الرئيسية » سياسة واقتصاد » جورباتشوف والوفاق السوفيتى الأمريكى

جورباتشوف والوفاق السوفيتى الأمريكى

نقدم للقراء الأعزاء الفصل الأول من كتاب “العلاقات الروسية الأمريكية” لصديقة موقعنا الدكتورة نورهان الشيخ.

جورباتشوف والوفاق السوفيتى الأمريكى

 كان التجار الروس هم أول من تواصل مع أمريكا الشمالية أواسط القرن السابع عشر، وأقاموا مدنا خاصة بهم عُرفت باسم “أمريكا الروسية” التى أصبحت مدينة نوفوارخانجلسك (سيتكا بألاسكا حاليا) عاصمة لها عام 1808. ودعمت روسيا استقلال الولايات المتحدة حين رفضت تقديم المعونة العسكرية الى بريطانيا من أجل إخماد الانتفاضة التي اندلعت عام 1775 في 13 مستعمرة بريطانية في أمريكا واعلنت حيادها. وظلت العلاقات الروسية الأمريكية محدودة وتقتصر على التجارة بصفة عامة منذ بروز الولايات المتحدة كدولة مستقلة عن بريطانيا أواخر القرن الثامن عشر وطوال القرن التاسع عشر، حيث كانت الولايات المتحدة دولة وليدة ولم يكن لها آنذاك أهمية ودور يذكر فى النظام الدولى والتفاعلات الدولية التى كانت تديرها وتتحكم بها الدول الأوربية الكبرى، ومنها روسيا. وجرى تبادل السفراء بين روسيا والولايات المتحدة عام 1809، ونجح البلدان فى تسوية القضايا المتعلقة بآلاسكا والممتلكات الروسية الأخرى في أمريكا والتي تم بيعها الى الولايات المتحدة عام 1867.

ومع إرهاصات الدور الأمريكى مطلع القرن العشرين زادت التفاعلات الروسية الأمريكية فى إطار من التوتر والعداء الأمريكى للثورة البلشفية فى روسيا. فقد رفضت الولايات المتحدة الاعتراف بحكومة البلاشفة التي استولت على السلطة فى نوفمبر 1917، بل وقدمت الدعم إلى الجيش الأبيض الذي حارب السلطة الجديدة. وخلال الفترة من 1918 وحتى 1920 شاركت القوات الأمريكية مع قوات بريطانيا وفرنسا واليابان في التدخل العسكري شرق وشمال روسيا. وكانت الولايات المتحدة حتى مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين الدولة الكبرى الوحيدة التي لم تعترف بالاتحاد السوفيتي، إلا أن التهديد الذى باتت تمثله اليابان على مصالح البلدين فى الشرق الأقصى، وحاجتهما للتنسيق إزاء التوسع والتمدد الياباني في المنطقة أدى الى اقامة العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة عام 1933.

وخلال الحرب العالمية الثانية ألتقت مصالح البلدين فى مواجهة الخطر الذى كان يمثله الزعيم الألمانى هتلر وسياساته التوسعية فى أوروبا، فوقع البلدان فى 11يونيو عام 1942 بواشنطن الاتفاقية السوفيتية الأمريكية حول “المبادئ المعتمدة للمساعدة المتبادلة في اثناء الحرب ضد العدوان“. ونجحا مع شركائهما الأوروبيين فى هزيمة هتلر والقضاء على حلم ألمانيا التوسعى، ووضع أسس النظام العالمي فى فترة ما بعد الحرب وفق تفاهمات مؤتمر يالطا بين ستالين وروزفلت وتشرتشل زعماء الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة وبريطانيا على التوالى، فى فبراير 1945، والتى كان من بينها إقامة الأمم المتحدة لضمان الأمن والسلم الدوليين.

مؤتمر يالطا فبراير 1945

ولكن ما أن اختفى العدو المشترك حتى برزت المواجهة العالمية ذات الأبعاد الايديولوجية والجيوسياسية والاقتصادية بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والاتحاد السوفيتي وحلفائه من جهة أخرى. فقد أدى مسار الحرب العالمية الثانية وتداعياتها إلى ضعف القوتين الأوروبيتين الرئيسيتين، فرنسا وبريطانيا، نتيجة الدمار الذى لحق بهما وبأوروبا كلها، وخروج ألمانيا واليابان وإيطاليا، من حلبة التنافس الدولى بعد هزيمتهم والتدمير الكامل لقدراتهم العسكرية وبنيتهم الاقتصادية. الأمر الذى أدى إلى تبلور نظام ثنائى القطبية برز فيه الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة كقوتين قائدتين وقابضتين على مقاليد هذا النظام فى إطار تناقض أيديولوجى حاد بينهما، وتنافس استراتيجى، وسباق تسلح نووى وتقليدى فيما عُرف بالحرب الباردة.

وكان برنارد باروخ مستشار الرئيس الأمريكى هو أول من استخدم مصطلح “الحرب الباردة ” للتعبير عن طبيعة هذه المرحلة فى العلاقات الروسية الأمريكية وذلك فى 16 أبريل 1947. وعلى مدى ما يزيد عن أربعة عقود انقسمت أوروبا إلى معسكرين أساسيين الأول غربى رأسمالى تقوده الولايات المتحدة وضم دول أوروبا الغربية فى إطار حلف شمال الأطلسى، والثانى شرقى اشتراكى يقوده الاتحاد السوفيتى فى إطار حلف وارسو الذى تأسس فى 14 مايو 1955 كرد فعل لإعلان إنضمام ألمانيا الغربية لحلف شمال الأطلسى وتهديد الأخير للنفوذ السوفيتى فى ألمانيا الشرقية. وقد ضم حلف وارسو كل من الاتحاد السوفيتى، وألمانيا الشرقية، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا، ورومانيا، والمجر، وبلغاريا، وألبانيا. وشهدت تلك الفترة مواجهات حادة بين موسكو وواشنطن أوشكت على الإنزلاق لحرب نووية خلال أزمة الصواريخ الكوبية فى أكتوبر 1962.

 

التفكير الجديد” فى السياسة السوفيتية:

عقب وصول جورباتشوف إلى السلطة عام 1985، قام بإعادة هيكلة السياسة الخارجية السوفيتية تجاه الولايات المتحدة على النحو الذى أدى إلى انتهاء الحرب الباردة عبر تنازلات لم تكن متصورة من جانب موسكو لصالح واشنطن والمعسكر الغربى. فقد ظلت الماركسية-اللينينية لعقود طويلة تمثل الإطار المرجعى للسياسة الخارجية السوفيتية، حتى جاء جورباتشوف فى منتصف الثمانينات وطرح برنامجاً متكاملاً لإعادة هيكلة السياسة الخارجية فيما عرف “بالتفكير الجديد”. إنطلاقاً من وعيه بالأزمات الاقتصادية والسياسية التى كان يمر بها الاتحاد السوفييتى، والتحديات الإقليمية والدولية التى تواجهه والتى كانت قائمة منذ حقبة برجينيف وكان القادة السوفيت، برجينيف، ثم أندربوف، فتشرنينكو، على دراية بها.

 فقد رأى جورباتشوف أنه من الضرورى بدء مرحلة جديدة فى العلاقات السوفيتية الأمريكية تقوم على الحوار ومناقشة كافة القضايا موضع الخلاف بينهما. وضرورة تكثيف الاتصالات بين البلدين من أجل تحقيق الفهم المتبادل ليس فقط على مستوى القيادة السياسية ولكن على مستوى الشعوب أيضاً، ووقف الدعاية المضادة بين البلدين والنظرة الأمريكية إلى الاتحاد السوفيتى باعتباره العدو الأول للولايات المتحدة وهو ما يتضح فى الحديث عن “الخطر العسكرى السوفيتى” و”يد موسكو” و”مخططات الكرملين” وغيرها. كذلك عدم التدخل فى الشئون الداخلية، فالاتحاد السوفيتى يتعامل مع الولايات المتحدة أياً كانت الإدارة الحاكمة ديمقراطية أم جمهورية، ويجب على الولايات المتحدة التعامل معه بالمثل.

كما أكد على مفهوم “الأمن المتبادل” وأنه يمكن تحقيق الأمن لكليهما عند مستويات أقل من التسلح حيث رأى جورباتشوف أن سباق التسلح هو العقبة الأساسية التى تعوق التحسن فى العلاقات السوفيتية الأمريكية. وأن المصلحة المشتركة الحقيقية بين البلدين تكمن فى تجنب المواجهة بينهما وهو ما يقتضى وقف سباق التسلح ونزع السلاح. وأن تطوير العلاقات الاقتصادية هى الأساس المادى للتقارب السياسى حيث تخلق مصالح متبادلة تساعد على تطوير العلاقات السياسية وبناء الثقة بين البلدين، وتجاوز الاختلافات الأيديولوجية. ولذا فإنه من الضرورى تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين وإزالة العقبات التى تعوق ذلك واحترام كل دولة لمصالح الأخرى.

وقام جورباتشوف بترجمة هذه الأسس العامة إلى سياسات فعلية، فمن ناحية، نجحت لقاءات القمة بين جورباتشوف ونظيره الأمريكى فى فتح قناة اتصال مباشرة وتنشيط الحوار بينهما حول مختلف القضايا. فتم عقد ثمانى لقاءات قمة خلال الفترة من 1985 – 1990، كان أولها قمة جنيف 19 – 20 نوفمبر 1985 وكانت الأولى منذ ست سنوات، وأول لقاء للرئيس الأمريكى ريجان بأحد القادة السوفييت حيث لم يلتق بأى من القادة الثلاث الذين تعاقبوا على السلطة فى الاتحاد السوفيتى خلال فترة رئاسته الأولى (برجينيف وأندربوف وتشرنينكو). وقد كانت قمة جنيف نقطة الانطلاق لتحسين العلاقات السوفييتية الأمريكية وبداية حوار حقيقى بين البلدين تغيرت على أثره صورة الاتحاد السوفيتى لدى الرئيس ريجان فتوقف الحديث عن “إمبراطورية الشر” فى لغة الخطاب الأمريكى وكذلك عن رعاية الاتحاد السوفيتى للإرهاب الدولى. ثم كانت القمة الثانية بين جورباتشوف وريجان وهى قمة ريكيافيك فى أكتوبر 1986 نقطة تحول فى الحوار السوفييتى الأمريكى والارتقاء به لمناقشة قضايا أكثر أهمية وتعقيداً مثل الأمن ونزع السلاح ووقف سباق التسلح. أعقبت ذلك قمة واشنطن فى ديسمبر 1987 والتى مثلت أول زيارة يقوم بها زعيم سوفييتى لواشنطن منذ عام 1973.

من ناحية أخرى،  قام جورباتشوف باتخاذ مجموعة من الإجراءات على الصعيدين الخارجى والداخلى لدعيم بناء الثقة بين البلدين لعل أهمها تهدئة النزاعات الإقليمية وإنهاء المواجهة مع الولايات المتحدة فى عدد من بؤر التوتر فى دول العالم الثالث، فإستخدمت موسكو نفوذها فى إخراج القوات الكوبية من أنجولا والقوات الفيتنامية من كمبوديا والضغط على الساندنيستا للسماح بانتخابات حرة فى نيكاراجوا، وكذلك فى تهدئة النزاعات فى الجنوب الأفريقي وكوبا. كما قام جورباتشوف بسحب القوات السوفييتية من أفغانستان، وتخفيض المساعدات السوفييتية العسكرية إلى فيتنام وإثيوبيا وكوبا ونيكاراجوا، وأكد أن الاتحاد السوفييتى ليس على استعداد لمساندة أى صراع عسكرى أو التدخل فى أى عمليات عسكرية خارج الاتحاد السوفييتى.

وأثناء حرب الخليج الثانية (1990 – 1991) قبل الاتحاد السوفيتى بالموقف الأمريكى من الأزمة ضد العراق الحليف التقليدى له، وبتشكيل التحالف الدولى لتحرير الكويت، ومثل ذلك تغير جذرى فى السياسة السوفيتية التى لم يكن من الممكن أن تقبل من قبل وجود قوات أمريكية وغربية على تخومها الجنوبية فى الشرق الأوسط.

وعلى صعيد السياسة الداخلية قام جورباتشوف باتخاذ مجموعة من الإجراءات التى أنهت الخلاف بين البلدين بسبب اتهام الولايات المتحدة للاتحاد السوفييتى بانتهاك حقوق الإنسان، ومن هذه الإجراءات السماح بحرية التعبير والديانة داخل المجتمع السوفيتى، كما سمح بهجرة اليهود إلى إسرائيل على نحو واسع وهى العقبة التى طالما أعاقت تطوير العلاقات ين البلدين حيث أزداد عدد المهاجرين من 914 عام 1986 إلى70.000 مهاجر عام 1989.

أبعاد الوفاق السوفيتى الأمريكى:

أدت الخطوات التى اتخذها جورباتشوف إلى تهيئة المناخ الملائم للتقارب بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة وانتهاء الحرب الباردة بينهما، خاصة مع التقدم فى محادثات الحد من التسلح. ففى يوليو 1985 أعلن جورباتشوف وقف التجارب النووية من جانب واحد لمدة خمسة شهور واستعداده لاستئناف المفاوضات المتعلقة بمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية. ورغم استمرار الولايات المتحدة فى إجراء تجاربها النووية قرر جورباتشوف تجديد وقف التجارب النووية من جانب واحد حتى الأول من يناير 1987 وذلك للمرة الرابعة على التوالى. وقد أدى هذا إلى تدعيم الثقة ين البلدين ودفع محادثات الحد من التسلح ونزع السلاح وتوقيع عدة اتفاقات فى هذا المجال.

وكانت أولى هذه الاتفاقات هى معاهدة INF الخاصة بإزالة الصواريخ متوسطة المدى (300 – 3400 ميل) من أوربا وآسيا. وكان برجينيف وأندربوف قد رفضا مبادرة الرئيس ريجان لإزالة الصواريخ النووية متوسطة المدى فيما عرف “بالخيار صفر” Zero Option سعياً إلى الحفاظ على التفوق السوفيتى فى هذا المجال بدعوى الحفاظ على الأمن المتساوى “Equal Security” ويعنى أن يمتلك الاتحاد السوفيتى صواريخ متوسطة المدى تساوى تلك التى تمتلكها الولايات المتحدة وحلفائها فى أوربا مجتمعين مما أدى إلى توقف المفاوضات، ومن ثم كانت موافقة جورباتشوف على المبادرة خطوة هامة لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة وأوربا الغربية حيث تعنى إزالة التهديد العسكرى السوفيتى لأوربا، خاصة وأنه أقترح إزالة ليس فقط الصواريخ متوسطة المدى بل وكل الصواريخ قصيرة المدى فيما عرف “بخيار الصفر المضاعف” Double Zero Option وذلك فى أبريل 1987 خلال زيارة جورج شولتز وزير الخارجية الأمريكى لموسكو.

وفى خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى ديسمبر 1988 أعلن جورباتشوف تخفيض القوات السوفييتية بنسبة 20% (نصف مليون جندى) وذلك على مدى عامين وحتى ديسمبر 1990. كما أعلن تخفيض النفقات العسكرية بمقدار  14.2% وتخفيض إنتاج الأسلحة بمقدار 19.5% خلال نفس الفترة، وكذلك زيادة نسبة تحويل الصناعات العسكرية إلى مدنية من 40% إلى 60% حتى عام 1995. وفى يونيو 1990 وقع البلدان اتفاقية يلتزم فيها الطرفان بوقف إنتاج الأسلحة الكيماوية والبدء فى تخفيض ترسانتيهما من هذه الأسلحة حتى تصل إلى مستوى متساوى وهو (5000 طن) عام 2002، وأن يتم تدمير الكميات الزائدة عن ذلك خلال فترة عامين من توقيع معاهدة دولية تحظر الأسلحة الكيماوية.

وقد بلغت محادثات الحد من التسلح ذروتها بتوقيع البلدان، إلى جانب باقى دول حلف الأطلنطي وحلف وارسو، لمعاهدة خفض الأسلحة التقليدية فى أوروبا CFE فى باريس فى 19 نوفمبر 1990، التى أعتبرت تأريخاً لانتهاء الحرب الباردة، وتعتبر أهم معاهدة للحد من التسلح تم التوقيع عليها فى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث تضمنت تغييرات جذرية فى ميزان القوى فى أوربا وذلك بإقامة أسقف متساوية للأسلحة والمعدات التقليدية المختلفة (الدبابات، حاملات القوات، المدفعيات، الطائرات المقاتلة، …) وإنهاء التفوق السوفييتى فى هذا الإطار. فقد كان على الاتحاد السوفييتى وحلف وارسو بمقتضى هذه المعاهدة تدمير 19 ألف دبابة مقابل 4 آلاف فقط للناتو، كذلك كان على الاتحاد السوفييتى وحلف وارسو تدمير الآلاف من حاملات القوات والمدفعيات والطائرات المقاتلة فى حين لا تقضى المعاهدة أى تدمير من جانب الناتو لأى من هذه المعدات.

توقيع معاهدة خفض الأسلحة التقليدية فى أوروبا نوفمبر 1990

من ناحية أخرى، ونظراً للعجز فى الميزانية الأمريكية وعدم توافر التمويل اللازم رفض البنتاجون اعتبار برنامج SDI ضرورى للأمن القومى، وأعلنت الولايات المتحدة فى يناير 1991 تحوله إلى برنامج GPALS (Global Protection Against Limited Strikes) أى الحماية الكونية ضد الضربات المحدودة. ويهدف إلى مواجهة التهديدات الناجمة عن إطلاق صواريخ بطريق الخطأ أو من النظم المعادية للولايات المتحدة وليس الهجمات الاستراتيجية السوفييتية. أعقب ذلك فى 31 يوليو 1991 توقيع البلدين لمعاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية START، ثم فى 5 أكتوبر 1991 أعلن جورباتشوف وقف التجارب النووية لمدة عام من جانب واحد وتدمير كل الصواريخ التكتيكية المحملة برؤوس نووية ذات القواعد الأرضية.

على صعيد أخر، طرح جورباتشوف فكرة “البيت الأوروبى المشترك” “Common European Home”، وهو التعبير الذى أشار إليه لأول مرة قبل توليه السلطة وذلك فى خطابه أمام مجلس العموم البريطانى أثناء زيارته لبريطانيا فى ديسمبر 1984. وقصد به درجة من التوحد والاندماج والتعاون بين شرق وغرب أوربا وتجاوز اختلاف أنظمتها الاجتماعية والأحلاف المنتمية إليها. ولا يعنى هذا استبعاد الولايات المتحدة حيث أعتبرها جورباتشوف جزءاً طبيعياً من الهيكل السياسى الأوروبى. كما أعلن جورباتشوف تأييده لإعادة الوحدة الألمانية فى يناير 1990 وذلك فى أعقاب سقوط حائط برلين فى 9 نوفمبر 1989

تزامن ذلك مع تغير جذرى فى السياسة السوفيتية تجاه أوروبا الشرقية حيث أعلن جورباتشوف فى مارس 1989 عزمه عدم التدخل لوقف الإصلاحات السياسية الجارية فى أوربا الشرقية وهو ما يعنى التخلى عن عقيدة برجينيف التى تؤكد على حق موسكو فى التدخل لحماية الأنظمة الشيوعية فى أوربا الشرقية. بل أنه – ولأول مرة – فى تاريخ العلاقات السوفييتية مع دول شرق أوربا قبلت موسكو وصول حكومة غير شيوعية إلى السلطة عبر انتخابات تنافسية فى بولندا فى أغسطس 1989، ثم فى المجر وتشيكوسلوفاكيا، وكذلك قيام الأحزاب الشيوعية بتعديل برامجها لتصبح أحزاب “اشتراكية”.

إلا أن إعادة هيكلة العلاقات السوفيتية الأمريكية ذهبت إلى ما لم يكن يتوقعه جورباتشوف حيث أدت إلى تغير هيكل النظام الدولى ككل نحو نظام القطب الواحد الذى تأكد بتفكك الاتحاد السوفييتى. وكان إعلان قيام كومنولث الدول المستقلة فى 8 ديسمبر 1991 هو النهاية الفعلية للاتحاد السوفييتى والتى صارت رسمية فى الحادى والثلاثين من الشهر ذاته بإستقالة جورباتشوف من منصبه كرئيس للاتحاد السوفيتى، لتبدأ مرحلة جديدة فى التفاعلات الروسية الأمريكية.

اترك تعليقا