الرئيسية » اكتشف روسيا! » «المسرح الوطني» في البحرين: مركب على شكل جوهرة تنفتح على العالم

«المسرح الوطني» في البحرين: مركب على شكل جوهرة تنفتح على العالم

وحدها الأبراج هي التي، في المدن، تلوح للناظر من أي مكان وزاوية في المدينة. أما إذا كانت المدينة محاطة بجبل أو هي على مقربة منه،

فإن كل شيء فيها يبدو واضحاً حين يصعد المرء الجبل وينظر إليها انطلاقاً منه. في المنامة ليس هناك جبل، ومبنى المسرح الوطني ليس برجاً وهو ليس مرتفعاً بأكثر مما ترتفع المباني العادية، ومع هذا جرّب أن تقف في أي مكان من العاصمة البحرينية، وستلاحظ من فورك أن في إمكانك أن ترى مبنى هذا المسرح الذي بات، منذ إنجاز إنشائه قبل سنوات قليلة، ثالث أكبر صرح ثقافي في الشرق الأوسط، بعد أوبرا القاهرة، ومبنى يماثله في مسقط العُمانية.

والحقيقة أن ما قد يلفت النظر حقاً في السطور السابقة، هو الإشارة إلى حداثة إنشاء مبنى المسرح الوطني في هذا البلد. فالمرء سيدهش ليس لجدّته بل لتأخر إنجازه كل هذا الوقت. وذلك تحديداً لأن البحرين كانت وتبقى واحداً من البلدان الأكثر تقدماً من الناحية الثقافية من بين البلدان الخليجية. هو أمر يعرفه كل المثقفين العرب الذين يتابعون الحداثة الشعرية والأدبية والمسرحية والصحافية والتعليمية، كما تجلت في البحرين منذ خمسينات القرن العشرين، ناهيك بالحركة التشكيلية التي تعيش تقدماً لافتاً، حسب المرء أن يتجول في قاعات المتحف المجاور تماماً لمبنى المسرح الذي نحن في صدده، ليأخذ فكرة عنه عبر مئات اللوحات والأعمال الفنية الأخرى المعروضة في شكل أخّاذ. بل إن بإمكان المرء أن يدهش أكثر كون المنامة لم تمتلك مسرحاً وطنياً كبيراً هي التي تفخر دائماً بأن مؤسس المملكة العربية السعودية حين زارها في سنوات الثلاثين، أُعجب بما لديها من قاعات عروض سينمائية فأراد لبلاده أن تمتلك مثلها، ما يُعتبر عادة المدخل المنطقي للتأريخ للفن السابع في السعودية، بيد أن هذه حكاية أخرى بالطبع.> حكايتنا هنا هي هذا الصرح الفني العمراني البحريني الكبير الذي يلوح كالجوهرة البراقة من أي مكان تقف فيه في العاصمة البحرينية وكأنه برج منيف. ولا بد من القول إن هذا الواقع يعود الفضل فيه إلى القرار الذي اتخذ منذ البداية من قبل مؤسسة المسرح وراعيته الشيخة مي آل خليفة التي أصرت على أن يقام في مساحة خالية من الأرض توجد في محاذاة بحيرة تبدو في نهاية المطاف وكأنها امتداد ليس فقط للبحر المحيط بهذه الجزيرة المدهشة، بل لكينونة البحرين نفسها والتي يعبّر عنها اسم البلد. ومن هنا ما يخيّل إلى المرء حين يبدأ بالاقتراب من المبنى، من أنه يقترب من مركب بحري صُمّم على شكل صَدَفة عملاقة وربما أيضاً على شكل جوهرة نفيسة. ومن الواضح أن هذا الإيحاء المقصود يرتبط بذلك الحسّ التراثي الذي تعبر عنه هنا رموز لا تعصى على الإدراك، منها التجاور مع الماء تحت قبة السماء بحيث يبدو مشهد المبنى منتمياً إلى الامتداد الأفقي المتمثّل في اللقاء في تلك النقطة بالذات بين الأرض والسماء، ومنها اللون الذهبي اللماع الذي يغمر أعلى المبنى فيبدو وكأنه جزء من حكايات ألف ليلة وليلة وقد حُوّلت إلى بعد بصري فريد من نوعه، ومنها- تلك الرموز- بالطبع عدد المقاعد البالغ في القاعة الرئيسية ألف مقعد ومقعد، إضافة إلى المئة والخمسين مقعداً التي تتألف منها القاعة الثانية التي يضمها المبنى. ولكن هذا المبنى الذي حُرص منذ البداية على أن يكون منسجماً كل الانسجام مع بيئته المحيطة المؤلفة من الماء المستقر وادعاً محيطاً بالمبنى وكأنه جزء من ديكور دائم، ومن مبنى المتحف الوطني المجاور ثم من المساحات الخضراء والمرصوفة التي تتغلغل في المكان من كل جانب تعبرها ممرات لمن يحب أن يذرع المكان مشياً، ومساحات تتحول في مناسبات معينة إلى ساحات احتفالات وأعياد، هذا المبنى أنشئ بحسّ يتوخى للأناقة الطاغية عليه نفسه أن تكون رادعاً يمنع من أي تشويه فيه أو سوء استعمال. هو هنا كالجوهرة التي يعرف «مستخدموها»، ومهما كثر عددهم، أن أي شرخ لها أو تشويه سيفقدها جزءاً من قيمتها. ومن هنا تلك العناية التي يحرص المسؤولون والزوار على إسباغها عليه، إلى درجة أن السنوات العديدة التي مرت منذ افتتاحه لم تتمكن، على رغم كثافة الاستعمال وضخامة العروض وشعبية معظم الاحتفالات التي عادة ما تضجّ بالحضور، من أن تضيف ولو حبة غبار على المبنى. فهو اليوم يبدو، وفي أدقّ التفاصيل حتى، كما كان يوم افتتاحه. وهو يوم الثاني عشر من تشرين الأول (نوفمبر) عام 2012 الذي تمكنت راعية المشروع من أن تجعله يوماً تاريخياً في ذاكرة البحرين وتحديداً عبر دعوتها ملك البلاد إلى أن يكون راعي الافتتاح وفي مقدم الحضور. ترى كم عدد البلدان العربية التي يُفتتح فيها صرح فني برعاية ملك البلاد؟> مهما يكن، من الواضح أن هذه الرعاية التي تحققت للمسرح الوطني، على أعلى المستويات، تشكل جزءاً أساسياً من الأهمية التي أحاطت بالمشروع ككل، وهي أهمية مزدوجة: فمن ناحية طُلب من هذا المشروع أن يحظى بأسمى درجات الجمال العمراني كي يتحوّل إلى رمز وطني يتبناه كل مواطن بمن في ذلك أولئك الذين لا يرتادون العروض عادة. فالتشكيل العمراني للمكان ومزاوجته مع بيئته والقدرة على مشاهدته من أي نقطة في المنامة، نهاراً إذ تلمع كتلته الذهبية متلألئة عند حافة بحر فيروزي اللون، ونهاراً إذ يتلألأ بأنواره التي تجعله يبدو وكأنه جزء يجمع يابسة غير مرئية ببحر وادع متموج بكل أناقة، كل هذا يجعله أشبه بصرح فني يرمز إلى المدينة بتراثها الأصيل من جهة، وحداثتها المدهشة من جهة ثانية؛ ومن ناحية ثانية، وحتى خارج إطار جماليته التشكيلية الخارجية هذه، والتي جعلته بالتدريج رمزاً للمدينة، يبقى الإطلال على داخله كصرح فني له وظيفة محددة، هي تقديم شتى العروض الفنية المتنوعة والآتية من شتى أنحاء العالم، بدءاً من كبار مغني الأوبرا وصولاً إلى فرق الباليه الآتية من آسيا وأفريقيا وأوروبا، ولا نحسب طبعاً أن في إمكاننا في هذه العجالة أن نحصي كل ما قُدّم فيه من عروض خلال السنوات الخمس ونيّف التي مضت على افتتاحه، لكن في إمكاننا أن نقول إنه ساهم في انفتاح المواطن/ المتفرج البحريني، وضيوف البحرين الآخرين، على العالم من خلال اللغة المشتركة الأساسية التي تعتبر اليوم لغة التقارب والسلام في العالم: لغة الفن.> من هنا القول اليوم إن مؤسسة المشروع، والتي نعرف أنها ناضلت طويلاً من أجل تحقيقه رابطة إياه بالتاريخ الثقافي للبحرين، كسبت رهانها العمراني والاجتماعي بعد سنوات قلق طويلة. لكنها هي، تعرف، ولا تخفي هذا أبداً، أنها لم تكن وحدها في رهانها، بل كان معه أطراف عرفت كيف تجعلهم يؤمنون بالمشروع ويقفون إلى جانبها وصولاً إلى «المعجزة الصغيرة» التي تجلت في إنجاز كل هذا الصرح، في سنتين لا أكثر، شاكرة الصدفة التي جعلت إنجاز المشروع يتطابق حينها مع اختيار المنامة عاصمة للثقافة ما ساهم في الحماسة البشرية التي كمنت وراء إنجاز هذا المشروع. ومع هذا يعرف المئات الذين شاركوا مي آل خليفة حلمها وإنجاز الحلم لحظة بلحظة، أنها انكبّت عليه يوماً بيوم كأم العروس، تتدخل في أصغر التفاصيل تفرض رؤيتها الفنية والتفاصيل التي تكاد تعبر عن ذوق أنثوي رفيع، على كل شاردة وواردة، مستعينة بعدد من المصممين والمهندسين والفنانين والبناة الآخرين، مستفيدة من مسارات كلّ منهم، معطية حتى الفرص الأولى لمبدعين شبان وشابات تكتشفهم فيشاركونها في إدراك ما تريده من دون أن يفوتهم إقناعها بابتكاراتهم حين تبدو مفاجئة وغير مسبوقة.> من هذا كله صُنع، إذاً هذا الصرح الفني، بدءاً من كتلته الكبيرة وشكله البحريني العريق وتوسطه المدينة بتشكيله جزءاً من فضائها وأفقيّتها، وصولاً إلى الرسمة البديعة التي تحولت شعاراً للمبنى بانسيابيتها المائية ولعبة المرايا، وصولاً إلى الداخل الأنيق الذي يشعر المرء أنه جالس ذات عشية أليفة في صالون بيته الأنيق، مروراً بالخشبة نفسها التي تستجيب لأحدث ما توصلت إليه التقنيات المسرحية، وبالإضاءة الداخلية والخارجية التي تسمح من دون شك بإطلاق لقب «جوهرة البحرين» على مبنى تبدو نتيجة إنجازه متلائمة مع التعب والقلق والجهد التي أنفقت عليه. مبنى يبدو بعد خمسة أعوام من حضوره في قلب الهندسة والفن البحرينيين، وكأنه كان موجوداً هنا منذ أقدم الأزمنة.

ابراهيم العريس
الحياة: ١٧-٢-٢٠١٨

 

اترك تعليقا