الرئيسية » حضاريات » عالم الحضارات قبيل الاختيار التاريخي: الطريق إلى التصادم والتدمير الذاتي، أو إلى الشراكة والازدهار

عالم الحضارات قبيل الاختيار التاريخي: الطريق إلى التصادم والتدمير الذاتي، أو إلى الشراكة والازدهار

1- عالم الحضارات أمام التحديات الهائلة في القرن الحادي والعشرين

منذ نهاية القرن العشرين، دخل عالم الحضارات فترة أزمة طويلة وعميقة امتدت مائتي عام ونتجت عن تغير الدورات الطويلة الأجل: تدهور حضارة العالم الصناعي، عالم رأسمالية السوق، وظهور حضارة إنسانية – نووسفيرية (مصطلح النووسفير Noosphere يعني غلاف الفكر الإنساني الشامل على سطح الكرة الأرضية تيمّناً بأغلفة الأرض الأخرى المعروفة – المحرر) متكاملة في القرنين الحادي والعشرين والثاني والعشرين؛ الانتقال من الجيل الرابع للحضارات المحلية الذي امتد خمسمائة عام في ظل هيمنة الغرب، إلى الجيل الخامس الأكثر تنوعًا ونشاطًا في ظل زعامة الشرق.

مثل هذه الأزمات سبق له أن حصل مرارا وتكرارا في تاريخ الحضارات وانتهى بالانتقال إلى حقبة تاريخية جديدة. ومع ذلك، يواجه العالم الذي مضى على وجوده أكثر من خمسة آلاف عام للمرة الأولى تهديدًا حقيقيًا عنوانه التدهور والانحطاط وتدمير الذات وبلوغ أرقى مستوى تطور للإنسان والمجتمع.

لقد حلت محل فترة التقدم السلمي والثابت والمتسارع نسبيا على أساس سلام يالطا والتي دامت حوالي نصف قرن فترة تفاقم حاد للتناقضات الجغراسياسية بين الحضارات والقوى الكبرى، وإحياء الحرب الباردة في أسوأ أشكالها، واستئناف سباق التسلح، وتصاعد موجة الإرهاب الدولي والحروب المحلية. وأمسى واقعاً خطر تحقيق سيناريو “الشتاء النووي” الذي صاغه الأكاديمي ن. ن. مويسييف بسبب استخدام مخزونات متراكمة من أسلحة الدمار الشامل بجريرة إرادة مجانين أو إرهابيين، أو في حال وقوع حادث كارثي مأساوي.

ويلاحظ تدهور ديموغرافي واجتماعي وثقافي لعالم الحضارات. ويتنامى عدد البلدان التي يتناقص عدد السكان فيها تنامياً مستمراً. وتتسارع شيخوخة السكان ويتدهور نشاطها الإبداعي. وتهدد موجات الهجرة بتدمير الهوية الحضارية للحضارات الغربية. وتضعف هيبة المعرفة العلمية. ويُلحظ تنصل السلطة من العلوم. ويحصل فقدان الأساسيات والإبداع في التعليم. وتتزايد الخسائر على صعيد التراث العلمي والثقافي والأخلاقي الوطني والعالمي مع تغير الأجيال.

ويؤدي تشكل وانتشار “الفقاعات الاقتصادية” والعولمة المفترض أن تكون لصالح السلام ولكنها تتم تحت سيطرة الشركات والمصارف العابرة للأوطان إلى تباطؤ وتائر النمو الاقتصادي، واتساع الفجوة بين البلدان والطبقات الاجتماعية الغنية والفقيرة، وانتشار الفقر والجوع على هذا الكوكب الأرضي. وتتسع الفجوة بين مستويات التطور التكنولوجي وإنتاجية العمل في بلدان الطليعة والبلدان المتأخرة.

وعلى الرغم من إعلان قمم الأمم المتحدة في أعوام 1992 و 2000 و 2002 و 2012 و 2015 اﺳﺘﺮاﺗﻴﺠﻴﺔ للتنمية اﻟﻌالمية المستداﻣﺔ، ﻓﺈن اﻟﺘﻄﻮر اﳊﻘﻴﻘﻲ ﻳﺴﲑ ﰲ اﻻﺗﺠﺎه المعاكس. وعلى الرغم من اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2001 “جدول الأعمال العالمي” للحوار بين الحضارات، تراجع الدور الاستراتيجي للأمم المتحدة في مجال ضمان السلام والأمن والتنمية المستدامة للمجتمع العالمي.

2- أجوبة العلماء على تحديات القرن الجديد

تطلبت الأوضاع الحرجة الناشئة والتهديدات الجديدة في العالم من العلماء وضع استراتيجية عالمية جديدة للتغلب على الأزمة والدخول في مسار التنمية المستدامة، وتشكيل نموذج جديد يفي بواقع القرن الواحد والعشرين في مجال العلوم الاجتماعية والبيئية.

وقد تم تنفيذ هذه المهمة من قبل المدارس العلمية الروسية والمدارس التي تشاطرها الرأي في البلدان الأخرى. وعلى أساس التراث العلمي لعظماء مفكري الماضي (أندريه شتورخ  Andrei Storchالذي نشر عام 1815 أول كتاب في العالم حول نظرية الحضارات، وفرانز جويزوت، ونيكولاي دانيلفسكي، وأوزوالد شبنغلر، وبيتيريم سوروكين، وفرناند بروديل، ونيكيتا مويسييف)، تكوّن فرع جديد من فروع المعرفة هو علم الحضارات (السيڤيليوغرافيا)، الذي وجد تعبيرا له في الأعمال العلمية الأساسية: The past and the future of civilizations و”الحضارات: نظرية وتاريخ وحوار ومستقبل”. وتم تطوير “التوقعات العالمية لـ”مستقبل الحضارات” للفترة حتى عام 2050 وعرضها في مقر الأمم المتحدة. واستناداً إلى هذه التوقعات، تم إعداد التقارير العلمية تحت عناوين: “أسس الاستراتيجية الطويلة الأجل للتنمية العالمية المستدامة استناداً إلى شراكة الحضارات (عُرضت في مقر الأمم المتحدة في يونيو 2011 في المنتدى الرابع لتحالف الحضارات في قطر، وفي ديسمبر 2011، وفي مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة “ريو + 20″ في يونيو 2012″)، و”الأسس العلمية لاستراتيجية التغلب على أزمة الحضارة ودخول مسار التنمية العالمية المستدامة” (2013)، و”نظام الأهداف البعيدة للتنمية المستدامة للحضارات”.

وفي عام 2017، نُشر تقرير النادي الحضاري في يالطا بعنوان “استراتيجية إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب مستدام على أساس الشراكة بين الحضارات”. وقد أسس للخطوط العريضة لاستراتيجية التغلب على الأزمة الجغراسياسية الحالية وتشكيل سلام يالطا 2 في ظل قيام الأمم المتحدة بدور رائد وإعلان الأمم المتحدة “عقد الشراكة العالمي بين الحضارات” (2021 -2030). ويقدم التقرير إثباتًا علميًا للأولويات الاستراتيجية للتغلب على الأزمة الجغراسياسية الحالية وتشكيل بنيان عالمي مستدام متعدد الأقطاب يعتمد على الحوار والشراكة بين الحضارات في ظل التحويل العميق للمكونات الستة للنمط الوراثي الحضاري.

هذه الأولويات هي:

أولاً، مضافرة الجهود للتغلب على أزمة الطاقة والأزمة البيئية المتزايدة حدة من خلال تشكيل نمط إنتاج واستهلاك بيئي نووسفيري (عقلاني أو معقلن) في مجال الطاقة، وادخار الموارد الطبيعية بما يتفق ومصالح الأجيال المستقبلية، وتصحيح البيئة تصحيحا شاملاً، وتصليب القوى بغية الاستجابة للتغير المناخي السلبي، ومواجهة تزايد عدد الكوارث الطبيعية وتلك التي من صنع الإنسان. .

ثانياً، رسم سياسة اجتماعية ديموغرافية متنوعة جديدة تهدف إلى التغلب على تناقص السكان، وترشيد تدفقات الهجرة، والقضاء على الجوع والفقر في العالم، وتعزيز الصحة وتحسين هيكلية التغذية للسكان.

ثالثاً، الجمع بين جهود المجتمع العالمي من أجل الاستخدام الفعال لإنجازات الثورة العلمية والتكنولوجية في القرن الحادي والعشرين، والاستيعاب الواسع النطاق للابتكارات الأساسية لنظام العيش التكنولوجي السادس، وسد الفجوة بين مستويات التطور التكنولوجي وإنتاجية العمل في البلدان الطليعية والبلدان المتأخرة.

رابعا، القضاء على اقتصاد “فقاعات الصابون”، وتشكيل طبقة اقتصادية متكاملة، واستخدام أساليب السوق المتضمن تخطيط العمليات الاقتصادية والاجتماعية، والبيئية، وتلك الموجهة نحو الابتكار، والتغلب على التباعد المفرط في مستويات توزيع الدخل بين البلدان والطبقات الاجتماعية الغنية والفقيرة.

خامساً، رفع وزيادة فعالية العلم، وتطوير نظام تعليمي عميق الأسس، غني الإبداع، وذي تواصلية ، وإحياء الثقافة الرفيعة، والأخلاق الإنسانية النووسفيرية (العقلانية)، والحفاظ على التنوع الثقافي الحضاري وإثراؤه، ونقل التراث العالمي والوطني والعلمي إلى الأجيال القادمة.

سادسا، التغلب على سباق التسلح، والقضاء على الإرهاب والحروب، وتشكيل نمط عيش عالمي مستدام متعدد الأقطاب على أساس الشراكة بين الحضارات والدول والطبقات الاجتماعية والأجيال، مع قيام منظمة الأمم المتحدة بدور رائد وتعزيز تركيزها الاستراتيجي.

ولتنفيذ هذه الأولويات الاستراتيجية يُقترح الآتي:

– صياغة مجموعة من التقارير العلمية حول الأولويات الاستراتيجية المحددة وعرضها على الأمم المتحدة؛

– إنشاء مؤسسة جديدة في إطار منظمة الأمم المتحدة تحت اسم “قمة الحضارات”، تضم رؤساء الدول الرائدة في 12 حضارة محلية من الجيل الخامس، وإعلان الأمم المتحدة للعقد العالمي لشراكة الحضارات (2021-2030) من أجل المثابرة على تنفيذ التوجهات الاستراتيجية الرئيسية المذكورة أعلاه وتحقيق أهداف التنمية المستدامة للفترة حتى عام 2030، والتي تمت الموافقة عليها في قمة الأمم المتحدة في سبتمبر 2015؛

– توسيع نطاق تخصصية منظومة الأمم المتحدة وتعزيز مسؤوليتها من أجل تنفيذ الأولويات الاستراتيجية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة بهدف تطوير الأمم المتحدة في المستقبل لتصبح مثابة اتحاد كنفدرالي عالمي للدول والحضارات.

إن تنفيذ مشروع حضاري كمشروع الشراكة الأوروآسيوية الكبرى، الذي أطلق في روسيا، يمكن أن يكون عصب وجوهر تطبيق استراتيجية عالمية مستدامة متعددة الأقطاب. وتجمع يوراسيا الكبرى 8 حضارات محلية من الجيل الخامس من 12 دولة، وأكثر من 100 دولة، وإن أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم يعيشون هنا وينتجون 2/3 الناتج الإجمالي العالمي.

وهنا يفتح الجمع بين الشراكة الأوروآسيوية الكبرى ومبادرة “حزام واحد في طريق واحد” الباب واسعاً أمام تحويل شبه القارة الضخم هذا إلى حقل للشراكة بين الحضارات والدول استجابة للتحديات الجديدة.

وهكذا، فإن العلماء الذين يصوغون نماذج جديدة للعلوم الاجتماعية يكونون قد قدموا إلى الأمم المتحدة مراراً وتكراراً رؤيتهم لاستراتيجية عالمية طويلة الأجل للتغلب على الأزمة القائمة على أساس تطوير حضارة إنسانية – نووسفيرية، ونظام عالمي مستدام متعدد الأقطاب يستند إلى الحوار البناء والشراكة المتبادلة المنفعة بين الحضارات والقوى الكبرى. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة لا تزال حتى الآن تصم أذانها حيال مقترحات العلماء. ففي الوثائق الختامية لقمتي عامي 2012 و 2015 كان مفهوم الحضارة غائبا، وتم تجاهل العوامل العلمية والتكنولوجية والاجتماعية الثقافية والجغراسياسية للتنمية المستدامة. كما غابت هذه المفاهيم والأنشطة الخاصة بالمجلس الاستشاري العلمي الذي تم تأسيسه حديثًا تحت إشراف الأمين العام للأمم المتحدة.

ينبغي أن تعتمد قيادة الأمم المتحدة وتحالف الحضارات بشكل أوسع على المدارس العلمية الحديثة في وضع وتنفيذ استراتيجية طويلة الأجل للتنمية العالمية المستدامة.

 3 – الدور الرئيسي لقادة الجيل الجديد في تنفيذ استراتيجية تكوين حضارة إنسانية – نووسفيرية ونمط عالمي متعدد الأقطاب مستدام.

استجابة لتحديات القرن الحادي والعشرين، يقوم قادة جيل أعوام 2020 بدور رئيسي عند تنفيذ الاستراتيجية التي طورها العلماء، حيث يقع عليهم عبء ومسؤولية صياغة وتنفيذ القرارات الاستراتيجية على المستويين الوطني والعالمي لمدة 3 عقود. هذا الجيل، الذي يتراوح عمر أفراده بين 15 و40 سنة، والذي يبلغ تعداده الآن حوالي 3 مليارات نسمة، هو الأكثر تأثراً بالأزمة العالمية والبطالة والفقر. وقادته غاضبون من الظلم الصارخ للنظام الاجتماعي الاقتصادي والسياسي القائم ويسعون جاهدين إلى تغييرات جذرية.

ومع ذلك، لديهم خلفية علمية وتعليمية ضعيفة، ولا يفهمون أسباب وعواقب التغيرات التي تحدث في العالم، وهم منقسمون وغالبا ما ينضمون إلى صفوف الإرهابيين. وتتمثل المهمة الأهم في المساعدة على تشكيل وجهة نظر لدى قادة الجيل الجديد تتسم بروح الحوار والشراكة بين الحضارات، وتسليحهم بالمعرفة العلمية الحديثة والاستراتيجية المتقدمة.

وتحقيقا لهذه الغاية، صاغ معهد بيتيريم سوروكين – نيكولاي كوندراتييف الدولي ومعهد الاستراتيجيات الاقتصادية (INES) ذو المركز الاستشاري لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة برنامجاً دولياً لتطوير تعليم الحضارة الرقمية للأجيال الجديدة، وأنشئت الجامعة المفتوحة لحوار الحضارات، وهما يصدران منذ عام 2012 مجلة علمية وتعليمية دولية تحت عنوان “”شراكة الحضارات”، وتم إصدار عدد من الكتب المدرسية، بما في ذلك كتاب “الحوار وشراكة الحضارات” (مع مقدمة لوزير الخارجية الروسي سرغي لافروف وكلمة للوشي جين بينغ) و كتاب “الحضارات في الماضي وفي المستقبل ”(نُشرت هذه الكتب باللغات الروسية والإنجليزية والعربية) ، وكتاب “حوار الثقافات في العالم المعولم”، وكتاب “حوار الثقافات والأديان”. وألقيت مجموعة محاضرات في جامعة موسكو الحكومية (جامعة لومونوسوف)، وفي “جامعة الطبيعة والمجتمع والإنسان الدولية” في مدينة دوبنا (Dubna)، وفي جامعة قازان والجامعة الاتحادية الجنوبية، وجامعة سوتشي الحكومية. وتم وضع خطة شاملة لسلسلة محاضرات حول القضايا التي تعنى بها الجامعة المفتوحة للحوار بين الحضارات في ردهات الجامعات الرائدة في روسيا ودول أخرى مع نشر الكتب الإلكترونية والمنتجات التعليمية الإعلامية.

ولتوطيد أواصر جيل جديد من القادة تقرر عقد جمعية الجيل الجديد من الحضارات في مارس 2019 في الجامعة الروسية الصداقة بين الشعوب لمناقشة “بيان الجيل الجديد” الذي يقول: “لنبنِ معا عالم حضارات مزدهراً وعادلاً متعدد الأقطاب، ولنقضِ على الجوع والفقر وعلى الإرهاب والحرب على كوكبنا”، وإنشاء جوائز غاغارين الدولية لقاء المساهمة البارزة لممثلي الجيل الجديد في استكشاف الفضاء وتعزيز السلام والأمن والحوار والشراكة بين الحضارات، وإنشاء صندوق غاغارين الدولي لتمويل الجوائز ودعم المبادرات الشبابية.

وإننا لنأمل أن يساند تحالف الحضارات، الذي وقع معه معهد بيتيريم سوروكين – نيكولاي كوندراتييف الدولي اتفاقية تعاون (8 أغسطس 2011)، مساندة نشطة مبادراتنا الرامية إلى تحفيز الجيل القادم من القادة على الخوض في مهمة التغلب على الأزمة المالية العالمية، وإنشاء الحضارة النووسفيرية noospheric الإنسانية والنظام العالمي المتعدد الأقطاب على أساس الحوار البناء والشراكة المفيدة بين الدول والحضارات والطبقات الاجتماعية والأجيال.

يوري ياكوفتس – بروفسور، دكتور في الاقتصاد، رئيس معهد بيتيريم سوروكين ونيكولاي كوندراتييف الدولي، رئيس قسم الدراسات الحضارية في الأكاديمية الدولية للدراسات العالمية.

 

ترجمة ميشال يمّين

اترك تعليقا