الرئيسية » حضاريات » حوار مع البروفيسور ميثم الجنابي حول كتابه الجديد (فلسفة البدائل الثقافية)

حوار مع البروفيسور ميثم الجنابي حول كتابه الجديد (فلسفة البدائل الثقافية)

يسر اسرة تحرير الموقع التابع لـ”مجموعة الرؤية الاستراتيجية: روسيا – العالم الاسلامي” ان تجري حوارا مع مفكر استراتيجي ، عميق الرؤية، غزير الإنتاج ، يندر وجود امثاله في المدى الإبداعي العربي . هو البروفيسور ميثم الجنابي العراقي المولد والأصل، العروبي الهوى، الروسي الجنسية والإقامة والعمل، والعالمي النظرة . وكان قد حل كاتبا مرغوبا به على موقعنا منذ ايّام و سنستمر ما دام الموقع قائماً بنشر اعماله القيمة. و لقاؤنا معه اليوم سيتركز على  كتابه الجديد (فلسفة البدائل الثقافيةالذي صدرعن دار “ميزوبوتاميا”. وهو القسم الأول من مشروعه الفلسفي التأسيسي. والكتاب بأربعمائة صفحة من الحجم الكبير. كما أن له لواحق بأربعة كتب سوف تصدر عن الدار قريبا. 

والآن جاء دور الاسئلة والأجوبة:

ميثم الجنابي

لماذا “فلسفة البدائل الثقافية”، أي ما هو المقصود بها؟

المقصود “بفلسفة البدائل الثقافية” هو تفسير التاريخ الذاتي للأمم ورؤية آفاقه من خلال تحديد المسار الفعلي في مراحله الثقافية ووعيها الذاتي. أنها تحتوي بقدر واحد على البحث عن قوانين التاريخ ومنطق الثقافة بالشكل الذي يجعل من إدراكهما المتوحد أسلوب وعي الذات الاجتماعي والقومي. وبالتالي يجعل من التفسير أداة لتوسيع وتعميق وعي الذات في مختلف الميادين والمستويات بالشكل الذي يعيد على الدوام تأسيس منظومة الرؤية وتحقيقها الفعلي في الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة. ذلك يعني، أنها فلسفة تاريخية ثقافية قومية بالمعنى المجرد، وسياسية بمعناها العملي. وفي كلتا الحالتين لا تحتوي على استعداد للتأويل المفتعل والمتحزب، على العكس، أنها تنفيهما بمعايير الرؤية العقلانية والنزعة الإنسانية وفكرة الاحتمال الدائم، بوصفها الأضلاع الثلاثة القائمة في تاريخ المسار الطبيعي للأمم ومنطق ارتقائها الثقافي. وفي هذا تكمن منهجيتها الخاصة.

يفهم من كلامك بان الحديث يجري عن مشروع فلسفي نظري وعملي؟

إن هذا الكتاب هو صيغة أولية وجزئية من الكتاب الأساسي أو الأصلي لفلسفة البدائل بشكل عام. وعنوان الكتاب الأصلي الذي لم انشره بعد وأعمل عليه في مجرى العقود الثلاثة الأخيرة يحمل عنوان (فلسفة البدائل المستقبلية). وأملي في انتهي منه قريبا. وهو حوالي ست أو سبع مرات أكبر من هذا الكتاب.

إن المهمة التي اعمل على انجازها تقوم في ثلاثة أقسام مترابطة، الأول وهو بعنوان البحث عن مرجعية الفكرة العربية”. وهو مضمون هذا الكتاب. وهو بدوره صيغة مختصرة للأصل. وأتناول فيه تجارب الفكر العربي الحديث والمعاصر وحصيلته النظرية التي رافقت مساعيه الحثيثة للاستقلال والتمركز الذاتي بعد قرون طويلة من تحلل واندثار مركزية الثقافية السياسية. والسبب يقوم في انه لا يمكن للفكر أن يساهم بصورة جدية في تغيير الواقع دون إعادة النظر النقدية والفاحصة للكلّ الفكري وحصيلته النظرية لكي يكون بالإمكان لضم مختلف إبداعاته العميقة في استمرار الفكرة، وبالتالي توسيع وتعميق وحدة الانتماء والهموم المشتركة، التي لا يمكن بدونهما صنع البدائل المناسبة.

 بعبارة أخرى، إنني ادرس تاريخ الفكرة من أجل رؤية مسارها المجرد، بوصفه مقياسا لقياس حرارة الوعي الذاتي (العربي)، ومن ثم معرفة ما إذا كانت هذه الحرارة تعبير عن صداع عقلي أم عن طاقة حيوية للخيال المبدع والرؤية المستقبلية.

 ثم الانطلاق من هذه المقدمة لتأسيس منظومة فكرية شاملة لها أسسها الفلسفية الخاصة في القسم الثاني منه. والسبب يقوم في انه لا يمكن صياغة نظرية عملية (سياسية) دون فلسفة للتاريخ، لهذا سوف أضع خطوطها العامة في التقديم العام للكتاب، وصيغتها التاريخية بالنسبة للعالم العربية في القسم الثاني، الذي يحمل عنوان “فلسفة المرجعيات الثقافية للفكرة العربية”. ومهمتها الأساسية تقوم في تأسيس منظومة فلسفية ثقافية للتاريخ العربي تشكل الأساس العلمي للعمل السياسي، أي الصيغة النظرية المجردة للفكرة السياسية.

أما القسم الثالث والأخير فهو بعنوان “الفكرة العربية ومرجعيات السياسة العملية”. ومهمته تأسيس الفكرة السياسية أو التطبيق العملي لفلسفة المرجعيات الثقافية، التي ادعوها بمرجعيات السياسة العملية، باعتبارها أداة الجبروت العربي المعاصر، أو إرادته السياسية في التعامل مع الإشكاليات الجوهرية لوجوده التاريخي المعاصر وآفاق تطوره اللاحق.

ما هي الأبعاد النظرية المجردة أو الفلسفية العامة للكتاب؟

سوف اكتفي هنا بالإشارة فقط إلى منهجي الفلسفي بهذا الصدد، أو المنهج الذي وضعته في صلب (فلسفة البدائل الثقافية) دون الاستفاضة فيه لأن ذلك يفترض استعراض كل ما فيه. بينما هي مهمة متروكة للقارئ. ومن خلال الاستعراض المكثف للمنهج يمكن رؤية الأبعاد النظرية الفلسفية للكتاب.

 إن المنهج الخاص لفلسفة البدائل ينطلق من وحدة الماضي والحاضر والمستقبل في مراحل التاريخ الثقافي للأمم، بوصفها عملية تتوحد فيها الإرادة العقلية الحرة وأثرها الفاعل في كيفية حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة، وبالتالي إبداع المركزية الثقافية ومرجعياتها الذاتية المتسامية. ذلك يعني أنها فلسفة تتمثل تاريخ الأمم وليس الأقوام والشعوب، لكنها تستطيع تفسير سرّ الوقوف التاريخي للأقوام والشعوب بوصفها تجارب عابرة أو جزئية في مراحل الانتقال الثقافي، دون أن يلغي ذلك أو ينفي قيمتها أو حتى أصالتها.

لكن الجوهري في التاريخ العالمي (العام والمجرد) يبقى مع ذلك هو تاريخ الأمم الكبرى، أي الأمم الثقافية وليست الأقوام والشعوب العرقية. ففي وجود وإبداع الأمم الكبرى يتوحد مسار القانون التاريخي ومنطق الثقافة، بوصفها القوة الضرورية للتكامل الإنساني على المدى البعيد، والقادر على تجاوز حالة الوجود الطبيعي إلى الماوراطبيعي، بوصفه تاريخ المستقبل. وحالما تبلغ الأمم تاريخ المستقبل، عندها يكف الماضي عن أن يكون صنما، بينما يتحول الحاضر إلى مستقبل، أي إلى احتمال عقلاني وإنساني دائم لا يخلو من المغامرة لكنه مجرد عن المقامرة أيا كان شكلها ونوعها.

فالقانون القائم في تاريخ الأمم هو الارتقاء من الوجود الطبيعي إلى الوجود الماوراطبيعي. أما مضمونه التاريخي فهو منطق الارتقاء الثقافي. وتجارب الأمم الكبرى في كيفية إرساء أسس مركزياتها الثقافية مرتبط بكيفية تأسيس العلاقة بين الطبيعي والماوراطبيعي في الإنسان والجماعة والدولة والثقافة، أي في منظومة الوجود المادي والمعنوي وكيفية ربطهما في مرجعيات ثقافية متسامية – ما فوق تاريخية. وكلما ترتقي الأمم في ميدان صنع المرجعيات المتسامية، أي الخروج على قانون التاريخ الطبيعي العادي كلما تقترب أكثر من تاريخ الطبيعة و”منطقها” ولكن بمعايير الرؤية الثقافية والكونية، أي رؤية أبعاد الوحدة الفعلية للوجود بوصفه سرّ الوجود والمعنى الكامن فيه. ولكل مرحلة ثقافية كبرى أنماطها الخاصة بهذا الصدد بوصفها تجارب تاريخية.

ما هي الابعاد العملية السياسية وغيرها؟

إن الابعاد العملية السياسية التي اسعى اليها هنا تقوم في تأسيس الرؤية الفلسفية الثقافية للتاريخ والفكرة المستقبلية من اجل تأسيس الفكرة العربية وتحديد مهماتها الواقعية للانتقال من المرحلة الدينية السياسية، التي مازال العالم العربي مقيدا في شرنقتها لخمسة قرون متوالية بعد سقوط الأندلس غرناطة عام 1492، إلى المرحلة السياسية الاقتصادية، او ما هو متعارف عليه في اللغة العادية بالحداثة.

هل يمكن للفلسفة في العالم المعاصر أن تكون قومية؟

ولم لا؟ إن الفلسفة الكبيرة والعظيمة والعميقة هي على الدوام قومية. ولا ينبغي فهم هذه الفكرة بالصيغة المسطحة المرافقة للأيديولوجية القومية الضيقة. فهذه مستويات ومنظومات مختلفة. إن كل الفلاسفة الكبار كتبوا بلغاتهم القومية. ونحن نقول الفلسفة الاغريقية والألمانية والروسية والعربية والانجليزية والصينية والهندية. ليس ذلك فحسب بل إن كل اشكالاتها وقضاياها ونقدها وتأسيسها تنطلق وتستند أولا وقبل كل شيئ على تراثها الخاص وواقعها. وينطبق هذا على حلولها. أما أن تكون الفلسفة قومية بالنسبة لي فتعني الانطلاق من إشكاليات الواقع وتأسيس الرؤية المستندة إلى تلقائية التطور التاريخي وإشكالاته. وهذه قضايا واقعية دوما، ومن ثم ترتبط بالضرورة بالواقع القومي بمختلف مستوياته وميادينه.

فالنقص الجوهري في الفكر العربي النظري المعاصر يقوم في افتقاده إلى منظومات فلسفية خاصة به. وهو نقص يرتبط بانقطاعه وانفصاله وانفصامه عن تراثه الفلسفي المنظومي الهائل من جهة، وبسبب استلابه أمام الإبداع النظري الفلسفي الأوربي الذي افقده سلامة الحس ونقد البصيرة وحدس المكاشفة الملازم لكل إبداع أصيل، من جهة أخرى. مما أدى إلى أن يكون الفكر النظري والعملي اجترارا لتجارب الآخرين ودوران في فراغ ثقافي. وهي مفارقة لا يمكنها أن تؤدي إلى نتيجة غير استمرار الاستلاب والضياع وضعف المناعة والفقر المادي والمعنوي. وهذه جميعها نتاج افتقاد العالم العربي لمركزيته السياسية الثقافية الذاتية.

والمهمة الأساسية لكتابي هذا تقوم في التأسيس العقلاني للفكرة العربية، أي فلسفة بناء الوعي الذاتي للعالم العربي وكيانه الخاص. أنها فلسفة جديدة للبدائل الثقافية تحصر توجهها المباشر بالعالم العربي ومن خلاله بالعالم الإسلامي والعالم ككل. أنها لا تسعى لبناء أيديولوجية شاملة، بل لتأسيس منظومة فلسفية – ثقافية للمرجعيات العلمية والعملية، التي توحد في ذاتها ملك وملكوت وجبروت العالم العربي في مستوياته التاريخية والثقافية والسياسية والقومية.

 اذن ما هي العلاقة الممكنة بين الفكرة السياسية (القومية) والفلسفية فيما تتناوله في كتابك؟ 

عندما نتأمل التاريخ العربي منذ اوائل صيرورته التاريخية وكينونته الثقافية، فإننا نقف أمام واقع يقول، بأن العرب استطاعوا في مجرى المسار التاريخي لارتقائهم الذاتي إرساء أسس أمة كبرى، أبدعت مركزيتها الثقافية ومنظومة مرجعياتها المتسامية التي أدت في نهاية المطاف إلى إنتاج حضارتها الكونية الخاصة (العربية الإسلامية). من هنا فان المهمة الأساسية لهذا العمل تقوم في تأسيس فلسفة للبديل العربي (القومي)، الذي يستند بقدر واحد على إدراك قانون التاريخ، ومنطق الثقافة، وفكرة الاحتمال (في البدائل). بمعنى تأسيس منطق التاريخ المستقبلي بوصفه احتمالا، وفكرة الاحتمال بوصفها تاريخا، أي جعل التاريخ احتمالا دائما (اجتهادا) والاحتمال تاريخا فعليا (جهادا). وتستند هذه الفكرة بدورها إلى أن التاريخ هو صيرورة دائمة من الاحتمال. وللاحتمال منطقه الذاتي المتراكم في كيفية تجاوز الوجود الطبيعي إلى الوجود الماوراطبيعي. وهذا بدوره ليس إلا حلقات أو مراحل الارتقاء التاريخي الثقافي، أو ما أسميته بقوانين التاريخ ومنطق الثقافة.

إن إرساء أسس المركزية الثقافية الكبرى وتكاملها في منظومة حضارية بالنسبة للعرب، والتي رافقت عملية الانتقال من القومية العرقية إلى الأمة الثقافية بفضل الإسلام، قد وضعت المقدمة التأسيسية الكامنة في الوعي العربي وكينونته الثقافية. وإذا كان الانقطاع التاريخي الذي تبع سقوط مراكزه الثقافية السياسية الكبرى (دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة) قد أدى إلى جموده وسباته الطويل، ومن ثم تحلل واندثار وحدته العملية بأثر اندثار مركزية الدولة السياسية (الخلافة)، فان بقاء كينونته الثقافية الكامنة هو جزء من تاريخ المنطق الثقافي، أي ذاك الذي يمكنه السبات والاختباء تحت مختلف أنواع الغبار والدمار، لكنه يبقى محافظا على نوعيته المجردة بوصفه منطقا ثقافيا. فالدولة تتحلل بأثر سقوط مركزيتها السياسية، لكن الثقافة التاريخية الكبرى ونمطها الحضاري لن تتحلل، بل تبقى عائمة في برزخ الوجود التاريخي للأمة، بوصفه الحلقة المنفية في تطورها الذاتي.

والوجود العربي الحالي يكشف عن اندثار مركزيته السياسية القديمة، ومن ثم تحلل وحدته القومية السياسية، لكنه متوحد في تاريخه الثقافي وجغرافيته الثقافية. وهي المكونات الأكثر جوهرية بالنسبة للكينونة العربية، بوصفها صيرورة ثقافية. فالعرب أمة ثقافية وليست عرقية، وتاريخهم هو توليف للتاريخ الثقافي والفكرة الكونية (الإسلام) وليس زمن القومية والعرقية. من هنا بقاء وجوهرية الكينونة الثقافية وفعلها الدائم في الحس والعقل والحدس. وسبب ذلك يقوم في أن وحدة التاريخ والجغرافيا الثقافية هو ميدان ظهور وتحقيق ثنائيات الصيرورة التاريخية للكينونة العربية الثقافية. ففيهما ومن خلالها تراكمت تجارب الحلول الكبرى لإشكاليات الوجود والطبيعي والماوراطبيعي، التي أنتجت مركزيتهم الثقافية الكونية الكبرى (الحضارة العربية الإسلامية).

ذلك يعني أن المركزية الباقية بالنسبة للعرب المعاصرين تقوم في وحدة التاريخ الثقافي والجغرافيا الثقافية. والمهمة الأساسية الحالية لا تقوم في كيفية استعادتها أو إعادة بنائها، بل في تأسيسها المعاصر. بمعنى أن المهمة لا تقوم في تنظيم مختلف أشكال وأنماط النماذج المثلى، لأنه لا يؤدي إلا إلى فوضى التجهيل والتقليد وتخريب العقل النقدي ورؤية الاحتمال العقلاني وواقعية البدائل. فواقعية البدائل هي تاريخ المستقبل وليس زمن الأسلاف أو تجارب الآخرين. وبالتالي، فان المهمة تقوم في استكمال المسار التاريخي صوب تذليل الهوة والفجوة المنقطعة في تاريخنا الذاتي. فقد بلغ العرب في مسارهم التاريخي مرحلة الانتقال من الوعي الديني اللاهوتي صوب الوعي الثقافي السياسي.

إن للتاريخ ألعابه الماكرة مع الأمم. كما أن للأمم مآثرها ومهازلها في تاريخها الذاتي. وحالما تصطدم هذه المكونات المتعارضة فيما بينها، عندها تصبح فكرة التاريخ والوعي الذاتي القومي طرفين لتأمل الماضي ونقد الحاضر والحلم بالمستقبل. وهو مضمون الفلسفة التي وضعتها الان تحت عنوان (فلسفة البدائل الثقافية). مع ان إشكالاتها وقضايا وجوانبها أوسع بكثير مما وضعته في هذا الكتاب.

***

جزيل الشكر لكم على هذه الاجوبة الدسمة المعنى، والتي نأمل ان تسهم في فتح باب عقلنة وتحديث العقل العربي للولوج في انتاج عصر حداثة حضارية عربية الأداء والفعل . 

***

اترك تعليقا