الرئيسية » سياسة واقتصاد » سهم سكريبال يرتد للغرب

سهم سكريبال يرتد للغرب

يبدو أن «أزمة سكريبال»، التي اندلعت على خلفية تعرض ضابط جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية السابق والجاسوس البريطاني، سيرجي سكريبال، وابنته لهجوم بمادة سامة في مدينة ساليزبري البريطانية، أشبه بكرة الثلج، التي يتسع نطاقها وتزداد ضخامة بمرور الوقت.
في الوقت الذي تتحسن فيه حالة سكريبال وابنته، يزداد الموقف البريطاني حرجاً مع استمرار العجز عن تقديم أدلة قاطعة لتورط روسيا في الحادث، وتوضيح ما هي المادة المستخدمة تحديداً، ومن أين أتت وكيف تم استخدامها؟! وجاء تصريح جاري أيتكينهيد، مدير مختبر العلوم والتكنولوجيا في «بورتون داون» التابع لوزارة الدفاع البريطانية، حول عدم قدرة خبرائه على تحديد منشأ ومصدر المادة السامة، التي استخدمت في الاعتداء، ليجرد لندن من الحجة التي استندت إليها، وينسف ما أدلت به رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ووزير خارجيتها بوريس جونسون ووزير الدفاع جافين وليامسون، في إطار حملة حشد وتدويل الأزمة، التي انطلقت جميعها من أن المادة هي غاز الأعصاب «نوفيتشوك» السوفييتي الصنع. وهو الأمر الذي قد ينتهي باستقالة وزير الخارجية بوريس جونسون، خاصة في ضوء الهجوم العنيف، الذي تشنه الصحف البريطانية عليه واتهامه بالكذب؛ لتصريحه السابق إلى «دويتشه فيله» الألمانية، بأنه حصل على معلومات موثوق بها من مختبر «بورتون داون» تثبت أن مادة «نوفيتشوك» السامة التي يعتقد أنها استخدمت في تسميم سكريبال وابنته يوليا أُدخلت إلى بريطانيا من روسيا.
فقد هاجمت ماري ديجيفسكى في مقالها بصحيفة «إندبندنت»، يوم 4 إبريل/نيسان، بوريس جونسون، وعبّرت عن دعمها لموقف زعيم المعارضة البريطانية جيريمي كوربين إزاء اتهام موسكو وضرورة اللجوء إلى المؤسسات الدولية المختصة لإجراء تحقيق موضوعي، وأشارت إلى أن الكثير من التعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي والمقالات الصحفية في الإنترنت تدل على أن العديد من المواطنين البريطانيين يؤيدون هذا الموقف المتحفظ. وأنه بعد الأكاذيب التي اكتنفت غزو العراق وفي ظل الموقف الغربي المعادي لروسيا، من الصعب تصديق تصريحات الوزراء البريطانيين، التي قد تدل على عدم مهنية الحكومة البريطانية. وأن هذا يكفي لإقالة وزير الخارجية المتورط في تشويه الحقيقة، وكذلك كبار المسؤولين الآخرين، كرئيسي جهازي الاستخبارات «مي-5» و«مي-6». وفي اليوم التالي، 5 إبريل/نيسان، نشرت صحيفة «جارديان» تقريراً بقلم الكاتبة جابي هينسليف، وجّهت فيه انتقادات شديدة اللهجة إلى وزير الخارجية البريطاني، مشيرة إلى أن جونسون ليس «كارثة بصدد الحدوث»؛ بل هو «كارثة حدثت مراراً وتكراراً على مدى السنوات الأخيرة، ولم يتغير شيء سوى حجمها».
على صعيد آخر، خرجت الأزمة من كونها بريطانية روسية لتصبح غربية روسية؛ حيث يزداد التوتر بين روسيا والغرب تأزماً ويتضمن إجراءات هيكلية من الجانبين يصعب تجاوزها أو العدول عنها في المدى المنظور، واعتبر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن هذا الوضع يهدد السلام والأمن في العالم. فقد تبادلت 29 دولة غربية وروسيا طرد عشرات الدبلوماسيين؛ بعد أن أعلنت هذه الدول تضامنها مع بريطانيا، كما قام حلف شمال الأطلسي (الناتو) بطرد عشرة روس من بعثته في بروكسل. ورغم أن الأزمة بين لندن وموسكو، فقد كانت واشنطن هي الأكثر تشدداً وتصعيداً في مواجهة روسيا، وقامت بطرد 60 دبلوماسياً روسياً، وإغلاق القنصلية الروسية في سياتل، أعقب ذلك قرار وزارة الخزانة الأمريكية بإضافة 24 شخصاً و14 مؤسسة إلى قائمة العقوبات المفروضة على روسيا من قبل واشنطن، من بينهم وزير الداخلية فلاديمير كولوكولتسيف، وسكرتير مجلس الأمن نيكولاي باتروشيف، ومساعد الرئيس الروسي يفجيني شكولوف.
وتمتد المواجهة لتشمل سباقاً للتسلح؛ حيث اعتبر وزير الدفاع البريطاني جافين ويليامسون أنه ينبغي على حكومة بلاده أخذ الإجراءات التي من شأنها تعزيز القدرات الدفاعية؛ لمواجهة ما وصفه ب«التهديد الروسي المتنامي». وقد تشمل أيضاً إجراءات اقتصادية في ضوء بحث بريطانيا حظر طرح السندات السيادية الروسية في بورصة لندن، في خطوة تهدف إلى عرقلة نمو الاقتصاد الروسي، الذي يواجه صعوبات واضحة على مدى العامين الماضيين؛ نتيجة الانخفاض في أسعار النفط.
وتنذر مثل هذه الإجراءات بتصعيد المواجهة الغربية وخاصة الأمريكية مع روسيا، وربما تكون محاولة للضغط على موسكو بشأن عدد من الملفات المهمة، من أبرزها: ملف الكيماوي السوري، فقد استخدمت روسيا الفيتو ضد مشروع القرار الأمريكي في مجلس الأمن، الذي يقضي بتمديد مهمة لجنة التحقيق الدولية في استخدام الأسلحة الكيمياوية في سوريا، في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وبهذا انتهى تفويض اللجنة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتوقفت عن عملها في سوريا، وكان التحقيق قد خلص إلى أن الحكومة السورية قد استخدمت غاز السارين المحظور في هجوم 4 إبريل/نيسان 2017. واتهمت المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة، نيكي هيالي، روسيا بعرقلة جهود المجتمع الدولي لمحاسبة الجهات المسؤولة عن استخدام الأسلحة الكيمياوية، وأكدت أن بلادها لن تستسلم أمام «الفيتو» الروسي، وأعربت الخارجية الأمريكية، في بيان يوم 27 مارس/آذار، عن أمل واشنطن في عودة موسكو إلى ساحة المفاوضات الأممية بشأن آلية التحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا.
كذلك الملف المتعلق بإيران؛ حيث تأمل واشنطن في تحييد موسكو عند إقدامها المتوقع في مايو/أيار المقبل على نقض ومراجعة الاتفاق النووي مع إيران. ومن المعروف أن موسكو تدعو للتمسك بالاتفاق، وتؤكد التزام إيران به، كما استطاعت في فبراير/شباط الماضي عرقلة مشروع قرار بريطاني يدين إيران بانتهاك حظر الأسلحة على اليمن، ويدعو إلى تحرك أكبر ضد طهران، بعد أن فشلت في اتخاذ الإجراءات الضرورية لمنع التزويد المباشر أو غير المباشر وبيع ونقل الصواريخ البالستية القصيرة المدى والطائرات المسيرة، وغيرها من التجهيزات العسكرية إلى الحوثيين. وتقدمت روسيا بمشروع قرار مواز لذلك الذي قدمته بريطانيا، يقضي بتمديد العقوبات على اليمن حتى فبراير 2019، لكن دون أي إشارة إلى التقرير الأممي بشأن إيران أو أي تحرك محتمل يستهدف طهران. وقد تبنى مجلس الأمن مشروع القرار الروسي في 26 فبراير (القرار 2402)، فيما عده البعض هزيمة لبريطانيا ومن ورائها واشنطن.
إن أزمة سكريبال هي حلقة في سلسلة ممتدة من الخلافات الهيكلية بين روسيا والغرب، يحاول من خلالها الأخير التضييق على روسيا والضغط عليها في عدد من الملفات المهمة بالنسبة له، التي أصبحت المواقف الروسية تجاهها تهدد مصالحه؛ ولكن من الواضح أن روسيا لن تنصاع إلى ضغوط الغرب، ولديها إصرار واضح على نهج الاستقلال في سياستها الخارجية والتعامل مع الغرب من منطلق الندية، الأكثر من هذا أنها عازمة على كشف كل حقائق وملابسات أزمة سكريبال وتتهم الاستخبارات البريطانية بالضلوع في الحادث؛ ليرتد السهم الذي أطلقه الغرب باتجاه روسيا إلى قلب لندن.
د. نورهان الشيخ

اترك تعليقا