الرئيسية » حضاريات » روح البطولة الروسية (الحلقة الثالثة)

روح البطولة الروسية (الحلقة الثالثة)

الحلقة الثالثة

الحرب اليومية موجهة من قبل الطقس على جسد الروسي التي يحاصره البرد القارس طوال ما يقارب الثمانية أشهر في السنة، وعليه أن يعمل المستحيل من أجل تدفئة منزله وأن يؤمّن قوت عيشه. وهذا بحدّ ذاته يشكل التحدي الدائم له في كل تفاصيل يومياته، وينعكس على مجمل ألفاظ وسلوكيات يومياته. من هذا المناخ تتكون معادلة الجمال والقبح، النور والعتمة، الانتصار والهزيمة في الطابع القومي الروسي.

 من بياض الثلج والجليد، البلوري – الناصع، والبارد القارس، من الرياح والنسائم المتنوعة في درجات حرارتها التي تلفح شطآن الروسيا بمحيطاتها وأنهارها وبحيراتها وغاباتها وقراها ومدنها، التي تزود الجسم الروسي بالأوكسيجين النقي وغيره منها كلها تنسج أجمل الأشعار والكتابات واللوحات والرقصات والروحانيات وتجترح أكبر البطولات. ومنها أيضاً في شقها غير المريح ومعه ظروف المعيشة الشديدة الصعوبة تبرز الألفاظ الجافة والسلوكيات الرعناء الصادرة من المنطقة غير الصحية في وعيه ولاوعيه، والركون أحياناً إلى الوحدة والاكتئاب وشرب الكحول وتعاطي المخدرات والتقوقع ضمن الدائرة المنهزمة في الشخصية الإنسانية.

من جانب آخر ونظراً للحروب المتنوعة الأشكال والأهداف، العسكرية والنفسية والاقتصادية والتكنولوجية والاكسيولوجية التي لا تنتهي في الحاضرة الروسية والمتأتية بعض يسير منها من الداخل ومعظمها من الخارج، ورغم مرور شعبه في حروب أهلية عديدة، تبرز بقوة إرادة الحياة وتحدي الحرب والموت والعداوة وكل أنواع العقوبات. تبرز قوة العمل الهادفة إلى إعادة إعمار كلّ ما تهدّم من الحجر والبشر. تستنفر الطاقة الداخلية الروسية لتعيد للدورة الاقتصادية والتقنية الدور المطلوب منها من أجل إنهاض الاقتصادات المدينية والريفية. وكل متتبّع للطابع القومي الروسي، يجد بعد الحروب وكل أنواع الضغوطات والعقوبات، ان الحدود الروسية تتوسع، وان التكنولوجيا تتطور، وان عجلة الحياة الاقتصادية تدخلها ديناميكية جديدة. وان مجمل الدورة الدموية والحالة النفسية والثقافية وحتى البدنية الروسية نشهد حراكاً متنامياً ومنتجاً ومفاجئ النتائج في أكثر من ميدان. (يتبع)

سهيل فرح

اترك تعليقا