الرئيسية » حضاريات » شراكة الحضارات في سياق استراتيجي والوضع الجيوسياسي العالمي: كلمة السيد أنَس الكردي في مؤتمر يالطا

شراكة الحضارات في سياق استراتيجي والوضع الجيوسياسي العالمي: كلمة السيد أنَس الكردي في مؤتمر يالطا

عندما كتبت هذا الخطاب لم تكن قدامي قد زارت روسيا قبلاً وبالأخص القرم. وبعد أن وصلت إلى هنا بالأمس شهدت ما جعلني أعدل الكثير من أفكاري وأعيد صياغة الخطاب من جديد.

لقد وفق منظمو هذا الحدث مرتين، الأول في اختيار فكرة المنتدى لهذا العام حيث تأتي في توقيت حساس، والثاني، هو اختيار القرم مكاناً لإقامتها.

من حيث التوقيت، يأتي المنتدى بينما تفاقمت الصراعات الدولية، والعامل الرئيسي الكامن في خلفية تلك الصراعات، يتمثل في قلق الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، من أفول عهد “الإحادية القطبية”، وسعيها الحثيث إلى عرقلة بزوغ شمس عالم جديد، عالم أكثر ديمقراطية وتعدد. أما المكان، فهو حيث التقت الحضارات وتزواجت مشكلة صورة غنية وحية عن فوائد الشراكة للجميع.

لقد واكبت عملية تكريس عالم “الإحادية القطبية” قبل نحو ربع قرن، مقولتان متزامنتان، الأولى “نهاية التاريخ”، حاول من خلالها فرانسيس فوكوياما، إلباس انتصار الغرب في الحرب البادرة، لباساً أخلاقياً، ورفع ذلك الانتصار ليس فقط إلى مرتبة سياسية أو جيوسياسية، بل ورتبة فلسفية، وكأنه التعبير عن اصطفاء “التاريخ” للنظام الليبرالي وتطويبه مقدساً وترويجه بهذه الصفة. هذه المقولة التي يمكن اعتبارها امتداد للأفكار الإمبريالية والاستعمارية، تقابلت لوهلة مع نظرية “صراع الحضارات”. فالأولى نظرية من اليسار الأميركي تريد تبرير العمليات العسكرية الغربية في العالم على أنها جزء من صيرورة تمدين تعم الأرض بعد أن وصل التاريخ إلى منتهاه، والثانية جاءت من اليمين الأميركي، لتشير إلى أن العالم مقبل على صراعات حضارية ما بين حضاراته الكبرى، قافزةً من فوق أن الصراعات عادة ما تكون لأسباب سياسية ويجري تغليفها بلباس الدين.

أصبح الخوف من الآخر والسعي لإلغائه مقياساً للعمل الدولي، وجرى تغذية الصراعات وشحنها، حتى تحولت نظرية صمئويل هنتغتون إلى نبئوة تحقق ذاتها بذاتها، علماً بأنها لم تكن أكثر من غطاء أكاديمي أخفى مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية، في استكمال تطويق الخصوم والتوغل في مناطق الفراغ الاستراتيجي في العالم، وإحكام القبضة على الحلفاء والمنظومة الدولي وتشكيلها وفق أهواء واشنطن. وصلت العملية إلى ذورتها بعد عملية “11” أيلول.

واليوم، نشهد على تحولات جذرية في ميزان القوى العالمي، بينما تزداد حدة الصراع الدولي، المترافق مع محاولات الدول الغربية شحذ أسلحتها لإرباك خصومها. وإذا كان من الطبيعي أن تسعى تلك الدول إلى الدفاع عما تعتقده مصالح متجذرة لها، فإن الوسائل التي تلجأ إليها، يمكن أن تخلق تهديدات للإنسانية، وتحكم عليها بالشقاء.

فالتجاور ما بين دول ذات أغلبيات مسلمة، ودول كروسيا أو الصين أو الهند، ترى فيه بعض الأصوات في الغرب وسيلة لاسنتزاف خصومها في صراعات لا ترحم، تمكن الدول الغربية من البقاء متحكمة في ميكانيزمات المنظومة الدولية.

وإذا كان هذا الوضع الدولي المتشكل أمامنا، وهذه هي التحديات والراهنات، عندها لا تكون الشراكة مجرد ترف فكري أو صرعة تقدمية أو خيار من خيارات أخرى، بل هي ضرورة وجود وبقاء، حمايةً لدولنا من خطر الإفناء المتبادل والاستنزاف الدائم. ربما كان هذا ما فهمه البعض في تركيا، عندما أدركوا أن مثابرة قادة بلادهم على الانضواء في الخطط الغربية سيتركها وحيدة مستنزفة معادية لجاراتها في الشمال والجنوب، بينما يستنزف الغرب الجميع ويضربهم بعضهم البعض ويدق الأسافين بينهم، محتفظاً بخياراته ومقلصاً خيارات الآخرين، وتاركاً لهم استخلاص الجحيم من جنة “صراع الحضارات”.

والمسارعة إلى تأسيس الشراكة على أسس منطقية ومعقولة، هو تماماً ما تمس الحاجة إليه اليوم. لعل من أهم من أول شروط الشراكة هو الاختيار الحر، عمودها الاقتناع التام بأن الشراكة خيار من أجل إرساء السلام.

يقدم لنا ما رأيته في هذه الأرض الجميلة، نموذجاً لشراكة عن سبق الإصرار والتصميم. شراكة لا تكبل الآخر ولا تلغيه بل تسمح للتنوع جميعاً بالعيش والازدهار وسط تناغم مثالي.

أما عن دور الإعلام المفكرين فهو الترويج لمفهوم شراكة الحضارات ومواجهة نموذج صراع الحضارات،

التركيز على البعد الإنساني والثقافي في أي حضارة أو ثقافة وكيف تواجه جموع الناس مصاعب الحياة،

تحقيق روايات عن صراعات الماضي،

تكريس التغطيات المتبادلة للأحداث والتركيز على الحقائق،

إنشاء آلية لتبادل الخبرات الصحفية والمعلومات الصحفية بين الصحفيين المتواجدين والباحثين بحيث يكون لكل منا مصدره الموضوعي للمعلومة عن الأحداث في 20 دولة على الأقل..

في الختام، أتمنى الخير العميم لمنظمي المؤتمر والمشاركين الذين أغنوا معارفي وأثروا النقاش الدائر حول شراكة الحضارات، وبكل تأكيد لشعوب روسيا الاتحادية وبالأخص القرم. والسلام عليكم…  سبسيفا

اترك تعليقا