الرئيسية » اكتشف روسيا! » الوفاق بين الأديان في تترستان: دور إحياء المعالم التاريخية والثقافية

الوفاق بين الأديان في تترستان: دور إحياء المعالم التاريخية والثقافية

    تنشر مجموعة الرؤية الاستراتيجية روسيا ـ العالم الإسلامي” مقالة المدير التنفيذي للصندوق الوطني لإحياء الآثار التاريخية والثقافية في تترستان، نائب رئيس مجلس الدولة لجمهورية تترستان تاتيانا بيتروفنا لاريونوفا، والمعدة خصيصا لموقع المجموعة  

تعد جمهورية تترستان تاريخيا ارض تعايش الكثير من الإثنيات، وتشكل اثنتان منها: الشعبان الروسي والتتري، هذه الدولة القومية. وفي الوقت نفسه تترستان مثال ناجح ورائد نال اعتراف الجميع  للحوار بين الثقافات والتسامح والوفاق والتعاون والتفاهم بين الأديان المختلفة.

إن أحد المكونات الهامة لتعزيز الوفاق بين الأديان في تترستان هو إحياء الآثار التاريخية والثقافية. وليس من قبيل الصدفة أن يعد “مجمع كرملين قازن التاريخي / المعماري) الذي اُدرج في لائحة التراث العالمي لليونسكو، شاهداً بارزاً على التفاعل بين الأديان، والتوليف بين الثقافتين الروسية والتترية. وهذا ليس مجرد اعتراف دولي بقيمته الاستثنائية، ولكنه علامة احترام  لشعب الجمهورية المتعدد القوميات، وقدراته الروحية.

إن الخبرة المتنوعة التي تم اكتسابها خلال إعادة بناء كرملين قازان، وخاصة ترميم وإعادة بناء في آن واحد، القيم الروحية للمسلمين والأرثوذكس: مسجد كول شريف وكاتدرائية البشارة، غدت مثالا وأساسا لمشروح مجمع ” التراث الثقافي ـ الجزيرة ـ المدينة ـ سفيياجيسك وبولغار القديمة”.

ومن أجل تنفيذ هذا المشروع، تم في عام 2010 خصيصا إنشاء الصندوق الوطني لإحياء الآثار التاريخية والثقافية لجمهورية تترستان. وترأس أول رئيس لجمهورية لتترستان، ومبعوث اليونسكو الخاص للحوار بين الثقافات مينتيمير شايمييف، مجلس أمناء الصندوق. إن مكانة مينتيمير شايمييف، والثقة التي لا حدود لها التي يتمتع بها، تمكنت من توحيد التتار حول فكرة إحياء “بولغار” و”سفيياجيسك”، إنها فكرة حفظ وتعزيز التقاليد المجيدة لشعبنا.

إن إعادة تعمير، وفي آن واحد، اثنان من مقدسات شعوبناـ مدينة بولغار القديمة، مكان اعتناق بولغار حوض الفولغا الإسلام بصورة طوعية في القرن العاشر، والجزيرة ـ المدينة “سفيياجيسك”، لؤلؤة الثقافة الأرثذوكسية في حوض الفولغا، تُعد مثال ساطع على التسامح العرقي والديني، وهو مثال فريد من نوعه للاهتمام العام وتظافر جهود السلطة والمجتمع. إن هذا النهج هو ما يعني المساواة والاهتمام على قدم المساواة، بمختلف الأديان والثقافات: أساس سياسة الدولة في تترستان، وضمان السلام ما بين قوميات الجمهورية.

وحصل المشروع المتكامل لإحياء الميراث التاريخي والثقافي الدعم الكبير من رئيس روسيا الاتحادية فلايمير فلاديميروفيتش بوتين ورئيس جمهورية تترستان روستام نورغالييفيتش مينيخانوف.

ويتم تنفيذ تمويل المشروع على أساس متكافئ من الموازنة الفيدرالية وموازنة الجمهورية. وهذه نقطة مبدئية لأن بولغار و”سفيياجيسك” لهما نفس القدر من الأهمية لسكاننا.

وليس من دون أساس يمكن التأكيد على إشراك جميع قطاعات المجتمع في تنفيذ هذا المشروع الطموح. ويتلقى صندوق الجمهورية ” النهضة” المساعدات من ناس يمارسون مختلف المهن، ولديهم قدرات مالية مختلفة، ومن المؤسسات والمنظمات ذات الأشكال المختلفة من المِلكِية، ومستويات متنوعة من النجاح. ويتلقى الصندوق الدعم من الطلبة والدراسيين الشباب والرياضيين والمثقفين المبدعين. ويشارك التتر في المشروع بعوائل باسرها، وقرى بأكملها.

وبهذا الصدد يتذكر المرء احد الموضوعات الرئيسية لمنتيمير شايمييف :” من الروح إلى الروح”،: ينبغي تقديم المساعدة من الروح : وبالمقابل يأتي المزاج الطيب والرضا عن ما تم القيام به.

ويمكن القول من دون مبالغة: إن تترسان باسرها تسدي المساعدة لصندوق  “النهضة” وبلغ عمر اكبر المتبرعين للصندوق 103 عاما، إنها خيرتدينوفا بيبيفاسيما صاديقوفنا من سكان منطقة سباسكاي. وقالت إن” طيلة حياتي كنت اذهب إلى المئذنة الصغيرة، لقد كان هذا أمرا هاما بالنسبة لي. والان وبسبب صحتي لا استطيع تأدية الصلاة هناك، بيد أنني اعرف بانه سيتم ترميمها. دع نقودي تكون هناك أيضا. دع أحفادي وأحفاد أحفادي يذهبون إلى هناك، ودعمهم يعرفون أن جدتهم لها علاقة ما بهذا، في الحياة والآن”. مع الأسف إن صاديقوفا لم تعد على قيد الحياة، ولكنه مثل ينطوي على دلالات.

وثمة أمثلة حينما جرى التبرع لصندوق “النهضة” نيابة عن الأطفال حديثي الولادة،  وعلى هذه الشاكلة فان الأطفال ينخرطون في هذه الحياة بعمل خير، ليكن من صنع أيادي الجدات / الأجداد أو الوالدين. بيد إني متأكدة من أنهم سيفتخرون بمشاركتهم في تاريخ بلدنا.

يُدرج اسم كل متبرع، وبغض النظر عن مبلغ التبرع، في كتاب صندوق” النهضة” الخيري. وتم في غضون 8 سنوات من النشاط تسجيل 74 ألف اسم. وأصدرنا في عام  2018  المجلد الثامن للمتبرعين الذي يضم 6000 اسم. وبهذه الصورة نعرب عن شكرنا وتقديرنا الصادق للدعم، وعمل البر والكرم، ومواصلة تقليد عمره قرون طويلة من العمل الخيري في تترستان.  وخاصة فيما يتعلق بدعم المعالم التاريخية والثقافية.

في الآونة الأخيرة، ازداد اهتمام السياح الروس والأجانب بلآلئ تراثنا الروحي. على سبيل المثال، في بداية عمل الصندوق في 2010 زار بولغار حوالي 50 ألف سائح، وفي 2017 أي بعد مرور بضعة سنوات، ارتفع هذه هذا الرقم إلى 540.9 ألف.  وهناك أيضا زيادة كبيرة لزوار “سفيياجيسك” : في عام 2010 زار الجزيرة/ المدينة 7  ألاف سائح أما في 2017 فبلغ عددهم 491 ألف. ومن الجدير بالذكر أن زوار بولغار و”سفيياجيسك” يندهشون ويتعجبون من العناية والاهتمام بالثقافة والدين.

وفي الواقع، هذه نتيجة ذلك العمل الذي قام به الصندوق جنبا إلى جنب مع جميع الأطراف المعنية، وشركائنا والمساعدين والأصدقاء  والزملاء. وهذا نتيجة إنشاء مواقع المتاحف الجديدة والمرافق التحتية، ونتيجة أعمال التجريف التي أتاحت استخدام السفن ذات السطوح الثلاثة أو الأربعة. وخلال 8 من تنفيذ المشروع المتكامل تم افتتاح 20 متحفا جديدا، منها 11 في مجمع بولغار التاريخي/ المعماري و9 في”سفيياجيسك”. وفي 2017 استقبلت بولغار القديمة زيارة 128 سفينة والجزير/ المدينة “سفيياجيسك” 82 .

أن حجم العمل الكبير الذي اُنجز خلال فترة قصيرة نسبيا، اصبح الأساس لإدراج المجمع التاريخي والأثري في بولغار وكاتدرائية أوسبينسك ودير المدينة/ الجزيرة  “سفيياجيسك”، في لائحة اليونسكو للتراث العالمي. نحن فخورين  بان تترستان أصبحت الرائدة بين المناطق الروسية من حيث عدد مواقع التراث العالمي. والشيء الرئيسي إن كل منشأة :كرملين قازان وبولغار القديمة و الجزيرة المدينة “سفييا جيسك” تجسد فكرة الحوار الممتد على مدى قرون بين الثقافات والوفاق بين القوميات على المستوى الدولي.

في عام 2016 كلف رئيس جمهورية تترستان روستام مينيخانوف الصندوق بتنظيم العمل لبناء أكاديمية بولغار الإسلامية، وإعادة إعمار كاتدرائية “أيقونة قازان لأم الرب”. ومرة أخرى تم هذا في آن واحد ـ بموجب مرسوم رئيسنا.

إن أكاديمية بولغار الإسلامية هي الرد على تحديات العصر. فقبل إنشاء أكاديمية بولغار الإسلامية لم يكن في روسيا نظام متكامل للتعليم الديني، وانعدم مستواه الاكاديمي العالي. والان لا يجري إعداد علماء الدين في الخارج وإنما في بلدنا، على وفق شرائع الإسلام المتسامح، التقليدية بالنسبة لروسيا.

وانتهى في الأكاديمية الإسلامية في بولغار أول فصل دراسي. نتمنى النجاح  للذين سيحصلون على درجات الماجستير والدكتوراه في اللاهوت الإسلامي، النخبة المثقفة القادمة لأمة المسلمين في روسيا الاتحادية.

أما بالنسبة إلى كاتدرائية “أيقونة قازان لأم الرب” فيجب علينا تحقيق العدالة التاريخية فيما يتعلق بالأيقونة التي تحظى بالتبجيل في جميع أنحاء العالم، وفيما يتعلق بالكاتدرائية. ومن المعروف  انه قد تم تفجير الكاتدرائية، ولفترة طويلة كان في مكانها مصنع التبغ. ومن دواعي السرور إن الذين يحولون الأموال لإعادة إعمار الكاتدرائية ليس فقط من بين سكان الجمهورية، وإنما أيضا من أوفا وسمارة وموسكو وبطرسبورغ وغيرها من المدن.

وبحلول شهر حزيران/ يونيو عام  2018 انتهت أعمال البناء بإعادة إعمار كاتدرائية “أيقونة قازان لأم الرب” وتجري إعمال بناء ترميم القبب وواجهة الكاتدرائية، وبدأت الأعمال على الديكورات الداخلية للمعابد العليا وفي المغارة.

بين العاملين في المنشئات في بولغار وفي “سفيياجيسك” ممثلي جميع شعوب تترستان متعددة القوميات. إن شركة “جران” التي يتراسها انيسيموف ليونيد فالنتينوفتش قامت ببناء جميع المباني التي تنطوي على قيمة دلالية :المسجد الأبيض النصب التذكاري تكريما لاعتناق الإسلام، والأكاديمية الإسلامية. وقامت مؤسسات برئاسة كل من شهاب الدينوف البيرت كاشافوفيتش ( تائيف) وكريم الله ظمير زاوداتوفيتش (اتحاد الإنتاج لبناء المكائن القازاني) ولطيبوفا مسلمة خابرييفنا ( بَخَتيل) بترميم المنشئات الرئيسية في “سفيياجيسك” .

وهذا مثال على إننا نشترك في التاريخ والأجداد، ولدينا ذاكرة تاريخية مشتركة، وان التراث الروحي هي القوة التي توحدنا.

إن المثال الناجح للتفاعل بين الأديان في تترسان من دون شك مثير للاهتمام ومفيد. وبحوزتنا ذرات خبرة لا تقدر عن كيفية أن يؤخذ بعين الاعتبار مختلف مصالح التقاليد الأثنية والثقافية والتاريخية، أن تُأخذ بعين الاعتبار من اجل الوفاق والسلام، لذلك “نحن معا”ـ نحن نستطيع”. كان الأمر كذلك، وهكذا سيكون! إن التترين يثقون بذلك”.

 

المدير التنفيذي للصندوق الوطني لإحياء الآثار التاريخية والثقافية في تترستان، نائب رئيس مجلس الدولة لجمهورية تترستان

 تتيانا بيتروفنا لاريونوفا  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:

«Межконфессиональное согласие в Татарстане: роль возрождения памятников истории и культуры»

اترك تعليقا