الرئيسية » اكتشف روسيا! » بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده: الكسندر سولجينيتسين أديبا ومفكرا (3)

بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده: الكسندر سولجينيتسين أديبا ومفكرا (3)

 

د. فالح الحمـراني

القسم  الثالث

الرواية التاريخية

كشف التطور اللاحق في أدب سولجينيتسين عن أن تناوله لشئون الساعة في روايته، كانت مرحلة عابرة حددتها الظروف، وأن الموضوع الرئيسي الذي كان يعد نفسه له تمثل في كتابة الرواية التاريخية. وبهذا الصدد قال في مقابلة تلفزيونية إن شعورا  استحوذ عليه منذ شبابه المبكر بأن مهمة ملقاة على عاتقه بكتابة تاريخ ثورة أكتوبر 1917 البلشفية التي حسب رأيه تم ” تزييف وتلفيق حقائقها” . وجمع سولجينيتسين في  منفاه أرشيفا ضخما ونادرا من المذكرات والوثائق وشهادات أشخاص شاركوا في الأحداث التي مهدت لانهيار الإمبراطورية الروسية عام 1917 . واتخذ من تاريخ عائلته ومواطن إقامتها مادة لروايته التاريخية” أغسطس/آب: 1914″ و”مارس 1918″ومن ثم روايته الملحمية ” الطاحونة الحمراء”. ولم تكن هذه الأعمال روايات بالمعنى التقليدي، فإلى جانب الحدث ثمة تحقيقات واستطرادات فكرية، وقصاصات من صحف المرحلة، فجاءت قراءة غير رسمية للتاريخ. ويذهب سولجينيتسين في تلك الأعمال إلى أن ثورة أكتوبر لم تكن خيارا روسيا وإنما دبرها الغرباء والدخلاء، واصبح الشعب الروسي ضحية لها، مدللا على ذلك بما يُسميه عمليات الإبادة الجماعية التي تعرض لها الروس. وفي كتابه ” لينين في زيورخ” يشير إلى أن ثورة أكتوبر 2017 كانت مؤامرة حاكتها ألمانيا بالتحالف مع المغترب حينذاك ” فلاديمير لينين”، واستهدفت حرف التاريخ الروسي وقطعه عن تطوره الطبيعي، فروسيا سولجينيتسين محافظة، لا تهضم الفكر الليبرالي المتطرف، الغريب على لحمتها ويتوجب أن تنهض بقواها الذاتية بهدوء من دون هزات عنيفة، وبعث تقاليدها القديمة، إنها روسيا الفلاحية المعافاة روحيا، والصحوة الروحية كما يراها سولجينيتسين أهم دائما من التقدم الصناعي. ويبرز في أعماله بصورة واضحة أو مستترة دور العامل اليهودي في الكوارث والهزات التي لحقت ببلاده، فالشخصيات اليهودية غالبا ما تبدو غير نزيهة مشكوك ولائها لروسيا، وتنضوي في النواة الأولى لأجهزة القمع، وبرايه إنها تتصدر الأنشطة الهادفة لتهشيم الدولة الروسية  وأثارت افكارسولجينيسين هذه حملة واسعه في الغرب ضده من قبل الطوائف اليهودية والقوى المتعاطفة معها، ولصقت به تهمة معاداة السامية ويرمي الأديب/ المفكر أيضا بنظرة انتقاد إلى الحضارة الغربية المعاصرة  لونها كما يرى حضارة مادية بحتة أفضت إلى إضعاف روح القوميات وقتلت القيم الأخلاقية، إنها وفق تعبيره حضارة الخلاعة. وحاول في كتابه ” 200 عام معا” أن ينفي عن نفسه هذه التهمة، ويبين التعايش الروسي/ اليهودي على مدى 200 عام، الذي لم تكن سماءه دائما صافية.

لمتكن عودة سولجينيتسين  لبلاده في منتصف التسعينات عودة طارئة لقضاء فترة راحة واستجمام، لقد عادوفي يده مشاريع عديدة كي تسترد روسيا روحها. ففي كتيبه، كيف ينبغي إقامةروسيا” يرى أن روسيا المستقبل هي اتحاد سلافي من أوكرانيا وبيلوروسياوروسيا وجزء من كازاخستان. إنها روسيا التي تخلت عن نزعاتها الإمبراطوريةوعن الوهم بلعب دور تاريخي مميز في العالم وجره نحو جنة موعودة. وعليها أنتشعر بالندم إزاء الشعوب التي استعبدتها، وتكفر عن ذنوبها وتبحث عنخصوصيتها بعيدا عن استنساخ مظاهر الحضارة الغربية. وقال سولجينيتسين عندعودته إنه قد أنجز المشاريع الكتابية التي خطط لها ولم يبق أمامه الآن سوىالمساهمة في “إخراج روسيا من المستنقع الذي وجدت نفسها فيه”.

إن منهج سولجينيتسينيهدف إلى عكس الواقع  بأقصى  حد الأمانة، ويركز على تحليله وتقويمه. إن صور أشخاص روايته هي تجسيد ملموس لمعارف الكاتب وخبراته عن الواقع المعاش، واطلاق حكما عليها بأدوات فنية، وفيما يلتزم بقواعد الواقعية الكلاسيكية فانه يبث فيها روح الحداثة والتجديد لتنسجم مع عالم القرن العشرين المعقد والمتغير. ويكتسب شكل أعماله النثرية تأثير الأدب الروسي الكلاسيكي في القرن التاسع عشر وما يليه من كتاب المرحلة التالية سواء من الواقعيين أو من أصحاب المدارس الأخرى.

اترك تعليقا