الرئيسية » سياسة واقتصاد » خلفيات وآفاق الاحتجاجات الجماهيرية بالعراق في قراءة من روسيا

خلفيات وآفاق الاحتجاجات الجماهيرية بالعراق في قراءة من روسيا

 د. فالح الحمـراني

لفتت الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية التي عمت الجنوب العراقي أنظار  الخبراء الروس المهتمين  بالشأن العراقي والعربي عموما، وتابعتها وكالات الأنباء يوما بيوم. وأشير إلى أن الإجراءات  التي اتخذتها الحكومة لتهدئة الوضع لم تخمد الاحتجاجات، التي انتقلت من محافظة إلى أخرى، والى  المطالب التي رفعتها الجماهير بما في ذلك منع التدخل الأجنبي في الشأن العراقي.

ويجمع المحللون في موسكو على فشل الحكومة بالتعامل مع الأزمة والقدرة على احتواءها من خلال خطوات فعلية وهادفة ومخلصة وليس بإجراءات ” تجميلية”. وأشير أيضا إلى أن موقف وردود فعل إدارات المحافظات الجنوبية ” أظهر ضآلة وانعدام ابسط المواصفات والخبرات الإدارية لديها”.

ورفض المحلل السياسي اندريهكوزنيتسوف ما نشرته بعض الأحزاب من وقوف داعش وراء هذه الاحتجاجات. وقال إن الاستنتاج ” غير معقول” نظرا لأن الغالبية الساحقة من سكان البصرة وغيرها من مدن العراق الجنوبية هم من الشيعة، بينما داعش كما هو معروف  جماعة متطرفة تزعم إنها تنتمي للمذهب السني. وقال إن بعض الخبراء طرحوا رايا مفاده وقوف بعض دول الجوار وراء تلك الاحتجاجات. واستدرك “بيد أن أسبابها الحقة تكمن اعمق بكثير” من ذلك.  

وقال تعيد الاحتجاجات الاجتماعية الحالية في المحافظات الجنوبية بشكل مدهش الأذهان إلى  أحداث صيف/ خريف عام 1991، حينما اندلعت في المحافظات الشيعية انتفاضة عفوية ضد نظام صدام حسين. وشملت الانتفاضة 11 محافظة من محافظات العراق وجرى قمعها بقسوة في شهري تشرين الأول وتشرين الثاني من العام نفسه( وعلى وفق بعض المعطيات أسفرت عن مقتل 60 ألف شخص).  حينها أثار الانتفاضة جنود الجيش العراقي الشيعة العائدين من الحرب الفاشلة ضد الكويت. وكان سببها الرئيسي خيبة العراقيين البسطاء  بالنظام الذي ارسل بهم إلى جبهات الحرب العراقيةـ ـ الإيرانية، ومن ثم إلى الكويت حيث تعرضوا للهلاك والماسي. واندلعت الاحتجاجات الحالية في المحافظات الشيعية الموالية للنظام أيضا  بسبب خيبة أمل العراقيين البسطاء الذين التحقوا في الحشد الشعبي للقتال ضد داعش  بحكومة بغداد العاجزة عن تلبية الاحتجاجات  ألأساسية  للعراقيين. وفي الوقت نفسه إن السبب هنا ليس الاحتجاج على الحرب بقدر ما هو احتجاج على نخبة الساسة في بغداد.

وميز كوزنتسوف سببين رئيسيين للاحتجاجات الحالية في البصرة وفي غيرها من محافظات العراق الجنوبية. أولا: التدهور الاقتصادي لفترة طويلة في هذه المحافظة، التي كانت حتى ثمانينات القرن الماضية مركزا تجاريا مزدهرا في جنوب العراق.  وانعكست عليها تداعيات الحرب العراقية ـ الإيرانية حيث لحقها الدمار، ومن ثم تبعات الحرب ضد الكويت والحصار الذي أعقبها. وعلى حد وصفه: “إن البصرة تحولت بعد الاحتلال الأمريكي في عام 2003 إلى ميدان ساخن للصراع بين مختلف المليشيات الشيعية، فضلا عن المواجهات مع الجيش الأمريكي. وقال :” في الوقت نفسه إن الحكومات العراقية المتعاقبة لم تولِ الاهتمام لتطوير المدينة”. ورصد إن الوضع تحسن بعض الشيء بعد تطوير شركات النفط الغربية والروسية لحقول النفط الهائلة”. وأضاف ” من هذه الناحية يمكن مقارنة البصرة بمنطقة دلتا نيجر في نيجيريا: الثروات الطبيعية الهائلة، التي يتم استخراجها من هذه المنطقة، لا تعود بالفائدة والعوائد على السكان المحليين”.

ويعزو المحلل الروسي السبب الثاني لاندلاع الاحتجاجات الجماهيرية في المدن الجنوبية الى البنية العشائرية للمجتمع هناك. مشيرا إلى “أن شيوخ العشائر اخذوا على عاتقهم مهمة تسوية العلاقات الاجتماعية في ظل فقدان الكثير من العراقيين الثقة في مؤسسات الدولة والتعب من الأحزاب السياسية النافذة المتورطة بالفساد الحكومي، مدللا على ذلك بانخفاض نسبة المشاركين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة”.

وأعاد الأذهان إلى إن الاحتجاجات الاجتماعية في العراق تجري على خلفية استمرار الأزمة الحكومية، نظرا  لان مجلس الوزراء بالعراق لم يتم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات التي جرت في 12 آيار/ مايو. وعرض التخبط في التحالفات بين الكتل الفائزة، والاتفاقات التي تكتسب طابعا غريبا ومفاجئا وغير منطقي بعض الأحيان. وأرجع السبب الرئيسي لاستمرار الأزمة الحكومية إلى المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية في الساحة العراقية. وخلص بالقول:” ان سمعة ومكانة الحكومة المركزية في بغداد والأحزاب السياسية الرئيسية انهارت اكثر، بينما تنتظر المشاكل الاجتماعية/ السياسية المتفاقمة، الحادة حلا لها”

وفي رصده لخلفيات الاحتجاجات الجماهيرية التي اجتاحت جنوب العراق يرى المحلل السياسي لمعهد الشرق الأوسط  يوري شيجلوفين “ان حكومة العبادي لم تستطع حل أو بشكل لائق فرملة الأزمة الإنسانية الواضحة”. وقال إن ” الاحتجاجات الجماهيرية وبخلافها عن السنوات الماضية طالت بالأساس المناطق الشيعية في البلاد مما يعني إنها ستتحول إلى عصيان مدني سافر أي الإِعْلاَنُ عَنْ مُقَاوَمَةِ الْحُكْمِ القَائِمِ وَالوُقُوفُ ضِدَّهُ وَعَدَمُ تَنْفِيذِ القَوَانِينِ وَالأَوَامِر” برايه . ولفت إلى انه ” اذا  كان طابع الاحتجاجات في البداية اقتصادي وحسب، فإنها الآن ذات طابع سياس واقعي”.

وفي معرض سؤاله عن : ضد مَن بالتحديد تنهض الاحتجاجات؟ قال ” اذا ما حكمنا بالأنباء الواردة، فان شعارات المحتجين بالأساس موجه حصرا ضد الأحزاب الشيعية العراقية الموالية لإيران”. موضحا: إن الاحتجاجات تبدأ بالتحول إلى صراع في التكتل الشيعي حصرا على المناصب في الحكومة العراقية الجديدة.

وخلص المحلل السياسي المهتم بشؤون العراق فيودورلاسكاريس وهو يتحدث عن مدى فعالية تدابير الحكومة لتهدئة الوضع في جنوب العراق إلى ” انه وعلى وفق مصادر مستقلة فإن محاولات الحلول للجوانب الفنية من مطالب المحتجين مثل توفير الماء أو الكهرباء …لم تؤدِ إلى نتائج ملموسة”، موضحا ” من المستحيل ترتيب في غضون أسبوع، ما لم يتم الاهتمام به وجرى إهماله وتجاهله، على مدى سنوات طويلة”.

اترك تعليقا