ولكوني أوجه الكلام لقارئ المواقع الإلكترونية التي لا تسمح بالإفاضة في التحليل والاستنتاج، فأنني أختصر جولتي التحليلية التأملية بشخصية بوتين الإنسان و الحاكم بهذه النقاط الاثنتي عشرة.

الأولى: بوتين هو ابن المكان والزمان الروسي، ابن البيئة الجغرافية الأكبر على هذه الكرة الأرضية والشديدة التنوع في مناخاتها و أتنياتها و شعوبها و لغاتها و أديانها و ثقافاتها وخياراتها المتعددة في كل مجالات الحياة. والأهم من ذلك هو ابن الجغرافيا السياسية الروسية الأوراسية المليئة بتحدياتها اليومية الدائمة حيال قساوة مناخها وتنوع وتعقيدات علاقاتها المتناغمة أحيانا و المتوترة أحيانا أخرى مع وسطها السلافي والتركي والأوروبي و العالمي.

الثانية: بوتين هو ابن عائلة متواضعة الحال، تربت على أن تستنفر كل طاقاتها من أجل العيش بكرامتها الشخصية والوطنية وبحبها  الذي لا نظير له لوطنها الحاضن لكل الأديان و الثقافات الداخلية و المتماهية بعشقها لرب الأكوان عبر الخبرة التاريخية الروحية  المسيحية الأرثوذكسية.

الثالثة: بوتين هو أبن الطبيعة الجغرافية والبيولوجية والروحية الروسية، القاسية المناخات والقوية  الجينات، هو أبن التجربة الألماسية الروحية الشرق- غربية. هو أبن الذاكرة التاريخية الروسية التي يرجع تاريخها الى التجربة السلافية القديمة و الحديثة والتي تفاعلت إيجابا وسلبا مع تجارب إتنية وحضارية قديمة. هذه التجربة التي كونت في مخياله الاجتماعي و الثقافي كل الإرث التاريخي الروسي بنقاط انتصاراته وهزائمه مع نفسه ومع الأخر اللإسكندفاني و التتري- المنغولي و البولوني و التركي و الفرنسي والألماني و الياباني و الصيني و الأميركي وغيرها .

الرابعة: بوتين هو من سلالة حكام روسيا ما قبل الموسكوفية وبعدها، هو وريث تقاليد الحكم البيزنطية عبر تصاهر عائلى باليالوغ مع أسرة إيفان المخيف، ومعه تقاليد الحكم المركزية الأسيوية ومن بعده تقاليد حكم أسرة رومانوف المنفتحة على تقبل موجات العصرنة والعلمنة وكل موروثها القيصري الإمبراطوري بكل نقاط تألقه وخفوته.

الخامسة: بوتين هو أبن التجربة السوفياتية التي أدخلته بداية على جهاز عرف في القرن العشرين من أكثر الأجهزة الأمنية تنظيما و دهاءا و حنكة و قوة.  تعلم واشتغل في هذا الجهاز واختبر الكثير – الكثير من نقاط القوة والضعف  فيه وفي كل المجالات.  

السادسة: بوتين هو أبن الجيل الذي شهد انهيار الإمبراطورية السوفياتية وما خلفته من انكسارات و تشققات ليس في الجسم السياسي و الثقافي و الاقتصادي و الأمني و الديموغرافي الروسي ، بل و على المستوى الأوراسي والعالمي بأسره.

السابعة: بوتين هو أبن الحقبة اليلتسينية في التاريخ الروسي التي تعتبر واحدة من أكثر الحقبات الروسية ضعفا وتضعضعا وضياعا  و نهبا لثرواتها وامتهانا لكرامة إنسانها و لسمعتها على المستوى العالمي.

الثامنة: بوتين  هو رمز صلابة روح البطولة الروسية امام كل التحديات المذكورة أعلاه، مثل طائر الفينيق الساعي وبقوة أسطورية وفترة  زمنية قصيرة أن ينفض عن المشهد الروسي العام الكثير من غبارات ضعفه .

و هنا  نعرج قليلا عن توجه البعض من منتقديه الداخليين و حتى الخارجيين الذين يعيبون عليه عدم  حسمه واستخدامه صلاحياته كحاكم في دولة نظام الحكم فيه مركزي جدا، أو لعل سكوته أو تهاونه ، مع أدران وأمراض نهج القيادة السياسية والاقتصادية لوزرائه وحكام  الجمهوريات والأقاليم و المقاطعات والمدن والأرياف الروسية. والحقيقة  ليست بكل حيثياتها وتنوعاتها  تتمثل بجوانب القوة والضعف  بشخصية بوتين نفسه بل بالمنظومة ككل. بوتين  هو القائد الذي تبدو عليه في العلن صورة الملاك في كلامه وحتى  حراكه اليومي مع كل من يلتقيهم ، إلا أنه يحمل في داخل كل جيناته صورة النسر في اللحظات الشديدة الارتباك. تبرز عناصر قوته الهائلة في لحظات الحزم ساعة تدعو الضرورة لاتخاذ القرارات المصيرية الشديدة الصعوبة.  وهذا  عادة ما يظهر في مناخ الضغوطات العسكرية الخارجية ، أو في خلل فاقع لتسيير شؤون المواطنين من قبل الفاعلين السياسيين والاقتصاديين  في الداخل . هو حامل لواء التمرد على ثغراتها ورمز  قوة الهدم لها. وهو الذي يكسب جمهورا يزداد كل مرة أتساعا من شعبه كلما يزداد الضغط الخارجي عليه و هذا ما أكدته بالأرقام نتائج انتخابات الرئاسة الروسية في 18 مارس 2018 ،  حيث حصد حوالي 76,67 بالمائة من أصوات الناخبين.

التاسعة: كيف لبلد يشغل سدس الكرة الأرضية وهو الأكبر على هذا الكوكب،  فيه واحدة من أصعب مناخات الأرض، وتختزن في أرضه واحدة من أغنى ثروات الأرض، و من داخله ومن حوله تتصارع و تتعايش و تتفاعل و تتناضح معظم لغات و أديان و شعوب وأفكار و إيديولوجيات  وعساكر و تحديات  داخلية و خارجية من معظم حكام الأرض، كيف لزعيم  هذا البلد أن يحكم برجاحة العقل و قوة الإرادة و حسن التخطيط  وأن يكون القبطان السليم لتسيير سفينة بلده نحو بر الأمن و الأمان و الأمل بالمستقبل الراغد؟؟؟ . هذه واحدة من أشق المهام البشرية و لو لم يكن الربان هو أبن جبروت المكان و الزمان الروسي: فلاديمير بوتين ، لما عرفنا على  أية أمواج عاتية كانت السفينة الروسية تتصارع من أجل الحفاظ على بقائها.

العاشرة: بوتين هو أبن القدرة الهائلة لتحمل المشقات وهو  ابن الصبر المغموس ليس في جينوم الدب الروسي ، بل في جينوم كل إنسان روسي . فالروسي يتحمل الكثير من تحديات الخصم والعدو الخارجي. فسر أسرار القوة الكامنة في الشخصية الروسية، بأنها عندما تنتفض على ثباتها وتشتغل بمخزون أفضل ما لديها من طاقة قوية بناءة إيجابية في منطقة الإبداع فيها من اجل تجديد دائرة الخلق في فنونها وأدابها وروحانياتها و تطوير تقنياتها  وقدراتها الإنتاجية ، فإن هذه الشخصية الروسية تبدع الأجمل و الأقوى و الأقل كلفة  في العديد من الصناعات الحساسة وتظهر في الحصيلة  الأكثر فاعلية،  و هذا ما نلمسه بمأثرها العلمية و الرياضية و العسكرية. و خير مثال على ذلك النقلة النوعية الجبارة في تقوية قدرات الدفاع و الهجوم العسكرية الروسية التي تفوقت عن كل مثيلاتها في الدول الكبرى . و هذه الانتفاضة والنهضة مرتبطة بالرقم الأول في سلم الحكم الروسي بفلاديمير بوتين.

الحادي عشرة: قوة روسيا ليس فقط بعلومها وفنونها  ورياضيها وجيشها ،  بل في الطاقة الثقافية الروحية التي تحملها شخصيتها الأكسيولوجية الغنية. روسيا ليست أم الأرثوذكس وحتى السلاف في العالم، بل هي الأمة الشديدة التعاطف مع كل المعذبين والضعفاء  في هذا العالم المليء بالذئاب المتوحشة. هذا العالم الذي تحكمه أساطين المال الذين لا قلب لهم،  فقلوبهم هي انتفاخ وسع  “شيطان المال” في  جيوبهم ،  في عالم تحكمه مجموعة صغيرة من كبار العائلات التي تتحكم بالمال والإعلام والقوة والسلطة  والتي  تشرف على قيادة المنظمات الأكثر سرية في العالم و التي لا يهمها حتى لو تم أبادة أمم و شعوب بأكملها من على سطح البسيطة ، فما يسكن عقولها المتسلظة وقلوبها المتحجرة هو عبادة العجل الذهبي والإستقتال الجهنمي  من اجل التمسك الشديد الرعونة بمصالحها النرجسية الضيقة . في عالم تحكمه العقيدة الداروينية  الاجتماعية والفردانية  والبراغماتية. وكيف لكل هذا العالم أن يسكت عن الروسيا  رئيسا وشعبا  يريدون قلب الطاولة على هؤلاء حملة أكثر العقائد فتكا بالمساكين من شعوب وضعفاء هذا الكوكب المعذب. كيف لهؤلاء الفاسدين تجار الهيكل أن يسكتوا على من يحاول طردهم من معبد ما يحلم البشر كل البشر من إقامته وهو معبد العدل والحكمة و النور؟. و كيف يسكتون عن ربان هذه السفينة الإنسانية المتطلع لحماية الضعفاء من شعوب الشرق الأوسط وغيرها من ذاك الطامح الكبير لأجل استتباب مملكة الحق و العدل في العالم و أقصد به فلاديمير بوتين.

الثانية عشرة: كيف لمنظومة أكسيولوجية مرتكزة على الموروث والممارس الليبرالي و النيوليبرالي الذي شرعن الزواج المثلي ودمر معنى معاني الجماعة البشرية و هي العائلة؟.  عالم معولم – معصرن، أنتج كل إفرازات “لاثقافة” مجتمع ما بعد الحداثة . وهذا  الذي ترافق و يترافق زمنيا مع  انهيار منظومة القيم الاشتراكية المتصلبة و منظومة القيم الطائفية المتزمتة؟ . كيف لكل هذا العالم المتأزم أكسيولوجيا حتى نخاعه الشوكي أن يسكت على الحالم بالحفاظ على كل الإيجابي في منظومة القيم الكلاسيكية من كل مصادرها، والساعي  لتعميمها على مستوى العائلة والمدرسة  والجامعة وعلى مستوى كل الساعين للحفاظ على قيم العائلة و الأخلاق المتسامية من المنتمين الى كل الديان السماوية وكل التواقين لتجديد قيم الحقيقة والخير و الجمال. فبكل هذه المنظومة الأكسيولوجية الكلاسيكية الجديدة يحارب ضدها ، إنه فلاديمير بوتين و فريقه معه، ومعهم تقف في نفس الخندق المؤسسة الروحية الروسية كلها.

الحديث قد يطول  في تقييم الشخص و الرمز الروسي – البوتيني  ليشمل السياسة والاقتصاد و الثقافة و المجتمع و العلاقة بين الشرق و الغرب ، ليتطرق إلى  أبرز محطات الصراع و اللقاء، الحوار و الشراكة، إلا أن المجال قصير و قصير جدا  و الحديث طويل وطويل جدا عن واحد من أفضل ما انتجه ملح الأرض الروسية وما أهداه شهد عسل غاباتها ونباتاتها، و نقاء دموع أمهاتها في لحظات الفرح و الحزن، وما يتمثل من  أسطع  نقاط قوة التحدي في الشخصية الروسية ، و أفضل مثال للعمل ليل – نهار من أجل نهضة أمته و من أجل استتباب سلطة القانون في العلاقات الدولية و الشراكة و التعاون الحقيقية  في كل المجلات بين حضارات و بلدان الغرب و الشرق معا.