الرئيسية » حضاريات » روح البطولة الروسية (الحلقة الخامسة)

روح البطولة الروسية (الحلقة الخامسة)

الحلقة الخامسة

في لحظات، لا بل فترات السكينة والخنوع إلى درجة الاكتئاب احياناً، التي تنتاب الشخصية الروسية، نراها ترضخ ليس فقط للجانب الضعيف او المعتم في تركيبتها، بل انها توسع دائرة النشاط في آذانها المستسلمة لما يقوله الغير عنها من توصيفات سلبية، وعادةً ما يكون الغير في هذا السياق طامعاً في أراضيها وثرواتها. وفي مجمل الفترات يجد هذا “الغير” طابوراً خامساً داخل الشخصية الروسية، يركن إليه من أجل غرس جرثومة الوهن وعدم الثقة بنفسه، فيبدو الروسي الضعيف النفس فاتحاً شدقيه أمام نموذج “وردي واهم بهدايا الغير”، ظاناً بأن جسر خلاصه من ضيق عيشه ومن التخلص من مصائبه، هو العبور إلى تقمّص النموذج الآخر ذ      والتأثير في التاريخ الروسي. إلاّ انها حالات تبدو منعزلة عن المسار التاريخي الروسي الخاص به. تبدو وكأنها “ملفوظة” أو مرمية على ضفاف المجرى العام لحراك الحضارة الروسية.

وفي كل مرحلة من مراحل التحول الروسي الهادف إلى نفض غبار التأثير السلبي من الغير، تحدث أنواع متنوعة من التمرد والانتفاضة عليه. وحتى الثورات الكبرى التي تأتي بالأفكار الراديكالية التي تلبس ثوباً ليبرالياً غريباً بحتاً، أو حتى ماركسياً شيوعياً، والتي تسعى لأن تنزع عن الهوية الروسية خصوصيتها الثقافية أو الروحية أو الأكسيولوجية، فإن احتياطات العراقة الحضارية في شخصيتها، سرعان ما تظهر في أقلام أدبيات الروس ومفكريهم وقنانيهم وعلمانهم وسياسييهم وسائر ممثلي الشعب الروسي، لتطلق الصرخة عالية بأن روسيا اللغة والثقافة والحضارة، ما زالت حية وان كل انواع الانحلال والضغط والقهر واللاعدل التي تضغط على روحها وقوتها ومصيرها، هي موجات صيف عابرة، وان أمامها الكثير- الكثير من أجل إنجازه.

ولعل واحد من كبار المفكرين الروس، الذين فهموا أكثر من غيرهم روح البطولة والإبداع الأبدي التجدد في الشخصية الروسية، عبر شكل ساطع عن هذه الحالة، وأقصد إيفان إيلين: “للشعب الروسي قدرات خارقة على التضحية، وعلى التضامن مع الغير، حتى في لحظات محاولات إغراقه في موجات النكوص الوطني، والخيبة بطاقاته، والغوص في أوحال السياسات المبتذلة… وفي كل مرحلة دراماتيكية – مأساوية كبرى تنهض الروح الإبداعية الروسية لتنتصر على نقاط هزائمها وضعفها…”[1]

هذا ما يلمسه الباحث في ظل حكم تسلط وطمع ونرجسية الأمراء الروس حيث أراد كل حاكم أن ينهش من الجسد الروسي الواحد، لكي يثبت حكمه ويضطهد شعبه ويخطف روحه، ويحاصر قوته ويهدد مصيره. هذا ما تكرّر في ظل حكم العديد من القياصرة “الصغار” والأمناء العامين “الضعيفين الموهبة” في الفترة السوفياتية و “القصيرين النظر والفطنة” في الفترة الروسية التي أعقبت فوراً سقوط الاتحاد السوفياتي. فظهور شخصيات على واجهة المشهد الروسي في الفترة المعاصرة، أمثال غايدار وتشوبايتس ومعهم كوزريف وبيرزوفسكي وكل طاقم الليبراليين والنيوليبراليين والمنظرين المرضى نفسياً وثقافياً و الواقعين تحت التأثير السلبي ل “لا فلسفات” و “لإ ثفاقات” عصر ما بعد الحداثة، كل هؤلاء يشكلون أدراناً مؤذية لشرايين الحياة الروسية.  هذا التيار الهادف، عن وعي او عدم وعي، لكسر جبروت الثقة بالخيار الروسي المبدع والمتفاعل مع كل إبداعات وإنجازات الحضارات الأخرى.

ولعلّ بروز “الظاهرة البوتينية” وأي كانت الانتقادات الخارجية والداخلية لها، سرعان ما عبرت عن نفسها كحالة تمرّد روسية عامة على محاولة الفتك في خلايا القوة الروسية. في هذه الظاهرة،و رغم تعثر خطواتها الداخلية، فهي في المسار العام للتاريخ الروسي ظاهرة عافية وعنفوان وطني ونفسي وحضاري روسي. وهي تتطلب بلا شك الكثير من عناصر القوة الروسية بإبداعاتها العلمية والاقتصادية والثقافية والرياضية والتكنولوجية، لكي تقدم نموذجاً جديداً يعيد للروسي ثقته بنفسه وحضارته بحاضرها ومصيرها.

وأثبتت معظم التجارب التاريخية التي عاشها الروسي في علاقته مع الضغوط الخارجية بأنه سرعان ما يتناسى مشاكله، لا بل مصائبه الداخلية ويوجه طاقته البناءة نحو هدفين: الأول الانصراف الأنشط لتفعيل إنتاجه المادي والفكري والروحي والثقافي الداخلي، والثاني دعم الحاكم أي كان موقفه من نقاط ضعفه في هذا الميدان أو ذاك. رغم هذا كله فإنّ عقداً مزمنة تعيشها الشخصية الروسية. سنتكلم عن واحدة منها. (يتبع)

[1]  – إيفان إيلين. المجلد الأول. موسكو، 1998، ص 141 – 143.

سهيل فرح

اترك تعليقا