الرئيسية » غير مصنف » دولة الشيعة في السوس الأقصى (الجزء الأول) – أحمد صبري علي

دولة الشيعة في السوس الأقصى (الجزء الأول) – أحمد صبري علي

أوضاع الشيعة في المغرب الأقصى بالقرن الثاني الهجري

   لا يعرف على وجه الدقة متى بدأت الدعوة للتشيع في المغرب ، لكن من المعروف أن أحد دعاة الإمام جعفر بن محمد الصادق (الإمام السادس عند الشيعة) كان أمازيغياً وهو حمزة بن عمارة البربري ، والذي شارك في انتقاضة الشيعة في الكوفة سنة 119 هجرية والتي سميت إنتفاضة الوصفاء ، وبالرغم من أن حياة حمزة بن عمارة البربري تعد غامضة ولا نعرف عن نشاطه سوى هذا القدر الضئيل مع تشوش واضح في المعروف من معتقداته[1] ، إلا أن المعروف عن حياته يشير لتنقله بين المدينة والكوفة ، وربما يكون قد أجرى اتصالات ببعض أبناء القبائل الأمازيغية الذين تواجدوا في المدينة لدراسة علوم الدين ، أو توجه هو بنفسه في زيارة أو أكثر إلى موطنه الأصلي ، على غرار ما قام به عكرمة بن عبدالله البربري مولى ابن عباس والذي تولى مسئولية نشر الدعوة لمباديء الخوارج الصفرية في المغرب[2] .

   ومن الواضح أن هذه الفترة قد شهدت بالفعل اهتماماً خاصاً من الأئمة العلويين بالمغرب ، حيث تبرز شخصيتين أمازيغيتين هامتين في حياة الأئمة ، فبالإضافة إلى حمزة بن عمارة ، فإن المرويات الشيعية تشير إلى إحدى أمهات الأولاد والتي أنجب منها الإمام السادس جعفر بن محمد الصادق ابنه الإمام السابع عند الإثنى عشرية موسى بن جعفر الكاظم سنة 128 هجرية ، الأمر الذي قد يشير إلى أن مشروع تحرير العبيد الذي بدأه الإمام علي بن أبي طالب وواصله الأئمة من بعده قد استمر وشمل كذلك الموالي من الأمازيغ[3] ، ومن المحتمل أن يكون هؤلاء قد أصبحوا سفراء للتشيع بين بني قومهم الأمازيغ في الشمال الأفريقي .

   تذكر الرواية الإسماعيلية أن الإمام جعفر الصادق قد أرسل اثنين من تلامذته وهما أبو سفيان والحلواني إلى المغرب سنة 145 هجرية كدعاة للتشيع[4] ، حيث تمكن الأول من نشر التشيع بين أهالي مرماجنة وتالا والأربس ونفطة[5] ، بينما استقر الثاني في مدينة سوجمار والتي كانت تقطنها قبيلة سماتة ، وتمكن بدوره من نشر التشيع بين أبناء هذه القبيلة وبين أبناء قبيلة كتامة وكذلك قبيلة نفزاوة[6] .

   وفي نفس هذه السنة أرسل محمد بن عبدالله النفس الذكية أخاه عيسى بن عبدالله إلى أفريقية يدعو إلى بيعته واتباعه في ثورته على الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور ، ويقول ابن أبي زرع : ” فأجابه بها خلق كثير من قبائل البربر ، وبقى هناك إلى أن توفي ولم يتم الأمر “[7] . ويشير ابن أبي زرع إلى أن النفس الذكية أرسل كذلك أخاه سليمان للدعوة لبيعته في مصر ، ولما علم الأخير بقتل أخيه وفشل ثورته اضطر لمغادرة مصر والتوجه إلى المغرب بعد رحلة طويلة عبر خلالها بلاد السودان وزاب أفريقية حيث استقر بتلمسان في فترة سيطرة أخيه أدريس عليها[8] .

   وتذكر رواية المدائني والتي يتبناها الزيدية أن يحيى بن عبدالله بن الحسن والذي كتبت له النجاة من مذبحة فخ ، قد أرسل أخاه إدريس بن عبدالله إلى المغرب كي يدعو للثورة باسمه قائلاً له : ” يا أخي إن لنا راية في المغرب، تقبل في آخر الزمان فيظهر الله الحق على يدي أهلها، فعسى أن تكون أنت أو رجل من ولدك[9] .

   وتشير رواية المدائني إلى أن إدريس توجه بالفعل إلى المغرب برفقة رجلين ، أحدهما إسحاق بن راشد ، حيث تمكن بعد مواجهات متعددة من الوصول إلى طنجة وتأسيس دولته بها بمساعدة المعتزلة[10] .

   إن مجمل هذه المرويات يؤكد على حقيقتين : الأولى أن التشيع كان له بالفعل موطئ قدم بالمغرب عندما وصلها إدريس بن عبدالله وأن الأئمة العلويين كانوا مهتمين للغاية بنشر التشيع بين الأمازيغ ، والثانية أن الدولة التي أسسها إدريس قد قامت بدعم من المعتزلة الذين كانت لهم السيادة برفقة الخوارج الصفرية في المغرب الأقصى .

   ثمة قضيتين من الضروري مناقشتهما فيما يتعلق بتأسيس دولة الأدارسة ، الأولى تتعلق بأسباب مناصرة المعتزلة لإدريس بن عبدالله رغم اختلاف المذهب ، بينما تتعلق الثانية بمذهب الدولة الإدريسية .

   فيما يتعلق بالقضية الأولى فإن تعاطف المعتزلة مع الثورات العلوية لم يكن جديداً ، حيث سبق لهم أن شاركوا في ثورة زيد بن علي بن الحسين[11] وثورة إبراهيم بن عبدالله بن الحسن ضد أبو جعفر المنصور العباسي[12] ، بل أن التشابه بين الفريقين في بعض المعتقدات دفع العالم الشيعي الكبير الشيخ المفيد إلى تأليف كتابه ” أوائل المقالات ” لإبراز الفروقات بين الطائفتين[13] .

   والجدير بالذكر أن المرويات التاريخية تشير لعلاقة قوية بين مؤسس الاعتزال واصل بن عطاء بالتشيع ، فقد أكدت تتلمذه على يد محمد بن علي بن أبي طالب (ابن الحنفية) ، وزمالته لنجله عبدالله (أبو هاشم) ، بالإضافة لتعاطفه مع كل من محمد بن عبدالله بن الحسن وشقيقه إبراهيم في أواخر العهد الأموي[14] .

[1] أحمد صبري السيد علي . إنتفاضة الوصفاء . دراسة منشورة بموقع روسيا والعالم الإسلامي http://rusisworld.com بتاريخ 21 فبراير 2017 . ج 2 .

[2] شمس الدين الذهبي . سير أعلام النبلاء . تحقيق /شعيب الأرنؤوط وآخرون . طبعة مؤسسة الرسالة . بيروت 1996 . ج52 ص 20 ، 21 . اختلف الرواة في الفرقة الخارجية التي كان عكرمة ينتمي إليها ما بين الصفرية ، النجدية ، البيهسية والإباضية ، لكن الرأي الأوثق هو انتمائه للصفرية كما أشار أحمد بن حنبل ، خاصة أن بقية الفرق الخارجية لم تجد لها أتباعاً في المغرب .

[3] المفيد . الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد . تحقيق / مؤسسة آل البيت (ع) لتحقيق التراث . طبعة دار المفيد . ج 2 ص 209 ، 215 . ذكر المفيد أن الإمام الصادق أنجب من السيدة حميدة البربرية كل من موسى وإسحاق ومحمد .

[4] النعمان بن محمد . افتتاح الدعوة . تحقيق / عارف تامر . طبعة دار الأضواء . بيروت 1996 . ص 32 .

[5] الشريف الإدريسي . نزهة المشتاق في اختراق الآفاق . طبعة مكتبة الثقافة الدينية . القاهرة 2002 . م 1 . ص 292 ، 294 ، أبي عبيد البكري . المسالك والممالك . تحقيق / أدريان فان ليوفن وأندري فيري . طبعة دار الغرب الإسلامي . بيروت 1992 . ج 2 ص 743 . تتواجد هذه المواقع في تونس الحالية ، وقد ذكر الإدريسي أن مرماجنة قرية تقطنها قبيلة هوارة ، بينما أشار إلى أنها ومدينة الأربس تشتهران بزراعة الحنطة والشعير ، أما نفطة فهي واحة في أقصى جنوب غرب تونس وذكر البكري أنها تسمى الكوفة الصغرى مشيراً غلى أنها مدينة عامرة كثيرة المياه وجميع أهلها من الشيعة .  (يتبع)

[6] م . س . ص 33 ، 34 ، 41 .

[7] علي بن أبي زرع . الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس . طبعة دار المنصور للطباعة والوراقة . الرباط 1972 . ص 15 .

[8] م . س . ص 16 . ويذكر ابن أبي زرع أن أبناء سليمان إنتشروا في بلاد دكالة والسوس الأقصى .

[9] أحمد بن سهل الرازي . أخبار فخ ويحيى بن عبدالله . تحقيق / ماهر جرار . طبعة دار الغرب الإسلامي . بيروت 1995 . ص 164 .

[10] م . س . ص 181 .

[11] الشهرستاني . الملل والنحل . تعليق / أحمد فهمي محمد . طبعة دار الكتب العلمية . الطبعة الثانية . بيروت 1992 . ج 1 ص 154 .

[12] رشيد الخيون . معتزلة البصرة وبغداد . طبعة دار الحكمة . الطبعة الأولى . لندن 1997 . ص 90 .

[13] المفيد . أوائل المقالات . تحقيق / إبراهيم الأنصاري . طبعة المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد . الطبعة الأولى . قم 1413 . ص 33 .

[14] رشيد الخيون . م . س . ص 70 – 73 .

اترك تعليقا