الرئيسية » جماليات » رسـائـل فـى الـقـلــب

رسـائـل فـى الـقـلــب

 أحمد الخميسي
-١-
تلوحين مطرا عندما يشتد عطشي. تفاحة حينما أجوع. حلما حينما أنام. ولا أنت مطر ولا تفاحة ولا حلم. تلوحين دربا أخضر حينما تسد كل الدروب. تهبطين فى الصقيع دفئا ناعما، وكلما زادوا قساوة تطلين حنانا غامرا. ولا أنت درب ولا دفء ولا حنان! فى الأرض كأنك السماء. فى الغربة كأنك وطن. فى السجن حرية. ولا أنت سماء ولا وطن ولا حرية! تلوحين من بداياتي إلى نهاياتي، فى إشراقي وفى انحداري بعمري الباقي. تلوحين طيفا، أوعمود دخان فى انكسار ضوء، أو هزة كتف واستدارة رقبة. أوشك طريقنا على النهاية وأنا مازلت لا أدري من أنت؟ ما أنت؟ ولا ما الذي يربط دمي بخيال من خيال؟! ولمَ كلما حدقت بالأرض أرفع بصري الى السماء؟ وأقول لنفسي ربما، ربما تهبطين، أو تعلو الأرض الى السما، ربما.
-2-
تملأين كل حجرات قلبي. تقطعين ممراته الممتدة ذهابا وإيابا. تجلسين على الأرائك والمقاعد. تصعدين وتهبطين على درج الروح. عطر يدك على مقابض الأبواب. عيناك على النوافذ تفتحها وتغلقها. أنفاسك تطلق الربيع وتجمعه . تسندين ذقنك الصغيرة إلى قبضة يدك. تحدقين بي فى صمت؟ إلى متى؟ أضعف الرجاء أن تتنهدي. أن تقولي شيئا. كلميني! ألستُ صاحب المكان الذي تسكنين؟!
_3_
يندلع دمي فتسبحين وردة في نار. أمد يدي نحوك. تذوب أوراقك. تصبح عطرا من دمي. تخطرين فوق الجسور الممتدة من روحي إلي طيفك. تتمهلين. تتلفتين. لا أحد يراك سوى محبتي. وحدها تتطلع إليك. تشبكين كفيك عاليا في السماء. تدورين مثل لسان من لهب. تميلين للأمام والخلف. تضربين روحي بأطراف قدميك الصغيرتين. تواصلين اختراق قلبي وأنت ترقصين. ترمينني بنظرة وبسمة خفيفة. ألمح  غمازتي وجنتيك ملهوفا على جمالك الذي بدأ من عنده كل جمال، على لحنك الذي أخذت منه كل الألحان، وألوانك التي بدأت بها كل الألوان. وهبك الله كل هذا الجمال، فلماذا لم يمنحني قلبا قادرا على الاحتمال؟
_4_
يوم سعيد حين فتحت عيني ورأيتك جالسة على طرف السرير تميلين بصدرك على صدري وأنا لم أفق من نومي. ملأت عيناك قلبي بالجمال. رفعت رأسي قليلا وقبلت أطراف شعرك. ضممتك إليَّ طويلا. سألتني بصوت دافيء: استيقظت؟ قلت: نعم. ضممتك بقوة. تشبثت أصابعي بكتفيك كي لا تبتعدي. ضحكت، فملأت ضحكتك روحي بالبهجة. نهضت واقفا من دون أن أفلت يدك من يدي. مضينا معا إلى الصالة. كان الإفطار معدا. جلسنا إلى المنضدة. زحزحت مقعدك وأنت جالسة عليه إلى جواري لتكون كتفي فى كتفك فأظل أشعر أنك معي، أنك لا تفارقيني، أنك لن تفارقيني، أنك طول الوقت والشعور معي. تفصلنا البحار، والمسافات، والصمت، والريح، لكنك معي، من مطلع النهار معي، لحظة بلحظة، حتى آخر الليل حينما أرقد فتقتربين مني وتميلين بصدرك على صدري وتملأين روحي بجمال عينيك، وتضحكين فيتأرجح قلبي من الفرح. ياله من يوم سعيد هذا الذي جرت تفاصيله فى رجائي وأنت بعيدة، تفصلنا البحار، والريح، والشموس، وتصلنا أوقاتنا السعيدة، كأننا لم نتبعد، كأننا بالعكس نقترب، كأننا لم نفترق، كأننا بالعكس نتلاقى، كأننا لم نلزم الصمت، كأننا بالعكس نتبادل الحديث، حتى أن الكؤوس على المنضدة ترتج من صدى محبتنا.
-5-
أخاف أن أفقدك، وأنا لم أجدك بعد. أخاف ألا أراك، وبصري لم يقع عليك بعد. وأخشى أن تتوهي مني، وأنت ما زلت لا تدرين أني هنا على هذه الأرض. أشد قبضتي على خيالك مثل طفل يمسك بقروش قليلة تضوي مثل نجوم فى سماء كفه. أمضي على الطريق، نحيفا، محاذرا. أدعو الله ألا تمطر، ألا تشمس، ألا تقمر، وأن يظل الكون كله ثابتا لتبقى هذه اللحظة من دون تغيير. أخاف أن أفقدك إذا ظهرت وتبين أنك لستِ أنتِ، أن أفقدك إذا تكلمت وتبين أنه ليس صوتك، وإن نظرت وتبين أنها ليست عينيك. أخاف، وأحكم قبضتي على النور الذي يتسلل شعاعا من بين أصابعي. أمضي. أحفر الحقول بأظفاري ربما أجدك هناك، بذرة وردة. أقلب مياه الأنهار بذراعي ربما ألقاك قطرة ندى. أرفع رأسي للسماء أفتش فى اتساعها: أين أنت بين الطيور العالية؟ أي شعور باليتم وأي احساس بالظلم أنت؟ وحينما يفور الشعور بالقهر، وتدب الخطوات على الطريق أجثو على ركبتي، أتضرع إلى الله أن يدلني: أي خطوة أنت بين ملايين الخطوات؟. أخاف أن أفقدك وأنا لم أجدك بعد. أخاف ان تضيعي مني وأنا لم ألقكِ بعد. تقولين: لا تخف. أسأل: أهذه أنت؟. تقولين: لا تغتم. أسأل: أهذه أنت؟ أجيبي! تلوح عيناك عاليتين، جميلتين، مشرقتين، تلمعان، تضحكان. يدوي صوتي بالرجاء: أنت؟ أهذه عيناك؟ أشد قبضتي على خيالك فى كفي، وأمضي، وشعاع يقودني إليك.
-6-
تولينني ظهرك وتنصرفين من دون كلمة. تبتعدين كما ينزلق النور فى صمت من سطح بيت إلى آخر. تغادرين. أبقى وحدي وقد خلت أرضي من سمائي. أحني رأسي ناظرا إلى كفيّ تضمان كل ما كان. السعادة التي أغلقت جفنيها بهدوء وتركتني أتحسس يديها الباردتين. أنساها؟ أم أظل أحدق بسحر نظرتها؟ الانفعال الذي أشعل دمي؟ أخمده؟ أم أُتدفأ على جمره الباقي؟ أمطار الفرح؟ أردها إلى السحب التي جاءت منها؟ والنور؟ أرجعه إلى نجومه؟ أرجع كل ما كان بيننا بذرة بلا ورق؟ موجة بلا نهر؟ تغريدة بلا عندليب؟ أتأمل كل ما كان ويكون وكل ما سوف يكون. مازال النور بين كفي لكن أرضي خلت من سمائي.

اترك تعليقا