الرئيسية » حضاريات » روح البطولة الروسية (الحلقة الثانية)

روح البطولة الروسية (الحلقة الثانية)

الحلقة الثانية

الروسي أمام شعور الانكسار في منعطفات التاريخ

مشاعر البطولة بالمعنى الإيجابي في الطابع القومي الروسي تظهر أثناء اجتراح الانتصارات التي تكون نتيجتها كسر شوكة الخصم العسكري أو السياسي، أو الرياضي. بطولات ألكسندر نِفسكي أمام السويديين التي سجلت اسمه في أسطع صفحات العزة العسكرية والديبلوماسية و الروحية التي جسدها نيفسكي طوال حياته. و كذا بطولات كل من إيفان سوسانين أمام الغازي البولوني وألكسندر ماتروسوف؛ نيكولاي كوزنتسوف؛ زويا كوسما ديمينسكايا؛ وإيفان كاجيدوب في الحرب الوطنية العظمى، هؤلاء وغيرهم الكثيرين أبدوا بطولات خارقة في دفاعهم عن وطنهم الروسيا. لم يأبهوا بأنهر الدم ومآسي الجوع والتحديات الكبرى لقساوة الطبيعة. فالتحدي الأساسي لهم هو الخصم، هو الانتصار التام عليه، هكذا كان الأمر مع أساطين القوة العسكرية الروسية أمثال كوتوزوف، سوفوروف، ناخيمسكي، جوكوف و عدد لا يحصى من بطولات الجنود و الضباط و الناس العاديين في كل مجالات الحياة.

وروح البطولة الروسية أمام تحديات الخصم والطبيعة لم تكن حالات فردية منعزلة، بل رافقتها ظاهرات شعبية – جماهيرية شارك فيها معظم أفراد المجتمع تقريباً. وهذا ما يبرز أثناء حصار المدن والقرى، أو أمام مخاضر الجوع والإستلشاء والعداء الأعمى للخصم. فعملية الدفاع الجماعية والصمود الأسطوري لسكان لينيغراد أمام الحصار الفاشي الألماني وتحصين مدينة سيفستوبل وستالينغراد  و موسكو(1942 – 1945) وقبلها معارك بورودنسكي (امام الزحف الفرنسي النابوليوني في عام 1812). هذه ليست إلاّ أمثلة قليلة جداً من ملاحم البطولة الجماعية التي أظهرها الروس أمام المعتدين الأجانب.

ويقول بهذا الصدد الأكاديمي الروسي ليخانشوف، كما هو الأمر في الحرب الوطنية التي شهدتها البلاد في أوائل القرن السابع عشر، فإنّ مشاعر الواجب الوطني كانت واضحة الحضور لدى معظم فئات المجتمع. ولدى كل فرد كان يعيش فيه الإحساس بالمسؤولية الفردية من أجل الإستبسال للدفاع عن الأرض الروسية ككلّ. إنّ سكان المدن والقرى كانوا جاهزين بملء إرادتهم لبذل التضحيات الشخصية من أجل إنقاذ الوطن… إنّ سكان مقاطعة نيجني نوفغورد الذين يعيشون في حوض الفولغا كانوا على أتمّ الاستعداد للتضحية ببيوتهم ونسائهم وأولادهم وسائر ممتلكاتهم… لقد أوكلوا روحهم إلى رب الأعالي من أجل الوطن…[1]

ولعلّ روح التضحية والبطولة في الطابع القومي الروسي، لم تكن محصورة فقط حيال الروس نفسهم، بل إنها ظهرت وفي حقبات متتالية من التاريخ، حيال إخوانهم في الإنتماء الإتني : السلاف، وإخوانهم في الإيمان: المسيحيين الأرثوذكس، وإخوانهم في الانتماء الإيديولوجي: السوفييت، وحتى الانتماء الأممي: مجمل حركات التحرر الوطني في القرن العشرين… وصولاً إلى تضامنهم الإنساني مع إخوانهم في الإنسانية الكوبيين والسوريين وغيرهم.

وهناك فكرة نمطية تتردد دائماً لدى الغربيين ومعهم المغربنين أنفسهم داخل روسيا، مفادها بأن الروسي لا يجيد إلاّ الركون إلى الخمول اليومي وصنع الأحلام دون العمل الجاد من أجل تحقيقها. وعادةً ما يستقوا  بشكل مجتزأ ، بعضمن الكلام من كتابات الكبار من الكتّاب الروس. فبوشكين مثلاً ، الذي يعتبر ايقونة الشعر الروسي وأحد أساطينه الكبار في العالم، استعمل في بعض أسفاره وكتاباته النثرية كلمات “الروس الكسالى وغير الطموحين”.  مثل هكذا كلام يأخذه الروس الذين يتبعون نهج “جلد الذات” الدائم حيال شعبهم ويكرر ذلك معهم كل الراغبين بالتركيز على بعض جوانب الضعف في الشخصية الروسية، ويحاولون تعميمها لتشكل عندهم ظاهرة سلبية وكأنها تكاد تطبع نمط حياة الروسي ككلّ. لا يأخذون من هذه الأشعار والكتابات التي قالها بوشكين وغيره، إلاّ بشكل مجتزأ. ولا يكلفون أنفسهم عبء التفكير الجدي ليدرسوا بتأن أين قيل ذاك الكلام السلبي، وفي ظل أي ظروف؟ وهل من الموضوعية بمكان تعميمه؟…

ولكوننا أخذنا من بوشكين تلك الكلمات، دعونا نرى ما كان يقصده تحديداً بوشكين؟ لقد استعمل فعلاً هذه الكلمات حول حالة محددة مرتبط بسلوكية شخص بعينه. ففي عمله المعنون “رحلة أرزوم” لاحظ الشاعر الحادثة المتعلقة بموت الديبلوماسي والأديب غريباديف عندما قال بالحرف الواحد: “إن سرد سيرته هي مسألة تطال أصدقائه، ولكن أناسا عظام من أبناء جلدتنا يختفون من بيننا، دون أن يتركوا أثراً… نحن كسالى وغير طموحين…”[2]

بوشكين في هذا الكلام كان يقصد فيه أصدقاء غريباديف تجديدا وهو كان يعتبر نفسه واحداً منهم. ولم يكن يسمح لنفسه بأن يعمم هذا على تقييمه للطابع السلوكي للشعب الروسي كله. فالإنسان الروسي “الموجيك”، ظهر في أقاصيصه واشعاره بأنه ذكي، وكان يبين دائما بأن يده وعقله تجيد استعمال العديد من المهن في وقت واحد، وطباعه لا تتحمّل الكذب والنفاق… وهذه الصورة نراها بارزة في أعمال كتّاب آخرين كسلطيكوف شيدرين في أقصوصته “عن ذاك الموجيك الذي أطعم جنرالين”. فالموجيك ذاك الإنسان السيء الهندام، المتناثر الشعر، والذي لا يغتسل بشكل دوري، عادة ما يقوم بأعمال، يعجز عن القيام بها ، حتى أفضل الرجال الحسني الهندام والكلام المعسول. حتى إن صورة “إيفان الأبله” التي تعج في العديد من الكتابات الفولكلورية، فإن هذه الصورة لا تعكس إطلاقاً صورة إيفان الذي يبدو لأول وهلة وكأنه ذاك “الأبله” غير المبال في شؤون الدين والدنيا، وكأنه بعيد كل البعد عن حكمة العقل وتسيير شؤون أموره الحياتية. فإيفان هذا يظهر في الكتابات الأخرى، صوتاً حقيقياً لألم وفرح الناس البسطاء، لهزيمة وانتصار الشعب، يظهر في بعض القصص بأنه واحداً شخص شديد الذكاء، يظهر أحيانا على واجهة المشهد السياسي من المستشارين الذين يجلسون إلى يمين كرسي البلاط القيصري، يظهر بأنه قريب من مسمع الرجل الأول الممسك زمام الحكم في روسيا.

وصورة الأب الروحي للعلم الروسي التي ارتبط اسمه بأبرز الاكتشافات وبتقدم كل العلوم في زمته، والتي سميت بإسمه الجامعة الأولى بروسيا وهو ميخائيل لومونسوف، كان من أبناء الشعب البسطاء من الذين ارتبطت طفولتهم بصيد السمك وبيعه ليقتات طعام يومه. وهو الذي كان ينتقل من مسقط رأسه في أرخانجلسك إلى موسكو قاطعاً آلاف الكيلومترات، وفي ظروف مناخية باردة قاسية جداً ومن على طرقات متعثرة، هذا الإنسان الروسي البسيط، تمكن بقوة إرادته وحبه للحياة والمعارف والعلوم أن يؤكد حضوره لاحقاً في سانت بطرسبورغ وموسكو، وأن يلتحق بأعرق الجامعات الألمانية، ليرجع إلى بلده ولينجز أبرز المفاخر العلمية وليصل إلى أعلى سلالم المعرفة. الأمر الذي حوله العلم الروسي إلى ايقونته التي تحفزه دائماً على اجتراح أعقد الاكتشافات من أصعب الظروف والإمكانيات. (يتبع)

[1]  – ديمتري ليخاتشوف. الوعي الوطني لروسيا القديمة، موسكو – لينيغراد، 1945 – ص 112.

[2]  – ألكسندر بوشكين. رحلة أرزروم أثناء حملة عام 1829. المجموعات المختارة في خمس مجلدات. المجلد الرابع،

      سانت بطرسبورغ، دار بيبليوبوليس، 1994، ص 219.

بقلم رئيس التحرير د. سهيل فرح

اترك تعليقا