الرئيسية » جماليات » “حــــنـــان مــــبـــــكـــر” – أحمد الخميسي

“حــــنـــان مــــبـــــكـــر” – أحمد الخميسي

في الثامنة من عمره. توفى والده فانكسرت زهرة الحنان من أمه. أمسى ينام على سريره الضيق، وجهه إلى الحائط يكلم الظلال المتماوجة على الجدار حتى يغمره النعاس. يذهب إلى المدرسة. يلعب على سطح البيت أو مع الأولاد في الشارع. يفكر في الطابق السابع. النزهة الوحيدة في حياته هي الصعود إلى شقة الجيران في الطابق السابع، عندهم لا يمد يده إلى لقمة لكنه يرى الطعام، لا يتكلم لكن يسمع الضحك، لا يطمئن لكن سكينة تشمله، وهو جالس صامتا يتشبع بالنور من حضور فريال.
لايصعد إلي الطابق السابع إلا بعد أن يتهيأ. يسرح شعر رأسه طويلا باهتمام. يشد أطراف البنطلون الشورت على فخذيه مرات عديدة. يبلل طرف أصبعه بريقه ويمر به على جلد الصندل. وأخيرا حينما يشعر أنه أصبح محاطا بهالة الطاقة التي كانت بداخله يخرج ببطء ويرتقي السلالم صاعدا إلى الطابق السابع. يرتقي الدرج ببطء. مع كل درجة يملؤه الأمل أقوى وأقوى. أخيرا يجد نفسه أمام باب الشقة، وهنا يشعر أنه صبي آخر غير الذي كانه منذ دقائق قليلة. يتمهل. يسحب نفسا عميقا ثم يطرق الباب. في أغلب الأوقات كانت هي فريال من يفتح له. تنظر إليه بفرحة كأنما وجدت كنزها الصغير. تجلس القرفصاء عند عتبة الباب المفتوح. تمسك خصره بيديها الاثنتين. تقول له: “جـئـت؟ “. تغمر وجنتيه بقبلاتها الحارة المتلاحقة. تسحبه من يده إلى الداخل. تصيح في اتجاه المطبخ حيث أمها : “مازن ياماما”. يسعده الإعلان عن مجيئه ويشعره مجددا أنه صبي آخر.
عادة تجره فريال إلى البلكونة التي تطل على صالة سينما صيفى مكشوفة. تجلس على كرسي فوتيه. يقعد على كرسي أمامها. تحني رأسها وكتفيها نحوه. تمسك كفيه الصغيرتين ترجهما لأعلى وأسفل. تحدق بعينيه طويلا بحنان فياض. تسأله بصوت عميق “من تحب؟”. تلهب السخونة وجهه ويتدحرج اسمها من فمه على مقطعين “فر.. يال”. تحتويه بين كتفيها الدافئتين : “أنت حبيبي يامازن”. تسأل وبسمة في عينيها “ستحبني دائما؟ دائما؟”. يهز رأسه مغمغما : ”  نعم”، لأنه لا يعرف كلمات أخرى تصف ما يشعر به، فيكتفي بنعم.
تقول “خل عينك على الصالة لكي لا تطب ماما علينا فجأة”. تخرج سيجارة من  جانب الفوتيه. تشعلها. يرفع عينيه نحوها كأنما منحه اختلاسها سيجارة حق تسديد نظرة مباشرة. يتملى من وجهها المشبع بحرارة الشباب. يلمح حمالة قميص النوم عند منزلق كتفها. تضبطه ينظر إليها فتصفف شعرها خلف أذنها وتتأمله. تسأله: “عارف أني سأتزوج عما قريب؟”. يطرق في صمت. تمسك يديه من دون أن تقول شيئا وتنظر إليه برصانة. تقول: ” هذا لازم. فاهم؟ ستكبر وتفهم”. تضغط يديه بين كفيها بقوة.  ترتجف كفاه الصغيرتان وينسرب دمعه من بعيد. بعد نحو شهر احتفلوا بعرسها على سطح البيت. أضاءت الكلوبات السطح فأصبح الليل نهارا. صدحت الأغنيات بصوت مرتفع، وتتابعت أقدام المعازيم على صاعدة إلى أعلى. لكنه لم يصعد. ظل جالسا في البيت حتى جاءت أختها تقول له: “طنط فريال تقول لك إطلع”. صعد. مع كل درجة كانت الضوضاء والصيحات المرتفعة تزيد وتسد أذنيه. توقف عند الباب السطح المفتوح بين سيقان الرجال والمعازيم. لمحها جالسة في “الكوشة” في فستان أبيض بجوار شاب غريب. لبث مكانه يتطلع إليها مترددا ولا يتقدم نحوها. لمحته فوثبت من ” الكوشة ” نحوه وفي عينيها الفرحة التي كانت تستقبله بها دائما. انحنت عليه وهمست بصوتها العميق معاتبة :” أتتركني يوم زفافي؟”. قبضت على كفه وجرته. أجلسته على الكرسي بجوارها وأخذت تربت على رأسه  وتغمر كتفيه بقبلاتها.
اختفت فريال بعد شهور. لم يعد ثمة طابق سابع. وخاف إذا سأل عنها أن يخمن الآخرون أنه مغرم، ووحيد، ويسأل عن فريال. وظل يتمتم باسمها مشطورا نصفين “فـر.. يال” وهو في العشرين، وهو في الأربعين، وهو في الستين من عمره. ينزلق من محبة إلي محبة، ومن عطر إلي عطر، بدون أن يفهم ما الذي جرى له في الطابق السابع.
أحــمــد الـخـمــيـسـي

اترك تعليقا