الرئيسية » اكتشف روسيا! » روسيا في عيني طبيبة خريجة جامعة الصداقة بين الشعوب

روسيا في عيني طبيبة خريجة جامعة الصداقة بين الشعوب

د. جمال القرى
لا شكّ في أن من درس في الإتحاد السوفياتي وفي روسيا هو إنسانٌ محظوظٌ جداً. فبغضّ النظر عن المراحل السياسية التي حكمت عهوداً مختلفة من تاريخ هذا البلد، فقد كانت العلاقات بين روسيا ودولنا العربية ومنها على الأخصّ لبنان تعود بتاريخها إلى زمنٍ أبعد بكثير من فترة ستينات القرن الماضي التي شهدت طفرةً بتوجّه الطلاب إلى موسكو يمكن عدّهم بالآلاف، وتراوحت ما بين العلاقات الدينية والثقافية والسياسية. على أن هذه الطفرة لا يمكن ربطها بالمرحلة الإشتراكية لروسيا فقط، بل هي تدخل في إطار التقارب الروسي اللبناني على المستوى الإجتماعي والثقافي والعلمي والسياسي والديني. فروسيا بادىء ذي بدءٍ، دولة أرثوذكسية تُعتبر المركز الأرثوذكسي الأول في العالم بعد إنهيار الدولة البيزنطية، ولا تزال. من هنا يأتي اهتمام الدولة الروسية بالإستمرار في العلاقات التاريخية بين البلدين وتعزيزها عبر تعزيز التعليم، وفتح الآفاق نحو تعاونٍ نحن في بلدنا العالمثالي بأمسّ الحاجة إليه. لقد فتحت الجامعات الروسية أبوابها لنا منذ ستينات القرن الماضي للتعلّم، في حين كان يصعب على أي أحدٍ منا تلقّي تعليمه العالي في لبنان، نظراً لكلفته العالية ولإنتقائية الإختصاصات المهمّة فيه التي كانت حكراً على أبناء الطبقة العليا، كما لعدم قدرة الجامعة الوطنية على إستيعاب الأعداد الكبيرة من الطلاب ولعدم قدرتها على تأمين كافة الإختصاصات المطلوبة. فنحن لم نتلقّ التعليم فقط، بل عشنا تجربة ثقافية واسعة عرّفتنا على نمطٍ جديدٍ من العلاقات الإنسانية نفتقدها في بلادنا. لقد احتضنتنا الدولة الروسية، واحتضننا شعبها كله، واعتبرنا كأفرادٍ منه دون تمييزٍ، لا بل وأكثر من ذلك، لقد شعرنا بإحترامٍ لم نذق طعمه يوماً. لقد درست في جامعة الصداقة في كلية الطب بدءًا من العام 1976، وأنهيت إختصاصي في الطب النسائي في العام 1988، وأكاد أجزم أنها كانت أجمل وأهمّ إثنتي عشر عاماً في حياتي، حيث تبلورت شخصيتي ليس في جانبها المهني فقط، بل في جانبها الإنساني الأممي والثقافي والفكري. لقد عشنا مع طلابٍ من كل أنحاء العالم بإلفةٍ ومحبةٍ وتعاونٍ لا تجده في أي دولةٍ في العالم مهما علا شأنها وكان نظامها متطورّاً، وكل ذلك برعايةٍ وسهرٍ من المضيفين الروس. لقد تعاملوا معنا في الجامعة أسوةً بطلابهم الروس، فتحوا لنا كل المجالات لزيادة معرفتنا في إختصاصاتنا، ولم يتوانوا حتى بعد إنتهاء الدوام من العمل على تصحيح ما كان يمكنه أن يكون تقصيراً منا لأسبابٍ متعددّة. إلى جانب ذلك، لقد منحتنا الجامعة الأمان في حياتنا، وشملتنا بتغطيةٍ صحيةٍ شاملةٍ ومتابعةٍ يوميةٍ تعجز عنها دول كبرى، وساهمت في إغناء نفوسنا بالتعرّف على ثقافة البلاد الغنية في الأدب والشعر والفنّ والموسيقى، مما ساعد على تهذيب وتشذيب نفوسنا،  وكل يومٍ، تزداد قناعتي أكثر بأن المستوى التعليمي في روسيا يسبق أحياناً كثيرة المستوى في الغرب، أقصد مستوى الإبداع والقدرات الذهنية والعلمية والعملية المرتبطة إرتباطاً مباشراً بالتطوّر العلمي الذي هو رائد في هذه البلاد، على أن تخلّف التكنولوجيا في بعض المجالات في السابق، فتح الباب لأن يسبق الغرب فيها روسيا في فتراتٍ محدّدة، بدا خلالها أكثر تطوّراً، بينما كان التطورّ الإكتشافي والإبداعي لدى الروس أعلى، ولو لم يستطيعوا إبرازه نظراً لحدودية الإمكانيات التكنولوجية حينها…
  وعدنا إلى ديارنا مسلّحين بالمعرفة. على أن وجودنا في بلدنا كإختصاصيين في مختلف المجالات كان دونه صعوبات لأسبابٍ لا يتسّع الوقت لتعدادها.
إن أهم ما يمكن ذكره كنتيجةٍ لهذا الإنفتاح والعلاقة مع دولة هي أوروبية وشرقية في آن، هو في التفاعل الإجتماعي والثقافي بين الشعوب، هو يخلق الفرصة للخروج من قوقعة القبيلة والعشيرة والطائفة التي نعيش بكنفها. لقد تعلّمنا من خلال المجتمع الروسي والثقافة والأدب الروسيين، أن الإنسانية لا حدود لها، وكذلك الإعتراض على الواقع القائم أيضاً لا حدود له، لقد تولّدت فينا حالة من رفض التقليد وحالة من الإنسياب بين الثقافات من كل أقطار العالم، لقد فُتّحت عيوننا على آفاقٍ واسعةٍ دخلت في وعينا ولا يمكن التراجع عنها، لقد فهمنا أن الناس هي عصب الحياة، والإنسانية هي المدخل للتغيير والتطوّر، لقد فهمنا معنى أن يكون الفرد مواطناً يتعلّق بمصلحة وطنه في كل الظروف، وهذا ما يفسّر تعلّق كل من درس في روسيا بها، وباعتبارها وطنه الثاني، لقد ملأت فينا فراغاً نفتقده في بلدنا.
واليوم، تطوّرت الجامعة أكثر بفضل السياسة المتّبعة من قِبل إدارتها ورئاستها، وأُدخِلت إختصاصات جديدة في برامجها تشكّل حاجة لنا في مجتمعنا نظراً لعدم توفّرها. كما أنها باتت تدّرس بلغاتٍ عالميةٍ أخرى مما أكسبها ريادةً على المستوى العالمي وجعلها في عداد الجامعات العالمية المشهود لها..
والآن بعد الإقتراب من سن التقاعد، أشعر بأن عليّ دين ورسالة حبٍ أؤديّها لجامعتي ولموسكو ولروسيا التي أحبّ، وهي تعريف الناس بالثقافة الروسية والعمل على التقارب بين الثقافتين في وقتٍ تطغى فيه أفكار غير صحيحة عن هذه البلاد متعلّقة بما هو أبعد من ذلك. وها أنا أعمل من خلال علاقاتي والناس التي أحتكّ بها يومياً إلى رفع شأن مجتمعي بما هو متاح لي، وكذلك رفع شأن المرأة وموقعها الإجتماعي وتحصيل حقوقها لتصبح قريبة من المرأة الروسية التي تحرّرت، ولكي يصبح مجتمعنا المتشظّي أكثر إنسجاماً، ونصبح نحن فيه مواطنين..

اترك تعليقا