الرئيسية » حضاريات » حــــــــوار الحـضــــارات – الـكـاتب الصـحـفـى حمـــدى حــنــضــل

حــــــــوار الحـضــــارات – الـكـاتب الصـحـفـى حمـــدى حــنــضــل

شهدت مدينة يالطا ذات الرمزية الحضارية والسياسية التاريخية مؤتمرا دوريا نظمته المجموعة الاستراتيجية روسيا / العالم الاسلامي بتاريخ ٢٣ ابريل ٢٠١٨، وكان بعنوان “الصحافيون في العالم الاسلامي من أجل الشراكة بين الحضارات”. شاركت في المؤتمر فعاليات سياسية وديبلوماسية وإعلامية من اكثر من ٢٠ بلدا . وقدِّم فيه  ما يقارب الخمسين مداخلة أضاءت جوانب متنوعة من العلاقات الحضارية بين المدى الروسي الأوراسي والمدى العربي والاسلامي . ويسر اسرة التحرير ان تشرع بدءا من اليوم  بتغطية أنشطة المؤتمر من خلال نشر مداخلة الكاتب الصحفى  حمدى حنضل، مدير تحرير جريدة الجمهورية – مصر، ومدير قطاع التدريب الصحفى بمؤسسة “الجمهورية للصحافة”. وسننشر تباعا مداخلات أخرى.

السيدات والسادة.. الاخوة الأعزاء

ينعقد هذا المنتدى بينما العالم يعانى ويلات الصراعات والحروب والإرهاب وتنطلق قوى الشر  تستعرض عضلاتها وطائراتها وصواريخها تمزق وحدة الدول الوطنية وتزرع القلق والتوتر والخوف بدلا من التنمية والحب والرخاء  والأمان وتنهار على أنهار الدماء والأشلاء والضحايا صيحات الحوار والتلاقى والتعايش السلمى بين بنى البشر بما يمثلونه من حضارات متعددة وتقتل الأمل والحلم وتغتال البسمة لدى الاجيال القادمة صاحبة الحق الاصيل فى حياة حرة آمنة متكافئة لاتمييز فيها بسبب اللون أو الجنس أو العقيدة أو الدين

سأتناول فى كلمتى ثلاثة من المحاور الاساسية

الأول  حتمية حوار الحضارات بديلا للصراع

الثانى  الحضارة الاسلامية الأسبق الى دعم قيم الحوار والتسامح والتعايش

الثالث روسيا والعالم الإسلامى  نموذج لحوار الحضارات

الجزء الأول

حتمية الحوار بديلا للصراع: يحفل عالم اليوم بعدد من الظواهر نراها كل يوم وكأننا اعتدناها فلم تعد تحرك فينا ساكنا أو متحركا من بعض ملامحها.

دماء تسيل أنهارا وأشلاء تتناثر هنا وهناك ومدن بكاملها تتحطم وحضارات وأثار تسرق وتهان وتدمر مذابح ومآسى واطفال ونساء وشيوخ يتمزقون بين الموت بقذيفة صاروخ أو بدانة إلى الهجرة الى الموت عبر قارب غير شرعى

شيوع  وانتشار مقلق للفكر المادى والترويج لفلسفات التطرف والإلحاد بعيدا عن جوهر الاديان وتعاليمها الانسانية والخلقية.

سيادة سياسات القوة والغطرسة والتوسع والتسلط وجموح الفردية والأنانية وتعمق الرغبة فى التحكم فى مقدرات الشعوب والاستيلاء على ثرواتها.

سياسات استعمارية جديدة شديدة العنف والقسوة أحالت الاسلام فى نظر شعوب العالم الى منصة إرهاب واحالت شرقنا العربى الى تراب ودم ودموع وخراب فأفرغت الحياة الانسانية من كل القيم بل صار التقدم العلمى ملازما لحروب تستخدم فيها أحدث ما تنتجه معامل العلم من دمار شامل وأصبح سقوط الحضارات أقرب من حوارها وبناء الجسور بينها

هذه الملامح وغيرها فرضت على العالم ولاتزال حتمية التلاقى والتحاور فإن السؤال لكل ذى ضمير الى أى مدى يمكن لهذه الأنهار من الدماء ان تستمر ولهذا الخراب أن يتواصل؟ وللأطفال والنساء والشيوخ ان يهربوا من الموت الى الموت؟

ويفرض الانصاف هنا أن نسجل بالتقدير جهودا حقيقية بذلها المفكرون والسياسيون لتحقيق التعايش الأفضل لبنى البشر منهم  روجيه جارودى الذى انتقد الهيمنة الغربية والسيطرة الأمريكية وبشر بنظرية زوال الغرب عموما

وأسس لحوار الحضارات على أساس نهج ابن عربى استنادا الى وحدة الأديان القائمة على مذهب وحدة الوجود وما أثاره الأمريكى اليابانى الأصل فوكوياما ونظرية نهاية التاريخ فإن انتصار الرأسمالية فى رأيه نهاية للتاريخ والانسان ثم ما أثاره المفكر الأمريكى صمويل هتنجتون تحت عنوان صدام الحضارات مبشرا بزوال كل الحضارات عدا الحضارات الاسلامية والغربية والصينية الكونفو شيوسية محذرا من تلاقى الحضارتين الإسلامية والصينية ومن هنا كان ظهور حوار الحضارات طريقا وحيدا لابديل عنه لانقاذ البشرية مما تعيشه وينتظرها من هلاك وكان عام الأمم المتحدة لحوار الحضارات وعينت مندوبا خاصا له وفى رأى المتحدث فإن الحوار لابد له من ركائز اساسية أولها ادراك البشرية لما يحيطها من مخاطر حقيقية سببها صراع الحضارات لدحض دعاوى هذا الصراع وتهيئة المناخ امام حوار حقيقى حاد

ثانيا أن الحوار يشترط الإعتراف بالاخر حقه فى الوجود وخصوصيته والاقتناع بأن كل من أطراف الحوار مختلف عن الاخر  وأن يكون هناك تبادل متكافئ للرأى والرأى الاخر وان يعترف كل طرف  بحاجته للحوار كأساس للعيش المشترك والرخاء المشترك

الجزء الثانى 

الحضارة الاسلامية جسر للتعايش والحوار الاسلام فى حقيقته كان الجسر الذى التقت فيه قيم الحوار والتعددية والتعايش المشترك بل إن الفقه الإسلامى كان الاساس الذى استقى منه كل الحالمين بالحرية والعدل والمساواة أفكارهم

ليس غريبا اذن ما ذكره تولستوى مؤكدا ان خلاصة الإسلام كما نادى به محمد صلى الله عليه وسلم هو ان الله واحد لا اله الا هو وأنه رحيم عادل وأن مصير الانسان يكتبه الانسان نفسه ان كان خيرا فخير  وان كان شرا فشر وفى عام 1983 قرر مؤتمر لاهاى اعتبار الشريعة الاسلامية مصدرا للتشريع

ويقرر مؤتمر شعبه الحقوق حول اسبوع الفقه الإسلامى ان الاصول الفقهية الاسلامية تستجيب لجميع مطالب الحياة الحديثة كل ان الفقهاء المسلمين شرعوا انشاء المحاكم الدستورية كما فصلها أبوالحسن المواردى

وها هو عمر بن الخطاب يسأل أحد ولاته ماذا ستفعل ان جاءك سارق أو ناهب قال الوالى اقطع يده قال عمر اذن لو جاءنى جائع أو عاطل فسوف يقطع عمر يدك

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم كلكم  راع وكلكم مسئول عن رعيته رواه البخارى ومسلم

والقرآن الكريم ملئ بالحوار بل ان الحوار أحد مناهجه الأساسية حتى مع فرعون ومدعى الالوهية

حوار الله مع ملائكته وإذا قال ربك للملائكة أنى جاعل فى الارض خليفة

سورة البقرة

حوار الله مع رسله واذ قال الله ياعيسى ابن مريم  المائدة

حتى مع الكافرين قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا   سورة طه

وحوار الله مع ابليس قال ما منعك أن تسجد     الاعراف

والخلاصة أن الحضارة الاسلامية لم تفرض الجهاد الا حال الاعتداء على ديار المسلمين أو فتنتهم عن دينهم

والمؤكد ان حضارة الاسلام على مدى التاريخ حضارة حوار فقد حاور علماء المسلمين كافة أهل الملل والدعوة إلى الخير وما  زيارات الأمام الأكبر شيخ الازهر الدكتور أحمد الطيب إلى ألمانيا وفرنسا وغيرهما ولقاءاته مع بابا الفاتيكان وبابا الاسكندرية وغيرهما الا جسورا من المودة  والتعايش بين الاسلام وغيره من الأديان

فإن الاسلام كما قال الشيخ أحمد الطيب فى مؤتمر الحوار بين الحكماء ان الاسلام يرحب أوسع ترحيب بأى جهد يبذل من أجل اسعاد انسان أو رحمة بحيوان أو حماية نبات أو جماد

الجزء الثالث

روسيا والعالم الاسلامى نموذج لحوار الحضارات

فى كلمته الأربعاء الأول من فبراير قال وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف فى منتدى التعاون العربى الروسى بأبوظبى انه سيتم العمل على تعزيز حوار الحضارات من خلال التعاون بين روسيا والجامعة العربية وانه ستتم مواجهة الايدلوجيات الارهابية والعمل على منع انتشارها

ولا يخفى على أى منصف ان التدخل الروسى فى سوريا أعاد للدولة الوطنية احترامها ومنع تقسيم سوريا الى قطع شطرنج وحفظ لإحدى دول الشرق الاوسط حقها فى الحياة ولشعبها حقه فى تقرير مصيره

ولايخفى ايضا موقف روسيا الداعم للحق العربى فى القدس العربية واستعادة ما تم غصبه من الارض الفلسطينية

وفى حديثه للقناة الحكومية الثانية للتليفزيون الروسى قال العاهل السعودى الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود أن هناك بعض الناس ليس من مصلحتهم وجود حوار بين الحضارات المختلفة.. لكن يوجد فى العالم الكثير من الناس الأخيار الذين يدعمون هذا الحوار وأكد الملك عبدالله – رحمه الله – تقديره للعلاقات الروسية مع العالم الاسلامى مؤكدا ان الاسلام يحرم قتل النفس البريئة

وفى نفس اللقاء التليفزيونى طالب مدير معهد الحضارة الاسلامية فى روسيا سعيد كاملوف ضرورة بذل المزيد من الجهود والبرامج لاعطاء صور حقيقية للدول الصديقة ذات المكانة البارزة اقليميا وعربيا ودوليا

ويحضرنى هنا ما كتبه المستشرق الروسى الشهير أنور بيك فاضليا نوف والذى عمل سفيرا لروسيا فى عدد من الدول العربية من بينها السعودية والعراق والكويت والسودان وسلطنة عمان فى كتابه »حوار الحضارات روسيا والعالم الاسلامى مؤكدا على عدد من الحقائق من بينها

التحديات التى تواجهها دول منظمة المؤتمر الاسلامى واساليب تعاملها مع قضايا مكافحة الارهاب الدولى والمخدرات والتطرف والفقر والاوبئة بما يفرض على روسيا والعالم الاسلامى تقوية ودعم المؤسسات المشتركة والهيئات الاقليمية وأهمها الأمم المتحدة واحترام حقوق الانسان ورفض المعايير المزدوجة

ضرورة بذل جهود افضل لمنع ظواهر العنصرية والاسلاموفوبيا وكراهية الاجانب ويشير فاضليا نوف الى أهمية الحوار بين روسيا والعالم الاسلامى انطلاقا من عدد من الركائز أهمها

الطبيعة التاريخية والسكانية لروسيا فهى دولة متعددة العرقيات والثقافات والأديان ويتبوأ المسلمون فيها مكانة متميزة باعتبار الاسلام ثانى اكبر ديانة فى روسيا والمسلمون الروس يمثلون نسيجا أصليا فى الدولة الروسية منذ مئات السنين

العلاقات القديمة التى تربط روسيا والعالم الاسلامى فى مراحل تاريخية اقتصادية وسياسية وثقافية وعسكرية الخ

الحوار المتكافئ على اسس المنفعة المتبادلة بين روسيا والعالم الاسلامى

وقال فاضليا نوف ان روسيا تأخرت لفترة طويلة عن الاهتمام بقضايا علاقتها الهامة والضرورية مع العالم الاسلامى لكنه لم يذكر طبعا ما شهده العالم العربى من تعاون قوى مع روسيا خاصة بناء المحطات النووية فى الضبعة المصرية من خلال شركة »روس« الروسية وايضا المنطقة الصناعية الروسية فى منطقة قناة السويس وغيرها فضلا عن تزويد مصر بالاسلحة المتقدمة وغيرها من مظاهر التعاون البناء واخيرا ما حدث منذ ايام بعودة السياحة الروسية الى مصر وخطوط الطيران المباشرة بين موسكو والقاهرة

وأخيراً ..

فإننا من خلال هذا المنتدى العظيم ندعم وبكل قوة ترشيح كل من الدكتور اللبنانى الروسى سهيل فرح رئيس الجامعة المفتوحة لحوار الحضارات وزميله الاكاديمى يورى يكوفتس رئيس منتدى يالتا الحضارى لنيل جائزة نوبل للسلام عام 2018 باعتبارهما من المبادرين الى صياغة رؤية عالمية مستقبلية لهيئة الأمم المتحدة بعنوان (مستقبل الحضارات لسنة 2050) ووثيقة الاستراتيجية الدائمة المستدامة على أساس شراكة الحضارات التى ناقشها مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة فى »ريو +20 « وأن يكون تقييمها علميا لا سياسيا

شكرا لكم وأرجوا ان تدعموا مطلبى هذا بدعم المرشحين وكل عام  وأنتم بكل الخير

الكاتب الصحفى  حمدى حنضل

مدير تحرير جريدة الجمهورية – مصر

ومدير قطاع التدريب الصحفى

بمؤسسة »الجمهورية للصحافة«

اترك تعليقا