الرئيسية » حضاريات » ظروف تحقيق أهداف التطور المستقر في روسيا والعالم

ظروف تحقيق أهداف التطور المستقر في روسيا والعالم

 فالنتينا بوندارنكو، باحثة رائدة في معهد الاقتصاد التابع لأكاديمية العلوم الروسية، دكتوره في الاقتصاد،عضو كامل في الأكاديمية الروسية للعلوم الطبيعية، أكاديمية دراية المستقبل الدولية، الأكاديمية الدولية للدراسات العالمية، عضو مرشح في اتحاد أوكسفورد الأكاديمي (المملكة المتحدة)، فائزة بميدالية كندراتييف الذهبية لقاء “المساهمة في تطوير العلوم الاجتماعية”، مديرة مؤسسة كوندراتييف الدولية، عضوة في اتحاد الكتاب الروس.

 لم تتحقق أهداف الألفية الثمانية التي تم تبنيها في الأمم المتحدة عام 2000، وفي العام 2015 تم تحويلها في إطار مناقشات الجمعية العمومية للأمم المتحدة إلى سبعة عشر هدفا لتحقيق التطور المستقر. ولحسن الحظ يقوم مركز التطور المستقر بتشكيل صورة عالم المستقبل. وهو يجيب عن الأسئلة التالية: ماذا لو لم يتم تحقيق هذه الأهداف؟ وما هو المستقبل الذي ينتظر العالم؟

أثناء البحث عن الإجابات على هذه الأسئلة، تم المرور بعدة مراحل من الأبحاث هي المرحلة التجريبية ومرحلة الاقتصاد السياسي، ومرحلة الرؤية الشمولية.

مرحلة الرؤية الشمولية – كانت لازمة قبل كل شيء لفهم الهدف بشكل موضوعي ومستقل عن إرادة ووعي الناس، الهدف الذي يعيش من أجله الإنسان على كوكب الأرض.

ولست أول من يحاول العثور على الجواب على هذا السؤال الأبدي السرمدي، إلا أن المهمة التي وضعت كانت تكمن في إيجاد الهدف الذي لا يمكن له أن يكون نصف هدف من ضمن هدف أسمى في إطار مفهوم وجود الإنسان على الأرض. اذ أن هذا يعطينا المفتاح لفهم قوانين تطور المجتمعات البشرية.

النتيجة هي أن تطور المجتمعات البشرية، وبغض النظر عن مشيئتنا، يتم من أجل تحقيق هدف نهائي مطروح موضوعياً ألا وهو إشباع الحاجة العليا والقيم العليا لكل شخص على حدة، والتي لم يدركها هذا الشخص بعد. وتكمن في بلوغ الكمال الجسدي والفكري والروحاني على مستوى عال من الوعي أو بلوغ المراحل الأعلى من العقل والوعي.

فهم الهدف بحد ذاته لا يعني أن بلوغه بات ممكنا، ولذلك لا بد من النظر إلى تطور المنظومة البشرية من مواقع التكامل والمنظومية (الانتظام في منظومة) والشمولية وعلى قاعدة تداخل الاختصاصات، وحصرا في إطار فهم هذا الهدف الذي يتم تحديده بشكل موضوعي، اذ أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن فيها اختصار مهمة البحث، والتخلص من الفوضى والتعقيدات والغموض في فهم تطور المنظومة البشرية.

ثم تم الاعتماد على أن قياس ومقارنة جميع العمليات والظواهر ممكن من خلال مقياس واحد فقط هو «الزمن».

وعلى أساس هذه المقياس الموحد تم التوصل إلى معيار موحد لفعالية كامل المنظومة البشرية، وأي منظومة فرعية فيها وفي أي مقطع – ألا هو «الزمن الواقع بين» لحظة تحقيق الهدف الذي تم وضعه ولحظة الواقع الذي نعيشه. وإن تقلص «الزمن الواقع بين» دون العودة إلى الوراء (أي دون المرور بأزمات) يعني أن العالم بات يقترب من بلوغ الهدف وأن المجتمع بدأ يعي هذا الهدف بشكل كامل!

أما إن زاد (الزمن الواقع بين)، وكانت الزيادة بالنسبة إلى للجميع تتم بتباين، فهذا يعني أن المجتمعات وأجزاءها تقع في فضاءات زمنية مختلفة من «الزمن الواقع بين» وأن الاتفاق فيما بينها ليس ممكنا. ولا بد من أن يتلو ذلك تصاعد في الأزمات حتى الوصول إلى مرحلة الحروب. وإننا نشهد الآن ذروة هذا النوع من العلاقات التي تقف على حافة اندلاع حرب عالمية.

وقد أظهرت الأبحاث التي تم إجراؤها بطريقة النظرة الشمولية، وفي ظل الثورة التقنية واقحام سائر الأدوات الرقمية في حياتنا، وكذلك الانترنت وكل ما هو متعلق بالبيو والنيرو وغيرها من تقنيات القرن الواحد والعشرين، إمكانية التطور وفق ثلاثة نماذج أو سيناريوهات للحضارة البشرية.

ولسوف تبنى فيها العلاقات بين الدولة (السلطة) والمجتمع ومجتمع رجال الأعمال والفرد تجاه الهدف بأشكال وطرق مختلفة، وسوف يتم فيها الوصول إلى التطور المستقر بطرق مختلفة.

إذن، المستقبل سيكون كالآتي:

النموذج الأول. يختار المجتمع أو السلطة عن وعي أو لاوعي أهدافاً مختلفة. وبالتوازي مع ذلك تضع مجموعة صغيرة من الناس أهدافها الخاصة. وجميع مجموعات الأهداف لها اتجاهات مختلفة. والتطور سوف يسلك طريق “التجارب والأخطاء”.

وعليه سيكون المستقبل بحسب هذا النموذج غامضا، أي أننا قد لا نصل إلى لحظة بلوغ  نقطة إفرادية ما (أُحَادِيّة ؛ تَفَرّد ؛ فَرْدِيّة ؛ وَحْدانِيّة  singularity) في طريق تحقيق أهداف مختلفة.

إلا أن ذلك سوف يكون ممتداً زمنياً امتداداً طويلاً، وسوف يتم استخدام التقنيات الرقمية وغيرها من التقنيات المتطورة في إطار هذا النموذج بوتيرة متسارعة ومصحوبا بهدر كبير للموارد البشرية، وقد يؤدي إلى دمار شامل. وعليه تبقى من دون حل مسألة التطور المستقر أو المستدام.

النموذج الثاني: التطور يجري في ظروف النموذج القائم في يومنا الحاضر، والذي يتوافق عن سابق تصميم مع  مصالح مجموعة صغيرة من الناس ومع الهدف المعلن من قبلهم. في إطار هذا النموذج تتم إعادة النظر في ظهور نقطة التفرّد التقني الذي محوره الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الرقمية والبيولوجية وغيرها من تقنيات التحكم بالوعي البشري.

والهدف النهائي في ظل هذا النموذج هو بسط السيطرة على العالم بأسره. والمخاطر التي تحيق بالدول والمجتمعات بشكل عام والأفراد بشكل خاص تزداد. ولن نصل أبدا إلى المستقبل الذي يشهد بلوغ الهدف المتخذ. وسيكون الدمار الشامل بانتظار البشرية. وعليه لن يتحقق أبدا هنا حل مسألة التطور المستقر.

النموذج الثالث: التطور يتم عن وعي، وبفهم الهدف النهائي وبما يتماشى مع مصالح كل فرد من الأفراد القاطنين على كوكب الأرض على حدة. هنا تكون مصالح كل فرد على تنوعها هي المهتدى والغاية على كل صعيد محلي. ويكون التنسيق فيما بينها عبر التقنيات الرقمية وشخصنة الإنتاج حسب حاجته هو، ودون إنتاج أي فائض كشرط وحيد ممكن، وبما يكفل القدرة على تحفيز الفرد لضمان تطور متسارع ومستقر تجاه الهدف وتقليص استهلاك جميع أنواع الموارد في نفس الوقت.

في هذه الحالة، يتزامن التميّز التقني مع التميّز في تشكل علاقات جديدة بين الناس ووعيهم ضرورة تقريب لحظة بلوغ الهدف عبر التطور والارتقاء التدريجي وومن دون عودة إلى الوراء. ساعتئذ سوف يتحقق التطور المستقر للحضارة البشرية كلياً.

يعيش العالم الآن بين النموذج الأول والنموذج الثاني للتطور، إلا أن إقحام التقنيات المختلفة في حياتنا يقربنا بشكل متسارع من النموذج الثاني.

ينتج عن ذلك أن على جميع الدول وزعمائها التفكير قبل كل شيء بمسائل تشكيل النموذج الثالث للتطور من أجل الحفاظ على نفسها وعلى شعوبها وبلوغ التطور المستقر.

ما هي، يا ترى، شروط تشكيل النموذج الثالث:

أولا: على المجتمع الدولي القبول بهدف موضوعي واحد.

ثانيا: النظر إلى الأهداف السبعة عشر وباقي مجموعة متطلبات الإنسان على أنها أهداف ثانوية بالنسبة للهدف الرئيس.

ثالثاً: أن يكون أفق التنبؤ لا العام 2030 بل كل الأفق البعيد الأمد حتى تحقيق الهدف.

رابعاً: توازن جميع مُكونات التطور المستقر للمنظومة البشرية، والذي يمكن تأمينه عبر مقاربة نظامية متكاملة ونهج شامل يرمي إلى توحيد جميع العلوم والمعارف الروحانية في إطار معرفة تتقاطع فيها العلوم لتحقيق الهدف.

خامسا: بدلاً من معالجة مهام أهداف التطور المستقر الـ169 لا بد من معالجة مهمة واحدة فقط، ألا وهي تشكيل نموذج جديد في كل مستوى محلي للتركيبة الحياتية، وفي آنٍ إيجاد آلية لتطبيقه. هذه الآلية هي آلية التنسيق بين مصالح الدولة والمجتمع وقطاع الأعمال ومصالح كل فرد على حدة في نفس الوقت.

سادساً: بدلاً من التحكم بالمؤشرات العالمية الـ338، مضافة إليها مؤشرات المستويات الإقليمية والوطنية، لا بد من إدارة التقدم نحو الهدف الموحد للتطور المستقر فقط “في الزمن الفاصل بين” نقطة بلوغ هذا الهدف واللحظة التي يعيشها العالم. بهذه الطريقة يتأمن تقليص هذه الفترة الزمنية تقليصا متواصلا، والتقدم بوتيرة متسارعة نحو لحظة بلوغ الهدف.

على أساس ما ذكر أعلاه، أقترح تحضير تقرير وبحثه مع جميع الجهات المهتمة في روسيا، ومن ثم تقديمه للنظر فيه في منتدى سياسي رفيع المستوى حول التطور المستقر برعاية المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة.

اترك تعليقا