الرئيسية » كلمة أسرة التحرير » رحيل كوفي أنان: الرمز الاممي للحوار بين الحضارات

رحيل كوفي أنان: الرمز الاممي للحوار بين الحضارات

كلمة رئيس التحرير

في الثامن عشر من شهر اغسطس (آب) ٢٠١٨ ، رحل عنا الأمين العام السابق لهيئة الامم المتحدة كوفي انان عن عمر ناهز الثمانين عاما ، قضاها مكافحا صلبا من اجل تمثّل قيم العدل والخير والسلام على كوكبنا هذا المثقل بمتاعب الظلم والشر والحروب . أينما كان من ضرورة لرفع صوت العقل والسلام والحوار كان كوفي انان حاضرا .

لقد ارتبط باسمه عدد لا يحصى من النقاط المضيئة التي أعطت لحياة الانسانية والحضارة المعاصرة المزيد من الأمل بالتغلب على الجوانب الاكثر سوداوية في الشخصية الانسانية .

عرفه بلده غانا وعرفته منابر وأروقة الامم المتحدة ردحا طويلا من الزمن انه كان حمامة سلام لم تهدأ حركتها وقد خيمت على افريقيا والعالم بأسره . أينما كانت بؤر التوتر والحروب مشتعلة في افريقيا واسيا وأميركا الجنوبية وتحديدا في الشرق الاوسط كان انان رجل الاطفاء الاول فيها . أينما انفتحت اوكار المخلفات العنصرية في الثقافة السياسية والسلوكية لاصحاب النفوس المريضة في الغرب والشرق معا، كان انان بملامحه السمراء الجميلة يغطي عليها ويجعلها باهتة ممقوتة مرمية نفايات في قعر مزبلة التاريخ. أينما كانت القوة الغضبية الدموية تغلي في نفوس مشعلي الحروب من “الكبار” و” الصغار”، كان أنان الكبير- الكبير  في ثقافة سلامه ، يعلي من اهمية حكمة العقل الهادئ الرصين ويرفع غصن الزيتون منبها الحكام والمحكومين من كوارث النزاعات والحروب .

سيبقى كوفي انان  لزمن طويل منبع إعجاب والهام لكل محب، عاشقاً للعدل والسلام لدى كل سكان معمورتنا….

 الا ان ما ميزه في بداية هذا القرن الذي تلبدت كل سماواته بصدمة الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١ في نيويورك هو إقراره في نفس ذاك العالم بالوثيقة التاريخية التي أطلقت  الورشة الاممية لتنشيط الحراك العالمي للحوار بين الحضارات . منذ ذاك التاريخ تم تدشين عصر جديد يؤسس لاستراتيجية معرفية وسلوكية بديلة لصراع الحضارات والأديان . ومنذ عام ٢٠٠١  اشتغل العقل الإنساني المفكر بنشاط ملحوظ على تدشين حقل معرفي جديد في ميدان الحضاريات… تم إصدار الآلاف المؤلفة من الأدبيات في كل العلوم الانسانية. عقدت أعداد مثيلات لها من المؤتمرات والندوات وتأسس العديد من الجامعات والمعاهد والأقسام التي شغلت فكرة توسيع وتعميق ثقافة الحوار بين الثقافات المتنوعة نقطة الأوميغا بها .

ما كان للمنتدى العالمي لحوار الحضارات الذي نظم مؤتمرات دولية في رودس منذ بداية الألفية الثالثة والنشاطات الدولية المميزة لمنظمة التحالف بين الحضارات الملحقة بهيئة الامم المتحدة التي جمعت في العديد من عواصم البلدان ممثلي الأجيال المتنوعة حول مائدة الحوار، والدور المميز لتقارب الثقافات المتوسطية الذي أشرفت عليه مؤسسة انا ليند لحوار الحضارات والعديد العديد من شتى لجان الحوار التابعة للأديان والمذاهب والحكومات والجامعات والمعاهد وسائر المؤسسات التعليمية في معظم بلدان العالم ، ما كان لها ان تنشط بدون حضور الوهج الناصع المشجع لهذا الحراك العالمي البناء والذي أعطي به نور وعلم وثقافة الحوار في شخصية كوفي انان.

اليك ايها الصوت الاممي المفعم بثقافة الحوار والسلام حبنا الابدي. سيبقى نور روحك  حاضرا أبدا  في عقولنا ونفوسنا . وستبقى تجربتك الديبلوماسية الاممية الناعمة مصدر  الهام لكل العاملين في الامم المتحدة …

ستبقى لنا نحن، في روسيا وبلاد العرب والمسلمين وسائر بلاد الشرق والغرب،  المؤمنين حتى قاع نخاعنا الشوكي بفلسفتك ونهجك ورسالتك ، منبع طاقة دائمة التولّد لضخ ثقافة أوكسجين الحوار  بين الثقافات والأديان والمعارف المتنوعة والمختلفة…

  فلترقد روحك بسلام يا أنصع رسول للسلام في هذا القرن .

رئيس التحرير د. سهيل فرح

اترك تعليقا