الرئيسية » سياسة واقتصاد » انعدام الشفافية في مسألة تداول السلطة في العراق وتداعياته

انعدام الشفافية في مسألة تداول السلطة في العراق وتداعياته

حقا بات تداول السلطة في العراق منذ القضاء على الديكتاتورية عام 2003  يتم بطريقة سلمية، وهذا تطور كبير في بلد اعتاد على انتقال السلطة فيه أما بالمكائد أو بعمل عسكري أو مؤامرة، وتُكرس بعدها بيد حفنة من الضباط ومن يلتف حولهم من المدنيين بمسميات حزبية وطائفية، ولكن القصور في التداول السلمي الحالي للسلطة انه غير شفاف، يجري وراء الكواليس بعيدا عن مشاركة الناخبين أو مشاركتهم فيه، ويحولهم إلى مشاهدين عن بعد على  “مسرحية” انتقال السلطة، وعادة يتم من خلال مساومات وتنازلات بالدرجة هدفها تقسيم النفوذ والسلطة، وليس استحقاقية برامج التطوير والإصلاح التي تخرج البلاد من أزماتها التي باتت مزمنة، ولا وضع السياسات والاستراتيجيات قريبة وبعيدة المدى في هذا الاتجاه، أو توفير الأجواء المناسبة لاستلام شخصيات محترفة وذات مهنية مشهود لها، الحقائب الوزارية وإدارة المؤسسات والهيئات المفصلية.

إن استكمال عملية تداول السلطة وراء الكواليس وانعدام الشفافية ومن خلال صفقات سياسية تصب في صالح هذا التكتل أو الحزب أو الجماعة والطائفة والأشخاص، يخلق الكثير من القراءات والتخمينات عن ما جرى هناك، بعيدا عن عيون الناخب. وضمن هذا ظهرت بالروسية العديد من الدراسات التي تحاول تلمس حقيقة ما وقع خلال الأشهر التي أعقبت انتخابات آيار/ مايو، وتعتمد على مصادر أجنبية وعراقية في رسم الصورة التي تمت بها انتخاب الرئيس وتعينه رئيس الوزراء وقبله رئيس المجلس الوطني، تخلق الكثير من التساؤلات في مشروعية تلك العملية ومدى ما أنها ستصب فعلا في إحداث النقلة النوعية نحو تصحيح العملية السياسية، التي لم تعط الثمار المنشودة التي كابد شعب العراق بكل مكوناته وكافح من أجلها وللتخلص من الديكتاتورية.

وبالتالي فتداول السلطة بهذه الطريقة تمنح الرأي العام المحلي والخارجي المبررات للتشكيك في مشروعيتها ومصداقيتها واحتمالات ديمومتها في السلطة لفترة طويلة، وانها ستضمن الاستقرار في البلاد، فما تم الاتفاق عليه بالخفاء يكون عادة عرضة للانفراط في أية لحظة، فحتما ستتمخض عنه اختلالات التوازن والتحالفات، واتساع شهوة السيطرة على موارد جديدة، وبسط نفوذ على مجالات ومناطق أخرى. إن هذه الطريقة لا تحسم قضية التوزيع العادل للموارد والسلطة، ويبقى كل طرف في حالة تأهب للانقضاض على الآخر، وما يدلل على ذلك هو احتفاظ كل طرف بجناحه المسلح، بمسدسه الجاهز لإطلاق النار على الخصم.

وخلصت دراسة بالروسية كرست لنتائج عملية انتخاب الرئيس الجديد في العراق والمضاربات التي درات حولها بالقول: إن غالبية سكان العراق التي تفهم جيدا إن النظام السياسي القائم، هو بمثابة “امتهان” فرضته عليها إدارة الاحتلال الدولي برئاسة الولايات المتحدة. وأضافت :إن الشيء الوحيد الذي انتظره الجميع من هذه ” المهزلة” هو الانتهاء بسرعة من تشكيل الحكومة من اجل أن تبدا الدولة في نهاية المطاف بتوجيه عملها بشكل طبيعي:  نحو حل المشاكل العالقة ووضع الموازنة واستحصال الضرائب وممارسة الإدارة والدفاع وتعزيز الأمن الداخلي وغيرها.

وضمن هذا السياق ذهبت قراءة بعنوان ” بصدد انتخاب رئيس العراق على خلفية نتائج الانتخابية البرلمانية في إقليم كردستان”: إلى أن انتخاب مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني برهم صالح رئيسا للعراق هو بمثابة حل وسط بين القوى الكردية الرئيسية، نظرا لان برهم صالح بالذات كان المرشح الرئيسي لمنصب رئيس حكومة كردستان العراق وبادله بكرسي رئاسة العراق، حسب القراءة. لافتة إلى دعم كافة القيادات الشيعية له “نظرا لأنه وبخلاف المرشح عن الحزب الديمقراطي الكردستاني فؤاد حسين لم يدعم فكرة إجراء الاستفتاء الذي جرى العام الماضي بصدد استطلاع راي سكان الإقليم في مسالة تقرير المصير” أي ” جاء نتيجة لتصفية حسابات، وفي ضوء ذلك، والكلام للقراءة” فان الحزب الديمقراطي الكردستاني سيحتفظ بكرسي رئاسة مجلس وزراء الإقليم لاسيما في ضوء الاصطفاف السياسي الجديد الذي تمخض عن الانتخابات البرلمانية هناك.

ولم تتفق القراءة مع راي خبراء أمريكيين مهتمين بالشأن العراقي الذي أفاد بان انتخاب الرئيس وبالطريقة التي قد تؤدي إلى تفاقم العلاقات بين الحزبين الرئيسي في الإقليم الاتحاد الديمقراطي والحزب الديمقراطي الكردستاني قد تصل حسب تصورهم إلى المواجهة المسلحة. وقال إن اصطفاف القوى يحمل نكهة توافقية حيث يتيح للاتحاد الديمقراطي الكردستاني تولي حكومة الإقليم فيما ستكون رئاسة العراق للاتحاد الوطني الكردستاني، إضافة إلى إشغال أعضاءه عدد من المناصب في حكومة الإقليم، وسيُعيد هذا، حسب القراءة،  بالتمام تركيبة التصميم السابق لتوزيع السلطة بين القوى الكردية.

وتناولت قراءة أخرى آفاق تشكيل الحكومة الجديدة التي جرى تكليف عادل عبد المهدي برئاستها. وبعد أن عرضت سيرته السياسية قالت: إن الشيء الرئيس هو ان عادل عبد المهدي شخصية معروفة في منظمة الدول المصدرة للنفط اوبك، وبين تجار النفط الغربيين، ومن المهم أيضا وفي ضوء الاحتجاجات الجماهيرية في محافظة البصرة انه  ” صنيعة” البطون والعشائر الشيعية الجنوبية. وحسب راي القراءة إن مشاعر الاستياء في الجنوب خفتت، وهذا ما يؤكد إن أساس الاحتجاجات الشيعية يعود بحد كبير إلى المطالبة بالتوزيع العادل لعوائد النفط، فضلا عن قصور أداء الحكومة السابقة في حل المشاكل المستديمة.

  د. فالح الحمـراني

اترك تعليقا