قمم الجبال في فصل الشتاء.
على غفلة، وفورا،ً تنزلق لفافة غيم داكنة تلامس خط الدالية الأمامي؛ توازيها عند خد الدالية الأيسر لفافة تمور بالموج كالبياض؛ ترفل معها فوق رأسي تيجان غيم بيضاء.
= هكذا إذاً ما أشهده اليوم! عرض (صراع الغيم) من استعراضات فصل الربيع؟ جزر ومد بين فصلين نقيضين – الشتاء والصيف – في موقع مبارزتهما المفضل قبة السماء؟
= وكأن الشتاء والصيف وبفعل تناقضهما بالذات، فصلان شديدا الوضوح ثابتان.
= أما الربيع (والخريف) فليسا فصلين “مكتملين” (بما لكلمة فصل من معنى). بل كل منهما (وفق تشبيه لائق) “ساحة” أو “ملعب فوتبول” – موقعه حدود “بساط الغيم” في قبة السماء.
حيث يتبارى فوق “ملعب” كل منهما – ليلاً ونهاراً، على عدد الدقائق الساعات والأيام، وعلى امتداد ثلاثة أشهر لكل منهما – كل من فصلي الشتاء والصيف = جولات و “ماتشات” يسجلان خلالها “غولات” متنوعة متلاحقة – تارة من قبل فصل الشتاء وفريقه  من الغيم المثقل والهواء الجارف وزخات المطر … وطوراً من قبل فصل الصيف وما يحمله فريقه… من غيم أبيض وأنوار شمس وزرقة سماء = فتحتسب لكل منهما نقاطه بحسب “إصاباته” والأداء – إلى أن يربح في نهاية الربيع وعلى ملعب الربيع، فصل الصيف؛ وعلى ملعب الخريف في نهاية الخريف فصل الشتاء.
= هكذا مجدداً من حيث الطقس، فصل الصيف والشتاء نسبياً ثابتان (دون الأخذ بالإعتبار التغير المناخي الكارثي الحالي)؛ أما فصلا الربيع والخريف فساحتا معركة مفتوحة على عدد دقائقهما بين فصلي الصيف والشتاء!
– من حيث صحة الإنسان في فصلي الربيع والخريف، قد يتعرض المرء غير المحترس، لأمراض الطقس المتقلب كافة، وخاصة في بلداننا ذات المناخ المتوسطي المتميز والمميز.
أما من حيث الصحة البيئية، وبفضل تقلبات فصلي الربيع والخريف “المزاجية المتفلتة”،  تستطيع الأرض أن تغتذي وتغذي – وفق “روزنامة بيئية برمجية خاصة” – تستجيب لإيقاع دورات واحتياجات و”تعايش” commensalisme أجناس (تربتها وكائناتها)؛ وبالتأكيد تكاثر وتنوع أجناس نباتها وحيوانها biodiversite – بحيث تشتد مثلاً عروق النبات في موسم النمو والإزهار والإخصاب (فصل الربيع)؛ بينما تيبس هذي النباتات وتذرى في موسم نضج البذور وانتشارها وضمان إنباتها (فصل الخريف)؛ أمثلة مذهلة أخرى عن فصول ومواسم تكاثر ونمو أجناس حيوانها …
**** لله در الطبيعة!
لله عبقرية ونعم وبركات أمنا الطبيعة!
هدى الله من عصاها! وعافى الله *الإنسانية* التي تتمثل وتحفظ تعاقب دوراتها، وتستكشف أدوارها وتطور سلالاتها في مداها الكوني مليارات السنين!!
والمجد لرب المجد! الذي دحاها! ونفخ من روحه في نسلها! وفتح علينا نحن البشر نعمة الاتحاد بالنور ومسار الغبطة!!!
نجاة ناصيف
١٦-٣-٢٠١٨