الرئيسية » سياسة واقتصاد » “فالداى” والدور الروسى فى الشرق الأوسط – د. نورهان الشيخ
fld_wldwr_lrws_f_lshrq_lwst.jpg

“فالداى” والدور الروسى فى الشرق الأوسط – د. نورهان الشيخ

 

أولها، أن هناك تطابق وتوافق بين المصالح الروسية وتلك الخاصة بدول المنطقة حيث يأتى القضاء على الارهاب، وإستعادة الاستقرار، وإطلاق إعادة البناء والتنمية الاقتصادية والمجتمعية الشاملة، كأولوية للجانبين. وفى هذا الاطار، كان التوافق حول أهمية الحوار لبلورة توافقات بين القوى الداخلية من ناحية، وتلك الإقليمية والدولية من ناحية أخرى، كسبيل يبدو أوحد لتسوية أزمات المنطقة المختلفة، وأن التعاون بين الأطراف الإقليمية والدولية صار ضرورة للخروج من الحلقة المفرغة من الصراعات التى تعتصر دول وشعوب المنطقة منذ إندلاع الثورات العربية وعلى مدى سبع سنوات، والتى انهكت الجميع وجعلت من المنطقة ساحة للجماعات المتطرفة وحاضنة لأخطر التنظيمات الارهابية حيث انتعشت الأخيرة وصارت تهديداً للأمن والسلم الدوليين.

ثانيها، أن روسيا هى أكثر القوى المؤهلة فى المرحلة الراهنة للعب دور الوسيط وقيادة المنطقة نحو الاستقرار والتنمية، يدعم هذا الطرح انفتاح موسكو على مختلف القوى الإقليمية الفاعلة والمعنية بأزمات المنطقة. وقد عكست المشاركة فى المؤتمر ذلك بوضوح حيث شارك فى أعماله خبراء وساسة من أكثر من 30 دولة، منهم فلسطينيين واسرائيليين، سعوديين وإيرانيين، أتراك وأكراد، إلى جانب مبعوثين أممين وممثلين لجامعة الدول العربية وعدد من مراكز التفكير البحثى منها مركز كارتر ومجموعة الأزمات الدولية الأمريكية. وفى هذا السياق بادرت موسكو بعقد مؤتمر سوتشى للحوار الوطنى السورى كآلية داعمة لمسار التسوية فى جنيف، وتؤيد روسيا ضمان حقوق الأكراد فى إطار الدولة العراقية وتدعم الحوار بين كردستان والحكومة العراقية، كما تدعم التسوية فى ليبيا والحوار بين طبرق وطرابلس، والمفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والاسرائيليين دون شروط مسبقة، وترى أنه لا بديل عن الحوار والمفاوضات فى اليمن، واتخاذ إجراءات جادة لبناء الثقة بين دول الخليج العربية وإيران.  

ثالثها، إن السياسة الروسية فى المنطقة تتسم بالحذر والتحرك المحسوب بدقة خاصة على صعيد الضربات الجوية وتوظيف الأداة العسكرية عند الضرورة لمواجهة خطر الارهاب الذى يهدد روسيا والمنطقة، حتى لا تفقد روسيا ما تتمتع به من إحترام وتقدير لدورها، ولكى لا تتورط، كغيرها من القوى الكبرى، على نحو يستنزف قدراتها. الأمر الذى يعنى إن تكرار سيناريو الدور الروسى فى سوريا فى صراعات أخرى أمراً ليس مطروح فى المستقبل المنظور، وسيكون الحراك الدبلوماسى هو أساس السياسة الروسية فى دعمها للقوى الوطنية الساعية للسلام والاستقرار.

رابعها، محورية التعاطى الإيجابى من جانب الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار المنشود فى المنطقة، وأن تكون التصريحات الأمريكية حول وحدة سوريا مدعومة بخطوات عملية تؤكد ذلك وتدعمه على أرض الواقع. وللموقف الأمريكى تأثير كبير على التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، ومسار الأزمة الليبية وتطورات الأوضاع الكردية فى شمال سوريا، وغيرها من قضايا المنطقة. وبدون تعاون واشنطن سيظل السلام بعيد المنال، فمن المهم أن تقلع واشنطن عن "اللعب بالنار"، وتتعاون بجدية للقضاء على الارهاب فى المنطقة، وأن تنطلق من مصالح كل شعوب المنطقة، ومن أهمية الحفاظ على وحدة وسلامة الدول العربية كضامن أساسى لأمنها ومصالحها ومصالح وأمن حلفائها.

خامسها، رغم أهمية الحل الأمنى والعسكرى لمواجهة الارهاب فى المنطقة خاصة فى ضوء الطفرة غير المتوقعة وغير المسبوقة فى مستوى تسليح وتدريب الجماعات الارهابية وإمتلاكها منظومات قتالية لا تتوافر لبعض الدول، يظل الاقتراب الأمنى والعسكرى قاصر عن اجتثاث الارهاب من جذوره والقضاء التام عليه. فمن المهم مواجهة أيديولوجية الكراهية والتطرف التى يتم نشرها وتغذيتها، والتعامل الناجز مع المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التى توفر تربة خصبة لنشر التطرف والارهاب وفى مقدمتها الفقر والبطالة والجهل، وبلورة التوافقات الوطنية التى تقطع الطريق وتسد الفراغ الذى تستغله الجماعات الارهابية.

وأخيراً، التأكيد على أهمية تفعيل دور الأمم المتحدة والأطر الدولية والإقليمية فى تسوية النزاعات فى المنطقة، وفى مقدمتها جامعة الدول العربية والرباعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، فالدور الروسى ليس بديلاً لهذه الأدوار ولكنه ممهد ومكمل لها. إن روسيا لا تمتلك عصا سحرية لحل كل الصراعات، ودورها مرتبط بمدى تعاون الأطراف الأخرى المعنية وفاعلية الحراك الأممى لدفع التسوية. وموسكو حريصة على إشراك مختلف الفاعلين وعدم استبعاد أى طرف دولى أو إقليمى معنى بالقضايا الشرق أوسطية، وتدرك جيداً إن الأمن والسلام كل لا يتجزأ، وإما أن يشعر الجميع بالأمن أو لا سلام على الإطلاق.