الرئيسية » كلمة أسرة التحرير » أي منظومة قيم لحاضر ومستقبل بني البشر نحن بحاجة إليها اليوم ؟

أي منظومة قيم لحاضر ومستقبل بني البشر نحن بحاجة إليها اليوم ؟

نتأمل مليا ونحن نودع عاما جديدا من عمرنا في منظومة قيم الانسان الحضارية على امتداد كوكبنا، فلا نشعر الا بحالة من القلق الشديد على علاقتها بحاضرها ومستقبلها. وهذا ينطبق على ثلاثي منظومات القيم. المنظومة الليبرالية وكل متفرعات ما بعد الحداثة. المنظومة الاشتراكية الكلاسيكية وبعض مشتقاتها المعاصرة. المنظومة الدينية بكل تجلياتها من جماعة اهل الكتَاب ومن خارجها.

ولهذا القلق الوجودي مسبباته المادية والروحية الكثيرة التي تستدعي سيلان حبر غزير للاقتراب من ادراك مجمل مسبباته ونتائجه علها تشفي ولو قطرة من غليل الضرورات الملحة لملء البياض الذي لا ينتهي من صفحات يوميات الحياة… والمهم لا بل الجوهري في هذا السياق، هو محاولة الإجابة عن السؤال المصيري الذي يطرحه معظم بني الانسان القاطنين على هذا الكوكب المعذب والممثل بكلمتين مكررتين؟ إلى اين؟ ما مصيرنا؟

هذا السؤال الاصعب في حياة كل منا يستدعي بلا شك تضافر، لا بل استنفار كل الطاقات المفكرة لدى الليبراليين واليساريين وممثلي المؤسسات الدينية والعلمانية وكل الذوات المفكرة في العلوم الانسانية والطبيعية ومعهم كل طاقة إنسانية تتميز بالتفكير التحليلي النقدي من العامة والخاصة.. ولعل الجميع من اهل العدل والحكمة يطمح إلى التخلص من الخلايا الهرمة في المنظومات الاكسيولوجية الثلاث التي اتينا على ذكرها في البداية والعمل على تفعيل الدورة الإيجابية البناءة في كل منظومة باتجاه مد جسور عقلانية بين ايجابياتها.

هذا يتطلب إشغال العقل الموسوعي النووسفيري الحكيم في خيارات حضارية امثل، علها ترجح الولوج في عصر الخيارات التفاؤلية لتكون بديلا حقيقيا لموجة خطابات ”النهايات” التي يروج لها المتشائمون من حملة قيم المنظومات الثلاث: نهاية التاريخ، نهاية العالم، نهاية الله، نهاية معنى الحياة، نهاية الانسان.

وفِي هذا السياق لدي بعض الخواطر  أو التأملات اردت من خلالها ان أتبادل الرأي والنصيحة حولها مع ثقافة عين القارئ المعني والمتتبع، واخص بالاشارة تحديدا أولئك الذين تراودهم ايضا نفس موجات القلق…

فِي البداية سأسعى وباختصار شديد جدا لتشخيص الداء المتواجد في المنطقة المعتمة لكل مجموعة متمركزة “انانية” منغلقة على نفسها. يحدوني من بعد ذلك أمل، وإن لم يكن مداه شديد التفاؤل، بان يستنفر اخيرا العقل الإنساني الخير كل طاقاته الإيجابية من اجل إيجاد الحلول التي تخرجه من دوامة القلق الوجودي وتدخله في تحديات جديدة لولادة بدائل حضارية اكثر عدلا ولنهج منظومة قيم اكثر جمالا واخلاقية ومحبة… سأسعى – وينتابني حذّر شديد – لتقديم خواطر  تهدف للخوض في غمار لا بل مغامرة البحث والاستشراف في عالم يوم وغد هذه القيم. وألخصها باثني عشر.

الاول: يتوجب الاعتراف بان ضياع انسان اليوم في معظم اصقاع المعمورة مرده إلى فقدان بوصلة الأمان المادي والروحي على حاضره ومستقبله.

الثاني: وهو متصل عضويا بالأول، الإقرار بان فقدان بوصلة الأمان هذه سببها الاساسي هو شحّ العطاء الايجابي البناء التي لم تعد تؤمنه لبني البشر في الواقع لا المنظومة الليبرالية بموروثها الحداثوي الكلاسيكي والمعاصر ولا ما اصطلح على تسميته بعصر ما بعد الحداثة، وهذا ينطبق ايضا على حملة الخطابات الاشتراكية الكلاسيكية والمعاصرة، وعلى حماة النصوص والمؤسسات الدينية. هذه حقيقة لا يمكن ان تتعامى عنها أي بصيرة إنسانية عادلة.

الثالث: هذه الخلايا الهرمة التي فتكت في أفكار وسلوكيات هذه المنظومات الثلاث لا تبرر  استمرار استمرار الحرب الشاملة الهجومية او حتى الدفاعية التي تخوضها على اكثر من جبهة كل منظومة ضد زميلتها. فكل منظومة مهما ادعت بأنها تعمل من اجل ادخال الطمأنينة المادية والنفسية والعقلية وحتى الروحية لبني الجنس البشري الواحد على هذا الكوكب مدعية بان مفتاح بوصلة الحقيقة هو بيدها، والنتيجة الملموسة المرئية هي المزيد من استعار حدة الصراع العبثي-الجنوني بين المنتمين الى هذه المنظومة او تلك.

الرابع: ان رضوخ البشر للعبة الصراع الجهنمية التي يعتبرها الكثيرون بأنها أزلية لا بديل عنها بين مفاهيم او صور “الملاك والشيطان”، “الراسمالي والبروليتاري “، “الديموقراطي وغير الديموقراطي”، ” العقلية الغربية والعقلية الشرقية”، “المتدين والعلماني”، وغيرها الكثير من “الثنائيات القاتلة”، تلك التي لا ترى إلا الأسود عند الاخر والأبيض عندها، كل هذه الثنائيات لا تؤدي إلا لتحصن صاحبها ضمن أسوار عقيدته ومنظومته الدوغماتية المغلقة الواحدة. وهي بهذا توصد ابواب الحوار العقلاني، وتهمش التواصل الإنساني الخلاق وتضع حواجز عالية منعا لتلاقي وتفاعل وتعاون مناطق التناضح الحضاري الخيرة والاستفادة من نقاط القوة عند كل طرف.

الخامس: ان خطر املاء النمط الاقتصادي والثقافي الواحد لدى (المعولمين الأقوياء)، يقابله خطر الخردقة في سراديب “الغيتوات” الضيقة للهويات القومية والثقافية والمذهبية. فكما ان مظاهر العتمة وضيق الرؤيا صاحبت وتصاحب كل انواع  التوتاليتارية الشمولية للخطابات النيوليبرالية والشيوعية السابقة، كذلك يهيمن على حملة الهويات الضيقة ومعها المروجون للرسالات  الدينية المطعمة بروح تبني “الحقائق المطلقة”، شبح المشاركة عن وعي او غير وعي بتلك اللعبة الجهنمية المقيتة المستقاة من مناطق التعصب و المؤدية في ظل مناخ غياب الثقافة و الممارسة الروحانية المتسامية و الشاملة الى الركون لاسترخاء السكينة النفسية  و الكسل الروحاني على مستوى مناخاتها الداخلي. فهي باطنيا و حتى سلوكيا لا تؤمن بظاهرة التنوع والتعدد والتمايز .  وهي تعيد اختلاق أجواء تربوية و سلوكية داخلية لا تؤدي الا الى المزيد من الانغلاق على الذات ليس فقط الثقافية او الدينية بل ايضا المذهبية و الجهوية. و تؤدي عند البعض وهو ليس بالقليلة ليس فقط لإقفال مرصد لباب التعايش السلمي – الإنساني معه بل الى إشعال الطاقات العصبية الغضبية الدموية لدي اتباعها… والجميع من حملة “الدوغماتيات المغلقة” على اختلاف مصادرهم و مسالكهم يشعلون مراجل الحطب التي تحرق الأخضر واليابس في اجساد ونفوس وارواح البشر.

السادس: ان غياب المقاربة الانتربولوجية العقلانية الهادئة ذات النزعة الانسانية المتكافئة لمقاربة عقلانية هادئة لكل ما تفرزه الطاقة الفيزيولوجية والنفسية والعقلية والروحية بجوانب انتعاشها وهوانها هو الذي يخلق “الأنانيات – النرجسية السيئة” للأفراد و الجماعات ،  و هو الذي يؤسس ل “الرؤى المركزية” الاحادية الجانب لكل طرف سواء حمل طابعا جغرافيا – حضاريا اوروبيا او غربيا،  آسيويا او دينيا ، او حتى عقائديا حزبيا . فمن كل تلك المناخات النتنة المريضة  تفوح كل موجات الاستعلاء الفارغ و التمييز والتي تدعي بتفوق او تدني هذا العرق او الثقافة او الحضارة او حتى الدين والخيار الروحي، و الكل يتعامى عن حقيقة انتربولوجية بشرية  بسيطة عنوانها بأننا نحن بني الانسان الواحد…

السابع: لعل الجنس البشري ما زال في طور تغليب “الحيوانية الغرائزية” في افعاله على تمثل وتطبيق المشاريع الانسانية الخيرة للجميع… في مجمل سلوكياته تتحكم غريزة الصراع من أجل البقاء، ومن هنا نرى بان العقيدة الداروينية الاجتماعية هي السائدة وبها يتمثل بشكل فاقع المبدأ العبثي “البقاء للأقوى”… وهو- هو نفسه الذي يسكن بقوة في عقول صانعي السياسات والمجمعات العسكرية، وراسمي البرامج الجيوسياسية ووزارات الحرب والمال والصناعة، و لا نلمس هذا فقط عند الكبار  على تباين مواقعهم ومواقفهم ، بل وايضا عند الصغار أيضا… من هنا نلمس التفريخ المتواصل لكل انواع المشاحنات والنزاعات والحروب التي تفتك بجسد و نفس الأكثرية الساحقة من سكان هذا الكوكب المعذب .

الثامن: لم تتوفر حتى اللحظة الحكمة الوجودية المرتكزة على الفلسفة الوسطية الذهبية التي تقر بان مساحات السلام والعدوانية، الانفتاح والانغلاق، النور والظلمة متواجدة، بنِسَب متفاوتة طبعا، لدى كل الناس. والتحدي عند الجميع يكمن بكيفية التغلب على كل فوران العدوان، وسجون الانغلاق وعتمات الظلمة. ولم تنجح اي محاولة دينية او دنيوية اي كان خطاب صاحبها ، ما لم يبدأها الانسان بنفسه، ما لم يشرّع كل اسارير عقله وقلبه وروحه لكل مجالات ورحاب السلام والحرية وحكمة كل المعارف و التجارب البناءة الإيجابية للأنا و الآخر الحضارية .

التاسع: كل الذي يجري معنا ومن حولنا لا يوحي الا بالمزيد من الدمار والقهر والظلم وإشعال كل انواع الحروب الاقتصادية والتجارية والإعلامية- النفسية والدينية.  وبالتالي ضخ آلة الدمار بكل انواع القوة الرعناء للتقنيات العسكرية والسباق الجهنمي العبثي على التسلّح دون الاكتراث بأقدس مخلوقات الله على هذا الكوكب الفاقد توازنه ، دون الالتفات الى المنطقة  الاكسيولوجية الاكثر خلودية في الشخصية الانسانية ، دون تشغيل منطقة الحوار العقلاني واستنفار الطاقات البناءة من اجل توسيع وتعميق إرادة الشراكة والتعاون الخلاق بين الحضارات..  وفي هذا المناخ الموتور غربا وشرقا تبدو الجماعة من امثالنا مهمشين- حالمين وكانهم منبوذون يأتون ألينا من كوكب آخر…

العاشر: لا ينهض عالمنا من كبوة أزماته العضوية الإيكولوجية والديموغرافية والمالية والجيوسياسية والقيموية – الاكسيولوجية ما لم يعلِ من شأن ثقافة الحوار والشراكة الفعلية المنتجة والبناءة والمفيدة في كل المجالات وعلى كل المستويات وبشكل متكافئ لجميع بني البشر بلا استثناء. ولا تفلح الحقائق العلمية ما لم تعتمد على المقاربة التكاملية العلمية البناءة والمنهجية التعددية وإدارة التنوع الثقافي بعين إنسانية شاملة.

الأحد عشر: تبقى اوركسترا حضارة الانسان المعاصر تعزف باصوات نشاز تؤذي ثقافة الأذن وتوسع من مساحة التصحر في الروح الإنسانية ، ما لم تشتغل كل مجموعة على نفسها من اجل اعلاء الجانب الاكسيولوجي والعقلاني والإنساني العام في شخصيتها الذهنية والعملية . وأقصد بذلك المجموعات الست الاساسية   للحضارات القائمة على القارات الخمس لكوكبنا وتحديدا الأوروبية والاميركية والروسية – الأوراسية  والهندو- صينية والإسلامية والاوقيانية.

الاثنا عشر : البشرية امام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار والهلاك من خلال الانعاش الدائم للأمراض الفتاكة التي تفرزها الأنانيات المتنوعة المعاني و الممارسات المفرطة في نرجسيتها لدى الأفراد و الجماعات، تلك المتجذرة في ذهن وسلوك الحكام والمحكومين، لدى الأقوياء والضعفاء.  وإما الخيار الذي يعطي أملا حقيقيا باستمرار الحضارة الانسانية العادلة على الارض من خلال يقظة العقل النووسفيري الحكيم الطامح على كل مستويات القول والفعل في كل مجالات الحياة إلى استنهاض واستمرار التربية اليومية للعقل والنفس والسلوك من أجل تمثل وتبني وتجسد القيم الانسانية والسماوية المشتركة واختصرها بثلاث : الحقيقة والخير والجمال.

 الحقيقة التي يتقبلها الجميع تأتي من خلال حكمة العقل العلمي البناء والمنفتح على كل اسرار وانوار السماء. والخير يتمثل من خلال تبني وتمثل كل قيم الأخلاق المتسامية للبشر. والجمال، بالمعنى الدوستويوفسكي له، الذي لا يتمثل إلا من خلال العمل الدائم على مستوى الفرد والجماعة لتكون ثقافة اللسان ودفء عاطفة القلب ومحبته وأرجحية حكمة العقل حاضرة دائما بدءا من ادق تفاصل يومياتنا وحتى اتخاذ اكثر القرارات مصيرية في حياتنا.

كل عام وأنت، أيها القارئ العزيز، منشغلٌ معنا في ورشة بناء حضارة العدل والمحبة والسلام.

بقلم رئيس التحرير : سهيل فرح

اترك تعليقا