الرئيسية » جماليات » بوصلة ابداع الرواية المغربية: بنسالم حميش نموذجا

بوصلة ابداع الرواية المغربية: بنسالم حميش نموذجا

عن المركز العربي للكتاب بالدار البيضاء صدر، حديثا، للكاتب المغربي بنسالم حميش عمله الروائي الخامس عشر، عنوانه “جرحى الحياة”.

إنها رواية وجودية: يسرد أحداثها كاتب ميسور متفرغ، هو يقظان عبد الحي. انتحر أخوه وفقد زوجته في حادثة سير، فألـمَّ به عجزٌ عن الكتابة، حوّله إلى إنسان مقلاق مستثقلٍ لوجوده. كل محاولاته للتغلب على حاله فشلت، فما كان منه إلا أن أخذ في رصد ذلك وما يتمخض عنه من تداعيات، وكلها قادته في آخر المطاف إلى التمرد على وضعه، فشغف اهتماما بجرحى مثله، مع وجود الفوارق في العلل، حتى إنه أمسى بالغ الانجذاب إلى أوغلها، فكانت له مثلا لقاءات مع رجل مصاب بالألزايمر، يكلمه فيرتد الكلام إليه منولوچا صرفا.

وهذا الرجل قتلته زوجته خنقا وائتمنت يقظان على سر فعلها؛ كما كانت له عشرة مع امرأة مرضها ذهان حادّ، استوجب إدخالها إلى مشفى الأمراض العقلية، وهنا حيث أخذ يزورها تعرف على نزيل شاب (سعيد) يشكو من اكتئاب ممضّ. وحين أيقن من كلام محاوره أنه سويُّ الفكر والسلوك اقترح عليه رعايته وعرضه على طبيب خاص.

قبل الشاب المقترح ممتنا؛ وما إن صح حكم الراعي فيه حتى ساعده في إكمال تعليمه وإعداده لشغل منصب يناسبه. وخلال هذه العلاقة، تعرف يقظان على أم سعيد الأرملة، كوثر، فتوثقت الصلة بينهما وأفضت إلى زواجهما…

أحداث كثيرة متناسلة سبقت وأخرى تلت هذا القران، وتضافرت على تهوين حالة القلق عند بطلنا؛ منها ارتياده وسط الحانات والندمان، أدخله إليه -هو الممسك عن الخمر- صديقه عزيز، الذي كان يؤثر فيه إيجابيا من حيث اتباعه نهجا حياتيا أبيقوريا يخوِّل له اتزانا ونمطَ عيشٍ ملؤه المسرات والملذات…

ليقظان خليلة في الصحراء، جمانة، يزورها أحيانا، يستشيرها ويستنصحها. من كلامها له: “الحب منجاتك وحبل خلاصك، فباشره كما لو أنك أول المحبين، وكن محبا ومحبوبا تنفرجْ غمتك وتنحل عقدة عجزك”. وبفضل ما تشمله به حرمه من أنس ومودة أخذ يقظان يشعر بهدأة أعضائه وتوافقها وباستعادة قدرته على الكتابة. وذات يوم علم بموت جمانة، فهب لحضور مراسيم جنازتها، وعلى مقربة من مدينة العيون بدت له شاحنة ضخمة تزيغ عن ممرها وتنقض على سيارته فترديه قتيلا…*

مقتطف من الرواية:

“ماضيا، كنتُ أؤاخي الريح الطيبة وأحنُّ إليها متى توارت؛ كنت أطبع حركاتي ومحيّايَ بمياسمِ الخصبِ والمحبة، وأبتهج بكل الأشياء الخيِّرة التي تصيبني ويغشى عبيرها قلبي وجوارحي. نوابضي الحيوية بدت لي إذ ذاك في أوج وهجها والأقدارُ طيعةً لاحت لي وعني راضية. وهكذا بتُّ أحتفل بالحياة وأسعى إلى التسربل بعبقها وزخمها والإرتقاءِ في مدارج أنوارها المطهِّرة.

ثم من حيث لا أدري إلا بعضه، أجهز عليَّ تحولٌ سالب وتصدعٌ باطني، أردياني من جرحى الحياة. فعاد الأنا المقلاق إلى النتوء، ومعه لحظات الضجرِ المميتة والأفكارِ السود. فخالج دمي، جراء ذلك، بردٌ قارسٌ، وتردت معنوياتي وتلاشت.

فما العمل لتفريج الكرب عني وتجويدِ الوجود. لا أيَّ وجودٍ أريد، بل الذي يمخرُ عبابَه المعنى المضيء، ويسري الدفءُ فيه والحماسة، وتعلوه أكاليلُ الإبداع والرغباتِ الجياشة؟

وأتى الجواب جوانيا كالتالي، تحمله ريحٌ تائهةٌ حيرى، تهبُّ قويةً تارة وخفيفةً طورا:

إذن، تثنَّ يا هذا وتجرد لكتابةٍ تكون نصَّ النصوص، وما دونها تمارين ليس إلا؛ كتابة لم تأتِ من قبلُ بمثلها حُسناً ورقيا. تُجريها وأنتَ في حالةِ سكرٍ وانفعالٍ هائلة، حالةٍ بديعةٍ مبدعة. تجرد واضعا عِبرتكَ الأعلى في القصدِ والنية، وكن في ذلك مثابرا وصابرا إذا ما تعسّر الأمر واستعصى.

أما إن طال أمدُ الأمرِ وقل مدده، فحرك يدكَ في ورقك وداومْ حتى لا ترقدَ وتشلّ. تواصلْ بعض الشيء، صاحبْ من تحسِّنك أحوالهم، وفوق هذا وذاك تمتع بنفسك حيا، وبالطبيعة الحافلة بالمخلوقات والعجائب… صدق النفري إذ قال: «كلما اتسعتِ الرؤيا ضاقتِ العبارة». لكن ما قولكَ في أقوام ٍكلما اتسعت عبارتهم ضاقت رؤياهم، وفي آخرين لا رؤيا ولا عبارة؟ ولا أحسبك ترضى أن تكون من هؤلاء ولا من أولئك.

أصبحتَ!

وهل لك، بعد نومٍ هادئ أو مرتج، إلا أن تصبحَ إما مكرسا عوائدك المكرورةَ المملة، وإما غريبا بنحوٍ مَّا عن ذاتك. ولا ريبَ في أن هذا الإصباح الثاني هو ما يغريك ويطيبُ لك، إذ يهوِّن عليك أو يغيِّب عنك ذهابَ بعضك بذهاب يومك، وتآكلَ نفسك في مشيك إلى حتفك. وهكذا (كما كنتَ مع زوجتك المتوفاة) تتصفح حالك ميالا إلى مرحٍ لا يخلو من فرحٍ يثير فيك حمية أو حبّا، بعيدا عن أصقاع التعادي والتنابذ والمشاحنات، متاخما لمراتع استغنام الصفو والمسرات. ألم تتعب يا هذا من تعبك؟!”..

هيسبريس: ٢٤-١-٢٠١٩

اترك تعليقا