الرئيسية » حضاريات » روح البطولة الروسية (الحلقة الأولى)

روح البطولة الروسية (الحلقة الأولى)

بقلم رئيس التحرير د. سهيل فرح

الحلقة الأولى

تحدي الخصم والطبيعة

يعيش الروسي في ظلّ مناخ طبيعي شديد التنوّع والقساوة. فبين شماله وجنوبه هناك مساحات شديدة الاتساع في الجغرافيا، ومتفاوتة الدرجة المئوية من حيث الحرارة. فقد يتصالح الجسم الإنساني مع مناخ جنوبه لاعتداله النسبي، إلاّ أن التعايش مع مناخ كل بقاع شماله بما في ذلك سيبيريا قد لا يتحمّله أي امرؤ. فهناك يعيش الروسي في تحدي يومي يكاد يصل إلى الأربعة والعشرين ساعة في اليوم في فترة قد تمتد إلى الثمانية أشهر في السنة. وأمام هذه التحديات تجترح المآثر البشرية في عملية تحدي مناخات الطبيعة الشديدة البرودة… وهنا لا أتوقف عند تلك المآثر التي يقوم بها مجمل العاملين في الريف والمدن وقطاعات الإنتاج عموماً، فهي مآثر يومية لا تحصى ولا تعدّ. ويعجز إي إنسان آخر لا يعيش في ذلك المدى أن يقوم ولو بالقليل اليسير منها. إلاّ أن ما يدهش المرء المراقب لسكان تلك البقاع هي تلك الطقوس الدينية والألعاب المتنوعة التي أضحت جزءاً من طباعهم وسلوكياتهم الحياتية، والتي تمارس في ظل درجات حرارة قد تصل أحياناً إلى ما دون الأربعين درجة تحت الصفر… فالأجنبي الذي يرى تلك الصورة وحتى من بعيد، يشعر بنوع من الرعب الفيزيولوجي والنفسي في داخله، عندما نجد الروسي هناك يفرح ويمرح ويتجدد روحياً في ممارساته للطقوس الدينية المسيحية والإسلامية الشامانية والبوذية وغيرها.

 والفلاح والعامل والسائق والمهندس وعلماء الجيولوجيا واليابسة والبحار والفضاء وغيرهم الذين يعيشون خارج الروسيا ، ويعملون في قطاعات الإنتاج المتنوعة في ميادين الإنتاج الزراعي والصناعي و البحث العلمي يقشعر بدنهم حين يرون الناس هناك (أي في الأصقاع الروسية الباردة) كيف يبنون البيوت ويشقون الطرقات و يقتحمون عباب المحيطات المتجمدة وبواطن الأرض في ظل ظروف هي أبعد ما تكون عن الحد الأدنى من الراحة . واحدة من الأمثلة على سبيل المثال لا الحصر هي ظاهرة استخراج الفحم الحجري طوال اليوم وفي مناخ تصل درجته المئوية الى الخمسين دون الصفر. فهذا ما يحدث في جمهورية يقوتيا وعند جيرانها من الجمهوريات والمناطق الروسية المتعددة.

ولكون ثنائية تحدي الطبيعة والخصم دائمة الحضور في زمان ومكان الروس في الجغرافية السياسية للأوراسيا، فإننا نلمس عدد من الظاهرات البطولية التي تلتصق بحدود البطولة الإنسانية وجغرافية الحدود الروسية. فمن يقرأ بتأنّ الأدبيات الروسية والأجنبية عن تاريخ الغزوات التي أرادت كسر شوكة العنفوان الروسي، أو السيطرة على أراضيها، يلمس بأنّ كل محاولة غزو من الخارج تركية كانت أم بولونية، أم فرنسية، أم ألمانية أم غيرها، عادةً ما تنتهي بمزيد من توسع الأراضي المنضمّة للجغرافيا الروسية. وعادةً ما تنتهي، ورغم الخسائر البشرية والمادية الروسية الكبرى، بالانتصارات الباهرة.

وسع هذا الموضوع في التاريخ والأحداث والأدبيات المختلفة، لا يسمح لنا بالتوقف عند كل حالة على حدى. لذا فإنّنا سنختار كنماذج بعض الحالات المرتبطة بإنجازات وبحروب معينة، أو بمباريات رياضية متنوعة ونستقي منها بعض الأمثلة لنبيّن كم هي مميزة، لا بل جبارة تلك التحديات التي ترتبط بعنفوان روح البطولة الروسية، والتي تكاد تطبع المزاج القومي الروسي ككلّ بطابعها. وسنتوقف، كما نرى، عند بعض نقاط قوّتها وضعفها، عند موجات التفاؤل المنتشي بإيجابياتها وانتصاراتها، وعند موجات التشاؤم الجاسمة على شخصيتها في لحظات انتكاساتها وتقوقعها على ذاتها. (يتبع)

اترك تعليقا