الرئيسية » سياسة واقتصاد » بمناسبة العيد الوطني الـ48 لسلطنة عُمان

بمناسبة العيد الوطني الـ48 لسلطنة عُمان

العلاقات العمانية ـ الروسية نحوَ مزيدٍ من العُمق والإيجابية

د. فالح الحمـراني

احتفلت سلطنة عمان في 18 نوفمبر / تشرين الثاني بالعيد الوطني الثامن والأربعين. لقد حققت السلطنة خلال العقود السابقة، ومنذ النهضة التي دشنها جلالة السلطان قابوس بن سعيد في سبعينات القرن الماضي، إنجازات كبرى في مختلف المجالات، بما في ذلك في التحضير والتحديث وبناء الدولة العصرية، وتوفير الحياة الكريمة لمواطنيها، وترشيد عوائد النفط وتفعيل المصادر الأخرى  للاقتصاد بما في ذلك السياحة والتصنيع وتطوير القطاع الزراعي.

وعلى صعيد السياسة الخارجية تبنت السلطنة مبدأ الحياد الإيجابي ،  ولعبت أدوارا مشهودة  في الوساطة بين الأطراف المتنازعة في المنطقة،  ومازالت تمارس هذا الدور لإطفاء بؤر التوتر الساخنة في المنطقة. وتضع السلطنة في أولويات سياستها تطوير وتمتين العلاقات بروسيا الاتحادية.

ويعكس  الحوار السياسي  وارتفاع مستويات حجم التبادل التجاري، والزيادة المتبادلة على مختلفة الأصعدة، وبالتالي فتح مؤخرا خطوط الرحلات الجوية والسياحة المتبادلة بين سقط وموسكو رغبة البلدين في رفع مستوى العلاقات إلى  مستويات اعلى.

وكانت زيارة وزير الخارجية الروسية سيرجي لافروف للسلطنة على رأس وفد رفيع المستوى دليل على  الاهتمام الكبير الذي توليه موسكو لتعميق العلاقات مع مسقط، والتعرف عن كثب على رؤيتها للوضع المتردي في منطقة الشرق الأوسط وسبل التسوية العاجلة لإخماد وتصفية البؤر الساخنة والأزمات الحادة التي أطاحت بكيانات دول وأضعفت أخرى وباتت تنطوي على تهديدات جديدة على المستويين الإقليمي والعالمي.

واستقطبت سلطنة عمان في الفترة الأخيرة الاهتمام الدولي والإقليمي بسياستها المتوازنة وظهورها كوسيط دولي حاذق في جمع الأطراف الدولية والجماعات المتخاصمة والمختلفة، وتهيئة الأجواء المناسبة للعثور على الحلول الوسيطة والمناسبة للجميع. وتمكنت الدبلوماسية العمانية من الاضطلاع بهذا الدور اعتمادًا على النهج السياسي الحكيم الذي وضع أسسه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- وبرهن الزمن والتطورات التي شهدتها المنطقة خلال عشرات السنين على نجاحه الباهر ومساعدته على دعم الاستقرار والأمن والسلام في المنطقة. فعمان اليوم الدولة، ربما الوحيدة في المنطقة، التي تتمتع بعلاقات حسن جوار وصداقة على كل المستويات الإقليمية والعالمية.

إنَّ اتفاق حكومتي روسيا الاتحادية والسلطنة على الإلغاء المتبادل من قبل الطرفين لتأشيرات دخول حاملي الجوازات الدبلوماسية والخاصة والخدمية، مؤشر على الثقة المتبادلة بين البلدين والرغبة في تعميق العلاقات لتكون أكثر عمقًا وإيجابيةً لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة، وبما يعود بالخير على الجميع أيضا .

وشهد الأعوام  الأخير حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا بين موسكو ومسقط اشتمل على العديد من اللقاءات والمكالمات التلفونية بين البلدين على أرفع المستويات وبين كبار المسؤولين في وزارتي خارجية البلدين، كما انعقدت خلال الفترة الماضي في موسكو ومسقط  جولات المشاورات السياسية الدورية بين روسيا والسلطنة، وجرى خلالها التعبير عن الارتياح لمستوى العلاقات الودية بين البلدين بما في ذلك الحوار بشان السياسة الخارجية والتعاون في منظمة الأمم المتحدة وغيرها من الساحات الإقليمية والدولية، وتأكيد ضرورة تعميق التعاون لاحقا لاسيما في مجالات النفط والغاز والاستثمارات وصناعات التعدين.

وناقش البلدان، خلال اللقاءات على مختلف المستويات، الوضع المترتب في الشرق الأوسط على خلفية تفاقم الأزمة اليمنية واكتسابها طابعا مأساويا. ويتفق البلدان على دعم الجهود السياسية والدبلوماسية الهادفة إلى تطبيع الوضع في هذه الدولة وتسوية النزاع من خلال إطلاق حوار وطني يمني عام. وأشارت نتائج اللقاءات بين دبلوماسي البلدين إلى تقارب والتقاء مواقف موسكو ومسقط حول عدد غير قليل من القضايا الإقليمية والدولية.

إنَّ روسيا أيضًا معنيةٌ بالطبع بموقف السلطنة من دعوتها الرامية لتشكيل تحالف دولي واسع لمكافحة مخاطر وتهديدات الإرهاب بما يتفق بدقة مع أحكام القانون الدولي. إلى ذلك فان السلطنة وروسيا وبحكم كونهما تشاركان في مجموعة دعم سوريا الدولية، وكذلك في تنظيم المباحثات في جنيف بين الحكومة السورية وممثلي المعارضة، ستواصلان تبادل الآراء بشأن تسوية الأزمة السورية.

إنَّ الجانب الروسي  يبدي دائمًا حرصه على الوقوف عن كثب على مواقف السلطنة من مجمل القضايا والتطورات خاصة في المنطقة، ويبحث عن السبل في تطوير العلاقات معها على الصعيد الاقتصادي وغيره. ووفقًا لمعطيات روسية فإن حجم التبادل بين روسيا والسلطنة ارتفع في السنوات الأخيرة،  مع أن الطرفين يجمعان على انه ما زال دون المستوى المنشود ويقل عن مستوى العلاقات السياسية والثقة التي تربط بين البلدين. على صعيد آخر تشاطر موسكو مسقط موقفها من مسالة أسعار النفط وسياسة منظمة الأوبك التي تساعد على هبوطها وتذبذبها، وتهدف كذلك إلى وضع أسعار عادلة للذهب الأسود في إطار تثبيت توازن بين العرض والطلب يفيد المنتجين والمستهلكين أيضا.

إن موسكو ومن منطلقات جيو سياسية معنية كذلك بقضية أمن الخليج وترسيخ الاستقرار والأمن وإرساء علاقات حسن الجوار والتفاهم بين دوله. وأعدت الخارجية الروسية، على هذا الصعيد نظرية تتضمن خطة متعددة الجوانب لصيانة أمن الخليج بصورة جماعية من قبل دوله وبضمانات دولية. وأعلنت مؤخرا بانها سلمت نسخة جديدة لنظرية أمن الخليج إلى عدد من وزراء خارجية دول الخليج، أخذت بنظر الاعتبار التطورات التي شهدتها المنطقة، لاسيما التطورات في اليمن والوضع في الخليج الذي سيترتب بعد اتفاق السداسية الدولية مع إيران حول البرنامج النووي ورفع العقوبات الدولية عن طهران. وأنها -موسكو- معنية برأي الجانب العماني بها. وتتناغم العديد من نقاط النظرية، الأمنية الروسية مع مواقف عمان بهذا الشأن.

وتنظر الخارجية الروسية إلى زيارة لافروف لمسقط على أنها مكون مهم في إطار جهود روسيا الهادفة لتطوير التعاون متعدد الأوجه الذي ينطوي على المنافع المتبادلة مع كافة الشركاء الإقليميين بما في ذلك في إطار الحوار الاستراتيجي بين موسكو ومجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي من المرتقب أن تعقد جلسته الجديدة في موسكو في ربيع العام الحالي.

اترك تعليقا