الرئيسية » اكتشف روسيا! » روح البطولة الروسية (الحلقة العاشرة)

روح البطولة الروسية (الحلقة العاشرة)

نموذج رياضي أسطوري آخر هو لاعب الهوكي فاليري خارلاموف، الذي شغل قلوب كل الرياضيين الروس لا بل الأجانب بما فيهم الكنديين أخصامه. فهذا الرياضي الذي حصد ميداليات ذهبية في بطولات عالمية، بينها في دورتين أولمبيتين كبيرتين، ومنح لقب البطولة السوفياتية لأكثر من 11 مرة، تحول بعد انتصار فريق الهوكي الروسي في عام 1972 على خصمه الكندي الأقوى عالمياً آنذاك، والتي  أطلقت عليه الصحافة الرياضية “ماتش القرن” ، إلى ملهم لكل من يحب هذا النوع من الرياضة. وتحولت إنجازاته الرياضية إلى موضوعات تربوية شيقة لبرامج تلفزيونية ولأفلام سينمائية، منها فيلم رقم 17 الواسع الشعرة والذي حمل عنوان نفس  الرقم الذي كان يحمله خارلاموف في المباريات. وتحول هذا الموروث الرياضي الى ظاهرة وطنية “هوكية” يهتدى بها. ودخلت أسماء مثل خارلاموف وتاراسوف (المربي الرياضي الشهير) وترتياكوف وفيتيسوف إلى أعلى قائمة الرياضيين الذي صنعوا المجد للرياضة الروسية.[1]

وكل هذه الانتصارات كانت شديدة الالتصاق بثلاثية الرموز الوطنية الكبرى للروس وهي العَلَم الروسي والنشيد الوطني وشعار الدولة. وكلما ترفع هذه الرموز الروسية عالياً في المهرجانات الرياضية الدولية يرتفع القلب الروسي فخراً بأبنائه وبوطنه ويشكل مع الزمن موروثاً ثقافياً تتربى الأجيال على اساسه.

مثلاً ساطعاً ثالثاً للبطولة التي قد يبدأ تسجيلها المراقب للانتصارات الرياضية الروسية ولا ينتهي، إلاّ ان فرادة بعض البطولات الخارقة، تتوجب الوقوف قليلاً عند أبطال أبطالها. وأعني بذلك روح البطولة التي دخلت بأحرف من نور في تاريخ روح بطولة السباحة الروسية. وأخص بالذكر شافارش كاربتيان. حيث حصد 11 جائزة وبطولية عالمية وقلد بطلاً لأوروبا لثلاث عشرة مرة. والحادثة التي أدخلته التاريخ من بابه العريض كانت في عام 1976 حيث شهد شافارش وأخويه حادثة سقوط تراموي في بحيرة يرفان. فلقد استطاع بطاقة بطولية منقطعة النظير أن ينقذ 20 راكباً من أصل 92. حيث أقدم شافارش نفسه على الغوص في المياه العكرة للبحيرة وعلى عمق عشرة أمتار ولمدة عشرين مرة وتمكن بقدرة خارقة من أن ينقذ فيها هذه الأرواح العشرين، فلقد كان يسلم كل ناج منها على الشاطئ  إلى كل من أخيه الأول والثاني المدرب. وتبيّن من بعد تقرير الأطباء بأن الجهة التي أنقذت هؤلاء ليست فرق الإغاثة بل شخص وحيد هو البطل الأسطوري شافارش. فهذه المأثرة التي حدثت في ظل ظروف شديدة الصعوبة، لم تكن بدون نتائج سلبية، فلقد أصيب السباح بنزل برد قوية كادت تفتك برئتيه وتنهي حياته. وهذه التي دفعته لأن ينهي حياته الرياضية، إلاّ أن هذه الحادثة لم تكسرعنفوانه ولا قوة الانتماء إلى وطنه. وفي واحد من التصاريح التي نطق فيها هي إقراره بخطأ ارتكبه دون أن يدري بذلك وهو أثناء غطسه السريع طوال العشرين مرة وإنقاذه لعشرين نفس بشرية، ونتيجة لغياب الرؤية الصافية ولتراجيديا الحدث، فلقد اقتلع مرة وبقوة تفوق الطاقة البشرية مقعداً من التراموي كان ملتصقاً بطريقة ما بأحد الركاب، وطلع به دون الراكب دون أن يدري إلى الشاطئ. ما قاله بالحرف الواحد “هذه الحادثة كانت ترافقني كالشبح في منامي ولحظات يقظتي.[2]

هذه الأمثلة الثلاث التي توقفنا عندها ليست إلا نقطة في بحر الملاحم البشرية الرياضية والإنسانية التي قام ويقوم بها الروس في اللحظات الأكثر دراماتيكية في تاريخهم المليء بالمآسي والحروب وأخطاء الإنسان والتكنولوجيا وتحديات الطبيعة والخصوم. وفي كل هذه المآثر التي تعكس أقوى المزايا الإنسانية لم يكن مصدرها فقط القوة العضلية للرياضيين، بل أيضاً المخزون الأخلاقي عندهم الرفيع جداً.

فالروسي صبور إلى درجة لا يتحملها الإنسان، وحياته في تاريخه القديم والوسيط والحديث والمعاصر نادراً ما منحته الراحة والبحبوحة. إلا أنه من أتون المصاعب اجترح الانتصارات والابتكارات والمآثر في عالم الرياضة وغيرها من العوالم الأخرى. غير ان قوة الفيزيولوجية والمواطنية الروسية لا تعبر عن نفسها بشكل ملحمي إلا في زمن الشدائد الكبرى وتحديداً في زمن الحروب التي تحاول زرع الخراب والموت في الإنسان والحيوان والنبات وكل معالم البناء في الريف والمدن الروسية. وأبرز الأمثلة الساطعة على ذلك، هي البطولات الخارقة التي قام بها الرياضيون الروس إبان الحرب العالمية الثانية، أو ما يطلق عليها الروس تسمية الحرب الوطنية العظمى، وحول هذه المحطة شكلت واحدة من أبرز منعطفات التاريخ الروسي دموية ومصيرية، سيكون الكلام التالي.

سهيل فرح

[1]  – راجع بهذا الصدد دوسبيخوف أ. فاليري خارلاموف الذي صنع مجده في كندا، جريدة الكومرسانت، عدد 105، تاريخ 10-6-2005، ص 23.

[2]  – ليا سماريكينا Fair Play أو خمس مآثر رجولية في تاريخ الرياضة.

www.sportsredaru/article/2013/Fevral

اترك تعليقا