الرئيسية » سياسة واقتصاد » حاضر ومستقبل تايوان في خضم الصراع الاميركي الصيني
Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2019-02-10 08:33:41Z | |

حاضر ومستقبل تايوان في خضم الصراع الاميركي الصيني

د. سماء سليمان
شهدت بداية العام 2019، تنافسا جديدا ولكن حول جزيرة تايوان، عندما أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ، في 2 يناير أن بلاده ترفض “التخلّي عن خيار استخدام القوة العسكرية لإعادة تايوان إلى سيادتها”، مشدّدا على أن “إعادة توحيد” الجزيرة والبرّ الصيني أمرٌ لا مفرّ منه في نهاية المطاف، مؤكدا أن إعادة الوحدة يجب أن تتم في إطار مبدأ صين واحدة، والذي يقر بأن تايوان جزء من الصين، مضيفا أن على كل الناس في تايوان أن “يدركوا بشكل واضح أن استقلال تايوان لن يجلب سوى كارثة كبيرة لتايوان”.
تعتبر تايوان وجزر باراسيل وهونج كونج وماكاو وجزر بحر الصين الجنوبي مسرحا للصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، حيث تتنافس كلتا الدولتين للهيمنة على منطقة المحيط الهندي والهادي وتعتبرها امتدادا لأمنها القومي، ومن ثم تلجأ الدولتان إلى إثارة المشكلات فيما بينهما تجاه هذه القضايا في صور متعددة، وقد ظهرت على السطح من خلال الحرب التجارية التي بدأتها أمريكا تجاه الصين مطلع العام 2018، وذلك لخفض الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة بقيمة 200 مليار دولار بحلول عام 2020، وخفض الرسوم الجمركية بشدة ووقف دعم التكنولوجيا المتقدمة، مما يدعو للتساؤل حول مستقبل الصراع على تايوان؟
وتتشكل تايوان من مجموعة جزر أكبرها جزيرة تايوان التي تعد 99% من هذه الجزر والكثير من الجزر الصغيرة كالبسكادور وماتسو وغيرها وتبلغ إجمالي مساحتها 36.962 ألف كم2. ويبلغ عدد سكان تايوان نحو 23.5 مليون نسمة ينحدر نحو 85% منهم من أصول صينية نتيجة الهجرات الكبيرة منذ سيطرة إمبراطورية المانشو عليها. وهناك شعور باستقلال الهوية التايوانية عن هوية الصين.
تاريخ المشكلة:
تشهد العلاقات بين الصين وتايوان توترا منذ عام 1949، وقد نتجت مشكلة تايوان نتيجة الحرب الأهلية التي شهدتها الصين ودارت بين الشيوعيين (جمهورية الصين الشعبية) والكومينتاغ (تايوان) وانتهت بتأسيس الشيوعيين لجمهورية الصين وعاصمتها بكين عام 1949، وقد نتج عن هذه الحرب بقاء ثلاث جزر كبيرة خارج سيادة جمهورية الصين الشعبية، وهي هونغ كونغ التي كانت خاضعة للاستعمار البريطاني حتى عام 1997، وماكاو التي كانت خاضعة للبرتغال وفورموزا المستقلة (التي اتخذت لاحقا اسم تايوان). ومنذ ذلك الحين تسعى الصين إلى إعادة السيطرة على تايوان. وجهة النظر الصينية:
لا تعترف بكين باستقلال تايوان، المتمتعة بحكم ذاتي، وترى أن الجزيرة جزء من الأراضي الصينية بموجب دستورها بوصفها مقاطعة تايوان. ويشار إليها عادة من قبل وسائط الإعلام في البر الرئيسي بوصفها إقليم تايوان أو منطقة تايوان. وقد أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ، في 2 يناير 2019 أن “الطرفين- في إشارة إلى الصين وتايوان- يمثلان جزءا من العائلة الصينية، وأن مطالب استقلال تايوان كانت تيارا معاكسا للتاريخ لا مستقبل أمامه”.
وجهة نظر تايوان:
لا تعترف تايوان بالحكومة الصينية المركزية وترى أنها الأحق في حكم كل من تايوان وجمهورية الصين الشعبية، وصرحت رئيسة تايوان تساي إينج وين 2 يناير بأن تايوان لن تقبل ترتيب (بلد واحد ونظامان) مع الصين مؤكدة أن المفاوضات يجب أن تجري بين الطرفين على قدم المساواة بين الحكومتين، وحثت تساي أيضا الصين على فهم طريقة تفكير وحاجات الشعب التايوانى، ودعت تساي في كلمة بمناسبة العام الجديد ألقتها الصين لاستخدام السبل السلمية لحل خلافاتها مع تايوان واحترام معاييرها الديمقراطية.

ملامح الصراع على تايوان بين كل من أمريكا والصين:
تعد تايوان إحدى قضايا الصراع بين البلدين وأداة ضغط حسب التوقيت المناسب لكل منهما ولذا شهدت القضية تطورات بينهما منذ العام 2016 وتتمثل في عدد من الإجراءات من كلا الطرفين كالتالي:

إجراءات أمريكية:
1- عبور السفن الحربية الأمريكية في مضيق تايوان، حيث عبرت سفينتان حربيتان أمريكيتان، مضيق تايوان، الفاصل بين بحري الصين الجنوبي والشرقي 8 يوليو 2018، مما زاد من التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين.
2- ضغط أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي في أغسطس 2018، من أجل فرض عقوبات على سبعة مسؤولين صينيين، ومصنعي معدات مراقبة، بعد أن أفادت تقارير أن الصين تجبر ما يصل إلى مليون مسلم على الإقامة في معسكرات “لإعادة التوجيه” في منطقة شينجيانج في أقصى غرب البلاد.
3- وافقت الولايات المتحدة على بيع حزمة معدات عسكرية بقيمة 330 مليون دولار لتايوان17 سبتمبر 2018.
4- فرضت إدارة ترامب سبتمبر 2018، عقوبات غير مسبوقة على وكالة المشتريات العسكرية الصينية ومديرها، بزعم شراء طائرات مقاتلة روسية، وهو ما يعد انتهاكًا للعقوبات الأمريكية.
5- ألغت أمريكا مشاركة القوات الصينية في مناورات “ريمباك” عام 2018، وهي التدريبات التي تقام كل عامين في المحيط الهادي، وتجمع بين جيوش عشرين دولة. ردا على نشر الصين أسلحة على الجزر الاصطناعية التي بنتها في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه.
6- أرسلت الولايات المتحدة سفينتين حربيتين عبر مضيق تايوان في ثاني عملية من نوعها في أكتوبر 2018.
7- استدعت الولايات المتحدة الأمريكية مبعوثيها إلى ثلاث دول في أمريكا اللاتينية
(السلفادور وجمهورية دومينيكان وبنما) 8 سبتمبر 2018 بعد أن قررت هذه الدول قطع علاقاتها مع تايوان وأقرت سيادة الصين عليها، وهذا يعد ازدياد الصين في الأمريكيتين.

إجراءات صينية:
1- تسليح الصين لجزرها الصناعية التي أقامتها خلال السنوات الماضية، حيث بينت تقارير سابقة نشرتها شبكة “فوكس نيوز” في منتصف فبراير 2016 نصب الصين منظومات مضادة للطائرات في جزيرة “يونغ شينغ” التي تسيطر عليها ببحر الصين الجنوبي، إلى جانب 8 قاذفات صواريخ ومنظومة رادارات، كما قامت الصين سابقا بعدة نشاطات لتعزيز سيطرتها على الجزر، حيث أنشأت مدرجا للطيران ومشاريع بنى تحتية أخرى، جزر عدة منها جزر صناعية. بالرد على المخاوف الدولية، تدعي الصين أن هذه الأعمال ضمن القانون وتنفذ لدواعٍ مدنية فقط.
وتعتبر الولايات المتحدة هذه الخطوة تصعيدا خطيرا قد يخل بموازين القوى العالمية، ويزيد من تقدم الصين في تنفيذ خطتها الاستراتيجية لإحكام سيطرتها على الجزر الواقعة في البحر الجنوبي، والمتنازع على سيادتها مع تايوان وفيتنام.
وصرّحت وزارة الخارجية الصينية، بأن “نشر الصواريخ في المناطق الصينية هو خطوة مشروعة” وأن الأعمال القائمة في “يونغ شينغ” متعلقة بـ”الأمن القومي” وليست “تسليحا”.
لكن بحسب تقرير نشرته قناة “بي بي سي” الإخبارية، صرّح مسؤول من وزارة الدفاع في تايوان بأن الصواريخ التي نصبتها الصين قادرة على مهاجمة طائرات مدنية وعسكرية على حد سواء. ولأن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي لديها رحلات جوية وبحرية في تلك المنطقة، تعرّضها هذه الخطوة للخطر وقد تزيد من التوتر في العلاقات.
وتزامن تسليح الصين جزيرة يونغ شينغ التي تعد الكبرى في أرخبيل باراسيل مع المؤتمر السنوي الذي يجمع بين الولايات المتحدة ودول جنوب شرق آسيا في ولاية كاليفورنيا. وبحسب وكالة رويترز، أكد الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، خلال كلمة له في المؤتمر في 2016 ضرورة “الحفاظ على حرية الحركة البحرية والجوية في بحر الصين الجنوبي”، مشيرا إلى اعتراض الصين الشهر الماضي على مرور سفينة حربية أمريكية بجانب جزيرة تريتون الواقعة في تلك المنطقة.
2- قامت الصين بإنشاء جزر صناعية بالقرب من الفلبين، إذ أثار المخاوف حول نيات الصين وخططها التوسعية، التي قد تشمل محاولات التحكم بحرية الحركة البحرية في المنطقة التي تعرف بضرورتها للاقتصاد العالمي وحركة التجارة وحركة السفن العسكرية كذلك. لكن المخاوف لم تصب الدول المحيطة بالصين فقط، بل وصلت للدول العظمى والولايات المتحدة تحديدا، إذ إن سيطرة الصين على تلك المنطقة تهدد الهيمنة الأمريكية والتفوق الأمريكي العسكري، وعليه بدأت سلسلة من الفعل ورد الفعل بين الصين والولايات المتحدة على مستوى التصريحات والإجراءات العسكرية من أجل الردع المشترك.
3- رفضت بكين في عام 2016 طلب مجموعة من حاملات الطائرات الأمريكية لزيارة ميناء هونج كونج خلال فترة التوتر الشديد مع الولايات المتحدة بسبب بحر الصين الجنوبي.
4- أغلقت الصين في يناير 2018 الموقع الإلكتروني الصيني لماريوت إنترناشيونال لمدة أسبوع عقابا لأكبر سلسلة فنادق في العالم على إدراج التبت وتايوان وهونغ كونغ ومكاو كدول منفصلة في استبيان للعملاء.
5- ألزمت الصين 36 شركة طيران أجنبية ومن بينها شركات أمريكية في 5 مايو 2018 بحذف إشارات على مواقعها الإلكترونية أو مواد أخرى تبين أن تايوان وهونغ كونغ ومكاو مستقلة عن الصين.
6- أشارت شبكة “بلومبرج” إلى أن الصين، رفضت دخول سفينة حربية أمريكية إلى هونج كونج شهر أكتوبر 2018، وفقًا لما ذكرته القنصلية الأمريكية في هونج كونج، كما ألغى قائد البحرية الصينية اجتماعًا مع نظيره الأمريكي، بعد أن تم استدعاؤه إلى الصين، وفقا لما ذكره الكولونيل ديف إيستبورن، المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون”. وتأتي هذه التحركات في الوقت الذي تثير فيه الحرب التجارية بين البلدين، كما  تشكل جزءًا من خطة رئيسية لمنع الصين من تهديد هيمنة الولايات المتحدة على منطقة المحيط الهندي والهادي.
7- كثفت بكين العام 2018 من الضغوطات العسكرية والدبلوماسية، ونفذت تدريبات جوية وبحرية حول الجزيرة، وأقنعت بعض الأقاليم التي تدعم تايوان بالتوقف عن ذلك.

وجهة النظر الأمريكية تجاه تايوان:
تايوان منطقة متنازع عليها بين الصين وأمريكا، وتعتبرها الصين ملكًا لها وتعدها القضية الأكثر حساسية في علاقات البلدين، وتلتزم أمريكا بالدفاع عن تايوان ومساعداتها ضمن اتفاقية بين الطرفين، كما تعتبر المصدر الرئيسي للسلاح، بينما ترفض تايوان الانضمام إلى الصين التي تحاول دائمًا ضمها ومن ثم فإن إرسال الولايات المتحدة لسفن عسكرية عبر مضيق تايوان هو دليل على استمرار دعمها لتايوان واستعدادها لممارسة حقوقها البحرية في محيط الصين.
ازداد التوتر بين تايوان والصين بعد أن فرضت الولايات المتحدة، الداعمة لتايوان، عقوبات على الجيش الصيني في عام 2018، إلى جانب الحرب التجارية بين البلدين وتعزيز تايوان والصين المتزايد لوضعيهما العسكريين في بحر الصين الجنوبي.
وقالت وكالة “بلومبرج” إن تايوان كانت نقطة مثيرة للتوتر بين الولايات المتحدة والصين منذ انتخاب ترامب، فقبل أن يتولى منصبه، غرد عن محادثته الهاتفية مع رئيسة تايوان تساي إنج ون، كما شكك في سياسة “صين موحدة”، والتي تعترف بموجبها واشنطن بسيادة الصين على تايوان، وهي السياسة التي بُنيت على أساسها العلاقات بين الولايات المتحدة والصين منذ السبعينيات.
وكانت العلاقات بين تايبيه وبكين قد ساءت منذ وصول تساي إنغ وين إلى سدة الحكم عام 2016 حيث ترفض حكومتها الاعتراف بسياسة “الصين الواحدة” التي تعني أن تايوان جزءا من الصين.
وفي الأشهر الأخيرة توطدت العلاقات بين تايوان وواشنطن مما أثار استياء بكين. وتعترف حاليا 17 دولة بالعاصمة التايوانية تايبيه وليس العاصمة الصينية بكين.
هذا، وتكمن أهمية بحر الصين الجنوبي في كونه أحد خطوط النقل البحري الأهم والأكثر ازدحاما في العالم. إذ إن ثلث حركة التجارة العالمية تمر من خلاله، حيث يقدر حجم التجارة البحرية فيه بنحو 5 تريليونات دولار في العام الواحد إلى جانب غالبية النفط والغاز المصدّر إلى الصين واليابان. وبسبب أهميته الجيوستراتيجية أصبح هذا البحر وجزره محط خلاف حقيقي ونقطة توتر بين الصين وجاراتها الخمس اللاتي تتقاسم معها المساحة البحرية تلك؛ وهي فيتنام والفلبين وماليزيا وتايوان وسلطنة بروناي. فجميع هذه الدول تدعي أن لديها الحق في السيادة على ما يقارب الـ750 من الجزر الصغيرة والشعب المرجانية التي تشير التقديرات الحالية إلى احتوائها على الكثير من حقول النفط والغاز.

الموقف الصيني تجاه الموقف الأمريكي من تايوان:
فندت وزارة الخارجية الصينية اليوم 5 أكتوبر 2018، اتهامات نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، بشأن القضايا المتعلقة بتايوان وبحر الصين الجنوبي.
جاء ذلك في تصريح للمتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية “هوا تشون يينغ” اليوم، تعليقًا على ما ورد في خطاب نائب الرئيس الأمريكي أمام معهد هدسون بواشنطن حول الصين في 4 أكتوبر 2018، بأنه هناك “صين واحدة” فقط في العالم، وأن “تايوان” جزء لا يتجزأ من أراضي الصين.. وأن الولايات المتحدة الأمريكية ليس لها الحق على الإطلاق في انتقاد الدول التي اختارت تطوير علاقاتها مع الصين على أساس مبدأ صين واحدة، وأضافت أن قوى “استقلال تايوان” وأنشطتها الانفصالية تشكل أخطر تهديد على السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان.
وحثت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية “الولايات المتحدة الأمريكية على التوقف عن إثارة المتاعب والتوترات”، قائلة: “يتعين على الولايات المتحدة احترام الجهود التي تبذلها الأطراف المعنية لحل القضية من خلال التفاوض والتشاور”.

مستقبل المشكلة:
هناك توقعات من قبل العديد من المراقبين الدوليين بأن ثمة معركة ستندلع في الشرق، لتحافظ الصين على بقاء “تايوان” ضمن حدودها، وأكد وزير الدفاع الصيني، وي فنع خه، في افتتاح منتدى شيانجشان ببكين في أكتوبر 2018، أن جيش بلاده سيتحرك
“مهما كان الثمن” لإحباط المحاولات لفصل جزيرة تايوان التي تتمتع بحكم ذاتي. مضيفا أن “قضية تايوان مرتبطة بسيادة الصين وسلامة أراضيها وتمس مصالح الصين الأساسية”.
ومن ثم يمكن توقع تورط الصين في مواجهة عسكرية تبدأ مع “الجزيرة المتمردة” وقد تنتهي بالاشتباك مع الولايات المتحدة نفسها، حيث يرابط الأسطول السابع الأمريكي في خليج تايوان في صورة شبه دائمة، وربما هذا ما تسعى إليه واشنطن.
ختامًا، يمكن استبعاد حدوث سيناريو حرب كبيرة بين تايوان والصين لأن القيادة الصينية ترى أن مواجهة الولايات المتحدة يجب أن تكون على المستويين السياسي والاقتصادي، أي أن حدوث صدام بينهما في حده الأدنى، ولكن مع استمرار الحرب التجارية التي سيكون لها تأثير في النمو الاقتصادي الصيني قد يدفع لمزيد من التوتر في مرحلة لاحقة من المواجهة يمكن أن يميل كلا الطرفين إلى إجراءات أكثر حزمًا.

اترك تعليقا