الرئيسية » غير مصنف » سيدات أعمال تتارستان – مقابلة مع واحدة من سيدات الأعمال التتريات هي رافيليا شايدولينا

سيدات أعمال تتارستان – مقابلة مع واحدة من سيدات الأعمال التتريات هي رافيليا شايدولينا

كل مرة أزور فيها تتارستان أكتشف صفحات جديدة ممتعة لهذه الجمهورية المتعددة الأطياف، وأعجب بطريقة تطورها في مجالات متعددة، خاصة في مجالي الاقتصاد والثقافة. خلال زيارتي الأخيرة التي امتدت من الرابع وحتى السابع من سبتمبر أيلول 2018، بدعوة من مدير معهد العلاقات الدولية، صديقي القديم وزميلي البروفيسور راميل خير الدينوف، شاركت في أعمال مؤتمر حول الحوار بين الثقافات (سأكتب عن المؤتمر فيما بعد). تعرفت في المؤتمر على أناس كثيرين ذو مهن مختلفة، منهم من كان يشغل مناصب في أعلى هرم السلطة في الجمهورية، ومنهم العلماء الرائدين، ومنهم المختصين في الفنون، ومنهم الصحفيين ورجال الأعمال، كما تعرفت على البسطاء من المؤمنين وغير المؤمنين من عامة أبناء هذه المنطقة الرائعة.

من بين الناس المتميزين الذين تعرفت عليهم كانت رافيليا شايدولينا، وهي تترية ذات ملامح تركية ممزوجة بالملامح السلافية. سيدة أرستقراطية المظهر ولكنها في نفس الوقت منفتحة للحديث.

روت لي باختصار خبرتها في الحياة، و بادرتني فكرة أجراء مقابلة معها لموقعنا، واعتقد أن المقابلة لن تكون ممتعة للجنس اللطيف فحسب، بل وللرجال، اذ أن أي انسان  بتوفر لديه الإرادة القوية والتنظيم الجيد والمعقول للوقت والعمل، يمكنه أن يحقق نجاحات كبيرة في العطاء المادي والروحي على حد سواء.

في هذا السياق طرحت هيئة تحرير الموقع العربي لمجموعة الرؤية الاستراتيجية “روسيا – العالم الإسلامي” اربعة الأسئلة على السيدة رافيليا شايدولينا، وأقد أجابت عليهم بكل سرور.

 

السؤال الأول: تعتبرون من الشخصيات البارزة في تتارستان المعاصرة، حيث أنكم تمكنتم من إنشاء قاعدة من الصفر لعملكم المتمثل في الطبخ. وقد لحظت أنكم ترددون دائما المثل الروسي القائل ” يدعو الله من أحب لطبخ الطعام”. سؤالي لكم: ما هو سر نجاحكم في هذا المجال؟

 

السؤال الثاني: حسب سيرتكم الذاتية، لم تكن الظروف في طفولتكم وشبابكم مريحة أبدا، وقد واجهتم صعوبات جمة، بيد أنكم لم تتمكنوا من اجتيازها فحسب، بل حققتم نتائج ملموسة في مجال الأعمال، هل بإمكانكم أن تحدثوا قارئنا العربي عن خبرتكم الفريدة؟

 

السؤال الثالث: تشكلت في تاريخ روسيا وتتارستان عائلات اتقنت مهنة أو صنعة معينة، والتي تمكنت من إنشاء ثقافة تاريخية واقتصادية. للأسف في ظل اقتصاد السوق في روسيا، بتنا نلحظ أن هذه الظاهرة بدأت تتلاشى بشكل كبير حتى أنها اختفت بشكل كلي في بعض مناطق روسيا وتتارستان، ما الواجب فعله برأيكم للحفاظ على هذه الظاهرة، بل وإعادة إحيائها؟

 

السؤال الرابع: لقد لحظت أنكم سيدة ناجحة ليس فقط في عالم الأعمال فقط، بل وفي عالم الأدب، ماذا يمكنكم أن تقولوا في مجال الإبداع هذا؟

 

الأجوبة:

الجواب الأول: أعتقد أن النجاح في أي مجال مرهون بعلاقتك بالعمل، لا عليك سوى أن تحب عملك، وأن تنجزه بحرص واهتمام وأن تبدع به. لا يجب أن يكون العمل أو المهنة وكأنها عمل شاق أو عقوبة، بل يجب أن يكون جائزة وهبة كبيرة تستحقونها. حينها سوف تتمكنون من اجتياز جميع الصعوبات التي سوف تواجهكم في أي عمل بشكل طبيعي وسهل.

 

الجواب الثاني: في حياة أي انسان سواء كان عربيا أم من المجموعة التركية، روسيا أم أمريكيا هناك خبرة فريدة. وعلينا جميعا أن نعي ونفهم أن كل واحد منا فريد وأن يتحمل المسؤولية الملقاة عليه لتحقيق هذه المزايا الفريدة التي وهبها اياه الخالق.

 

الجواب الثالث: أعتقد أنه من الواجب إعادة إحياء الموروث الثقافي بكل تجلياته والحفاظ على العائلات والسلالات المختصة بمهنة معينة، حين يكون جميع أجيال العائلة الواحدة متقنين لمهنة أو صنعة معينة: إما أن يكونوا منتجين في مجال معين، أو مثلا أن يكونوا جميعا أطباء بيطريين، أو اسكافيين، أو صيادلة وهكذا. أعتقد أن التقاليد (وقد أكرر نفسي هنا) يجب أن تكون جزءا من علاقة الفرد بعمله. أي أنه منذ الصغر على الطفل أن يرى علاقة أهله بعملهم، وفي نفس الوقت اختيار مجال العمل يجب أن يكون حرية كل شخص على حدا، انطلاقا من مواهبه ورغباته.

 

الجواب الرابع:

حسب هذا التقليد، كان علي أن أصبح معلمة، اذ ولدت في عائلة معلمين قرويين. ومنذ الصغر كان لدي اهتمام كبير للأدب، وكنت أحب التأمل بالعالم المحيط بنا وتدوين انطباعاتي. وقد كتبت قصيدتي الأولى في الصف الأول في المدرسة.

كما كنت دائما أستمتع بطهو الطعام. ودائما كنت أعتبر هذا العمل ليس عملا عاديا وإنما عملا خاصا. ومع انتهائي من المدرسة وبلوغ السنة الخامسة عشر من عمري قررت أن أسافر إلى قازان وأن ألتحق بمعهد الطبخ.

بالطبع لم يكن بإمكاني أن أزعل أهلي، كانوا مهتمين بأن يحصل أبنائهم على درجة في التعليم العالي، وتعلمت بالتوازي في معهد قازان التربوي، ولدي دبلوم عالم بفقه اللغة، وحتى أنني حاولت العمل في المدرسة. ولكنني سرعان ما أدركت أن مهنة التعليم هي ليست مهنتي وعدت إلى الأبد إلى مهنتي المفضلة وأصبحت طباخة. كان جدي يقول : ” إطعام الناس من أنبل الأعمال على الأرض”. الشخص الوحيد الذي فهمني ودعمني كان جدي، وافته المنية منذ زمن طويل، ولو كان معنا لكان سعيدا جدا لنجاحاتي. وبأي فخر كنت لأروي وأريه نجاحاتي. سيدة طهاة روسيا، عامل التجارة المكرم من قبل الاتحاد السوفيتي، الفائز بجوائز عديدة في العديد من مسابقات الطهي، والحائز على العديد من درجات الشرف في مجاله.

 مطبخنا القومي ذو طابع خاص، بشحة الفواكه والخضار والمأكولات البحرية قام شعبي باستخدام المتوفر من الطحين والحبوب بتكوين مطبخ غني. “المطبخ التتاري” – تلمود سميك فيه آلاف الأطباق وكل طبخ له تاريخه. مثلا الكازليك التتير بلحم الفرس. طبق ممتاز لأي مقاتل ولعابر سبيل ولضيف منتظر. ففي الرحلات الطويلة لا يفسد الكازليك وهو مفيد وطعمه لذيذ. تبين أن أطباق مشابهة فيها الطحين واللحم موجودة في مطبخ الهنود الحمر الأمريكيين واسمها هناك “بيميكان”.

الأطباق التترية الشعبية هو الكتاب الأكثر طباعة والهدية الأفضل.

 أحلم أن أكتب كتابا عن الأطباق التترية، فيه تاريخها، كما فيه الأطباق التقليدية التي أعيد أحياءها بعد أن اختفت لمدة معينة. ففي مطعمي مثلا نعرف سر طبق ال “خانار بيريمتشي” ولن أبوح لكم بهذا السر. مطاعمنا الشعبية تلقى إقبالا كبيرا. فالأطبار التتارية تلائم جميع الأذواق، وإن كان الطبق دسما بعض الشيء، نقدم معه ال “كاتيك”، أكلة شعبية تساعد على الهضم.

 الدعوة لكوب من الشاي أمر شائع جدا بين التتار، لا يقولون لدينا ندعوكم لمأدبة غداء أو عشاء، بل يقولون ندعوكم لكوب شاي. لأننا نقدم مع الشاي فطائر محشوة باللحم لذيذة جدا (البيلاشي) كما نقدم أطباقا أخرى كال (بيريمتشي، وقسطابي، جوباديا…) ولعل الطريف في الأمر أن هذه الأكلات الدسمة تقدم بعد الشوربة بلحم الخاروف كال (توترغان تافيك)

 استفدت كثيرا من علوم فقه اللغة في أعمالي الأدبية. أكتب قصائدي ورواياتي باللغة التتارية الأم، قد ألفت عدة دواوين شعرية، ومنهاما ترجم إلى لغات أخرى : إلى الروسية مثلا. تقوم بترجمتهم مترجمة رائعة اسمها ثريا غينولينا التي تعيش وتعمل في مدينة نيويورك. وهي كما أنا، تحب وتعشق شعبنا وثقافتنا التتارية وتترجم أعمال الأدباء المعاصرين من التتارية إلى الروسية كي لا “تتراجع” اللغة التتارية من اهتمامات النخبة التتارية المتأثرة بشكل كبير بالثقافة الروسية.

 

لطالما أردت أن أوصف حياة أهل قريتي، وقد أصدرت كتابا اسمه “أوكسيلير” – (الأيتام) ورواية “يالانتاوغا آي كونغان” ( هلال فوق جبل يلالنتاو). الفكرة في أنه عندما يظهر الهلال فوق جبل يلانتاو، يظهر وكأنه جالس عليها، الصورة مدهشة جدا تذكرني بمأذنة الجامع والهلال الذي يعلوها. الكتاب الثاني عن مصير آهل قريتي. وقد ترجم الكتابان إلى اللغة الروسية. الأول اسمه بالطبعة الروسية (آيا آدي) وهو اسم الفتاة اليتيمة ذات السبعة أعوام. والثاني (يلانتاو) وهو اسم الجبل المحاذي لقريتي. تنقلنا الرواية إلى الحقبة التي بدأت منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى يومنا هذا، وتكشف تفاصيل حياة الريف التتاري.

بعد ثورة أكتوبر قام البلاشفة بتدمير الجوامع بشكل همجي في شتى أرجاء البلاد والكنائس وغيرها من الأماكن المقدسة، ولم يكن جامع منطقة آلان تيولاتشينسكي استثنائا، وتدور أحداث الرواية في الجامع. اذ قامت السلطات البلشفية بإغلاق الجامع وتحويله إلى نادي، وقطعوا المأذنة وأسقطوها أرضا، وانفصل الهلال عنها. وقد التقطه جدي والد أمي عبد الحي قدوسوف واحتفظ به حتى مماته. وكانت وصيته لابنه جواد وهو على فراش الموات، أن يعيد الهلال إلى مأذنة الجامع الجديد عندما سيعود الدين إلى الشعب ويحيى في قلوب أهل القرية، وقال حينها : “لن يتمكن أهل القرية من العيش من دون الإيمان” وهذا ما حصل فعلا.

أنا حفيدة ذلك الجد الذي احتفظ بأحد رموز ديننا، وأقرأ كتاب القرآن باللغة العربي ذات الكتاب الذي كان يقرأه جدي وآمل أن أورثه لأحفادي السبعة المهتمين بدين أجدادهم. قمنا بما أوصانا به جدنا ويزين هلال الجامع المدمر مأذنة الجامع الجديد الذي بني بجهود جميع أبناء القرية. أفخر بأجدادي الذين تمكنوا رغم الظروف من الحفاظ على دين الإسلام.

 وحاليا أدعم جامعنا بما استطعت ماديا.

وكوننا ذكرنا السلالات والتقاليد.. بين أحفادي السبعة آمل أن يقوم أحدهم بالاستمرار في عملي، ولن أذكر الإسم الآن بيد أن أحدهم واعد في هذا المجال حقا، يدهش الجميع بمهاراته، حتى أنا لست قادرة على صنع الحلوى التي يصنعها هو، حتى أن أحدا في قازان كلها لا يستطيع صنع حلوى لذيذة كالتي يصنعها حفيدي، قمنا بإحياء وصفة حلوى كادت أن تنقرض. وهي حلوى مصنوعة من الطحين والسكر لا يستطيع صنعها حتى المحترفون الأتراك، إنه طبق المهرة وفناني الطبخ. وكون الجيل الجديد بدأ يزاحمني فيمكنني أن أتفرغ بارتياح إلى الكتابة، مهنتي الثانية.

 

أعد الأسئلة رئيس تحرير النسخة العربية لموقع مجموعة الرؤية الاستراتيجية “روسيا العالم الإسلامي”

 

ترجمة محمد حسان

اترك تعليقا