الرئيسية » سياسة واقتصاد » حصاد القمة الأمريكية الروسية

حصاد القمة الأمريكية الروسية

عقب انقطاع دام ثمانية سنوات، عُقدت أول قمة رسمية أمريكية روسية منذ أبريل 2010 فى هلسنكى، وقد أدى الجدل الذى أحاط بالقمة خاصة فى الداخل الأمريكى وجدواها ثم ما أعقب القمة من هجوم شديد على الرئيس الأمريكى إلى التساؤل حول تداعيات القمة، وهل نجحت فى تهدئة الخلافات بين واشنطن وموسكو أم زادتها تعقيداً؟

إن النظرة الموضوعية لقمة هلسنكى وما دار بها توضح إنها لم تكن قمة “صعبة” أو “باردة” كحال لقاءات أوباما وبوتين، فقد غلف الدفء النابع من الرغبة فى التفاهم قمة هلسنكى، صحيح أن حصاد القمة لم يكن كبيراً، ولكنها مثلت دون شك خطوة هامة وضرورية لأى تفاهمات مستقبلية أوسع. فقد كان من المقرر أن يستمر اللقاء ساعة ونصف ولكنه استمر ساعتين وربع فى أجواء إيجابية. وجاء تقييم الرئيسان للقمة إيجابياً أيضاً فقد اعتبر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا كانت في أسوأ حالاتها لكنها تحسنت بفضل هذه القمة، وأن العالم كله يتطلع لنتائجها، وأن روسيا والولايات المتحدة أكبر قوتين نوويتين وليس من الجيد أن تكون بينهما خلافات. ووصف الرئيس بوتين القمة بـ”الناجحة والمثمرة”، وقال إنها انعقدت في أجواء “بناءة وإيجابية”، واعتبر أنها مثلت الخطوة الأولى في “إزالة الأنقاض” عن العلاقات بين البلدين. وأكد على ضرورة توحيد جهود البلدين الرامية لمواجهة التهديدات المشتركة بالنسبة لهما، ودعا بوتين إلى تشكيل لجنة خبراء معنية بتطبيع العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة تضم محللين سياسيين روس وأمريكيين ذوي سمعة جيدة، وعلماء ودبلوماسيين سابقين، للعمل على “إيجاد القواسم المشتركة والتفكير في اقتياد التعاون الدولي إلى طريق التقدم الإيجابي المستدام”.

إلى جانب هذه التصريحات البناءة من الجانبين عكست القمة إيجابية فى التعاطى مع عدد من الملفات لعل أهمها الملف السورى، والتفاهم حول بقاء القوات الأمريكية البالغ عددها 2200 جندى أمريكى وقاعدة التنف مقابل تراجع واشنطن عن دعم المعارضة المسلحة فى درعا مما اتاح سيطرة الجيس السورى على 90% من درعا. ويبدو أن صفقة تفكيك قاعدة التنف مقابل إنهاء الوجود الإيرانى بسوريا، والتى طرحت فى وقت سابق للقمة، لم تكن ممكنة. أما على صعيد الهواجس والضغوطات الإسرائيلية التى حملها رئيس الوزراء الإسرائيلى لموسكو خلال لقائه بالرئيس بوتين قبل إنعقاد القمة يوم 11 يوليو، فقد أكد الرئيس بوتين أن روسيا مهتمة بضمان السلام في هضبة الجولان وتعتبر أنه من الضروري تطبيق اتفاق فك الاشتباك بين سوريا وإسرائيل، وتكييف الوضع في مرتفعات الجولان بالتوافق التام مع اتفاق عام 1974 حول فصل القوات الإسرائيلية والسورية، وإحياء نظام وقف إطلاق النار بينهما، واعتبر أن اتخاذ هذا الإجراء سيمثل خطوة في طريق إحلال سلام عادل وصارم في المنطقة على أساس قرار مجلس الأمن رقم 338، وأكد بوتين أن تسوية الأزمة في سوريا “قد يصبح مثالا للعمل الثنائي الناجح” بين البلدين.

يبدو كذلك أن الرئيس بوتين تقبل حقيقة أن الولايات المتحدة أصبحت منتج كبير للطاقة، وكونها شريك مستقبلى فى هذا السوق وذلك بعد الطفرة فى انتاج النفط والغاز الصخرى بها، وأن التنسيق والتفاهم وليس التنافس هو السبيل لإدارة هذا الملف بين البلدين على غرار ما يحدث مع المملكة العربية السعودية. فقد اعتبر بوتين أنه بإمكان روسيا والولايات المتحدة أن تتعاونا بشكل بناء في تنظيم الأسواق العالمية لموارد الطاقة، لأن هبوط الأسعار إلى ما تحت الحد الأدنى ليس في مصلحة البلدين، وأن المنتجين، بما في ذلك في الولايات المتحدة، سيعانون.

أما “المواضيع المؤلمة”، على حد تعبير الرئيس بوتين، والتى عصت على بلورة تفاهمت، فمازالت كثيرة ومنها ملف الوجود الإيرانى فى سوريا. فقد أشار الرئيس الأمريكي إلى أنه أكد “بوضوح” لنظيره الروسي أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بالاستفادة من الحملة الناجحة ضد تنظيم “داعش” في المنطقة. وأوضح ترامب إلى أنه اتفق مع بوتين على ضرورة ضمان أمن إسرائيل في ظل التطورات الجارية في سوريا. وعقب القمة بدأ المبعوث الخاص للرئيس الروسي المعني بشؤون سوريا، ألكسندر لافرينتييف، الذي حضر المحادثات في هلسنكي، زيارة عمل إلى إيران يوم 19 يوليو، للتفاهم على الترتيبات المستقبلية فى سوريا ومسار استانا في مجلس الأمن الإيراني وذلك فى ضوء ما جرى فى القمة الأمريكية الروسية، والإجراءات المشتركة المحتملة للجانبين في ظل الاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال اللقاء بين بوتين وترامب.

ومن القضايا الصعبة أيضاً التى تم بحثها تلك المتعلقة بالدرع الصاروخى الأمريكى الذى تعتبره روسيا تهديد مباشر لأمنها القومى ومحاولة لتقويض قدراتها الدفاعية فى مواجهة أى هجوم أمريكى محتمل. وفى المقابلة، التي أجرتها معه شبكة “فوكس نيوز”، عقب القمة يوم 16 يوليو أشار الرئيس بوتين إلى استعداد موسكو لتمديد معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية النووية (ستارت الجديدة)، التي تم توقيعها في 8 أبريل 2010 وينقضي أجلها عام 2021، لكن عقب “الاتفاق على التفاصيل أولا”، لأن “لدينا بعض الأسئلة لشركائنا الأمريكيين” على حد تعبير بوتين، الذى رأى أن الولايات المتحدة ليست ملتزمة تماماً بالمعاهدة، وأن الخبراء هم الذين يحددون ذلك. ووفقاً للمعاهدة يتعين خفض الرؤوس الحربية والقنابل النووية التي يمكن تركيبها في الصواريخ الباليستية إلى 1550 لكل من البلدين. كما تقيد كذلك عدد ما يتم تركيبه في منصات الإطلاق من الصواريخ الباليتسية العابرة للقارات، وتلك التي يمكن إطلاقها من الغواصات والقاذفات النووية بحد أقصى يبلغ 700 كلم، وما لم يتم تركيبه في منصات الإطلاق من هذه الأسلحة بما لا يتجاوز 800 كلم. وأمهلت المعاهدة الدولتين حتى فبراير من هذا العام للوصول إلى الحدود القصوى المشار إليها. وتثير روسيا تساؤلات حول تعديل الولايات المتحدة بعض الغواصات والقاذفات لتحمل أسلحة تقليدية، وتعتقد أنه لا سبيل لها للتحقق من عدم استخدامها أيضا لحمل أسلحة نووية. هذا فى الوقت الذى انتقد فيه ترامب المعاهدة ووصفها بأنها “اتفاق سيئ تفاوض عليه سلفه”.

ومن الموضوعات التى مازلت مثار للتوتر بين البلدين القضية المتعلقة بتدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، وقد رأى الرئيس بوتين إن العلاقات الروسية الأمريكية يجب ألا تكون “رهينة” التحقيق الذي يجريه المدعي الأمريكي الخاص، روبرت مولر، بهذا الخصوص، ورأى إنه “من الواضح جدا أن الأمر يتعلق فقط بصراع سياسي داخلي في الولايات المتحدة”. وأشاد بنظيره الأمريكي ترامب كمحاور جيد واسع الاطلاع، وأنه “شخص كفؤ”، وأنه “يعرف كيف يستمع، وينصت لما يريده الناخب والرأي العام منه، وهو يقوم بعمل جيد في هذا الشأن”.

إلا إن هذا لم يكن كافياً للداخل الأمريكى الذى انتفض غاضباً فى وجه ترامب، فقد اشعلت تصريحات ترامب “الودية” تجاه نظيره بوتين خلال قمة هلسنكي عاصفة من الانتقادات في الأوساط الأمريكية التي وصفت موقف ترامب بالضعف و”الخيانة”، إذ رفض الرئيس الأمريكي أن يوجه أي انتقاد للسياسة الروسية وأرجع سبب تدهور العلاقات بين البلدين “لسنوات عديدة من الحمق والغباء الأمريكي”. كما أثار أداء ترامب في المؤتمر الصحفي بعد قمة هلسنكي موجة انتقادات في الولايات المتحدة، خاصة عندما سئل ترامب عما إذا كان يثق في أجهزة المخابرات الأمريكية التي أوضحت أن روسيا تدخلت في انتخابات عام 2016 لمساعدته في هزيمة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلنتون، ورد ترامب قائلاً إنه “ليس مقتنعا”، وأنه لا يرى “سببا للاعتقاد بأنها” روسيا، وأن “الرئيس بوتين كان قويا للغاية وحاسما في نفيه اليوم”. ورغم أن ترامب عاد وأكد ثقته فى أجهزة الاستخبارات الأمريكية ونفى البيت الأبيض الاتهامات الموجهة للرئيس، إلا إنها كانت فرصة للمتربصين به للنيل منه. فقد طالب مدير المخابرات المركزية السابق جون برينان بعزل ترامب من منصبه، معتبراً أن “أداء دونالد ترامب في المؤتمر الصحفي في هلسنكي يرقى ويتجاوز حد ’الجريمة الكبرى والإثم”، وأن ترامب “كان بأكمله في جيب بوتين”. ودعا عضوان بالكونجرس الأمريكي لمثول مترجمة الرئيس دونالد ترامب، مارينا جروس، أمام المشرعين، لتطلعهم على حقيقة ما دار خلال اللقاء الذي جمع ترامب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي. وكان ترامب وبوتين قد اجتمعا في لقاء ثنائي جمع بينهما فقط، إلى جانب المترجمين لمدة ما يزيد عن ساعتين، قبل أن تبدأ المباحثات التى شارك فيها مسؤولون من البلدين.

لقد مثلت قمة هلسنكى خطوة للأمام فى العلاقات الأمريكية الروسية، إلا إن الداخل الأمريكى مازال يلجم حركة واشنطن باتجاه التطبيع الكامل مع موسكو، ولذا ستظل هذه الحركة بطيئة فى المدى المنظور.

د. نورهان الشيخ

 

اترك تعليقا