الرئيسية » حضاريات » الكتاب الذي رسم لنا بحب وواقعية الشخصية الروسية

الكتاب الذي رسم لنا بحب وواقعية الشخصية الروسية

منذ زمن ليس ببعيد بدأت التعرّف الى سهيل فرح الكاتب والفيلسوف. فقرأت له: حوار الحضارات، أسئلة الهوية والآخر العربي، والعقليتان الروسية والمشرقية: أسئلة الثقافة والدين. كما شاركت في ندوات مشابهة حول هذه الكتب. إنه فيلسوف تسكنه الجدلية، وان حاول الهروب منها. يأخذك الى الملعب الذي يريد بانسياب السهل الممتنع، ليؤرق تفكيرك بعد حين بكلمة ولكن…

سهيل فرح، الفيلسوف النقدي لا يكتب لأجل الكتابة، بل يكتب لأجل هدف. فهو يسكن الجغرافيا، يحاكي التاريخ، يناقش الفلاسفة، يسلّط الضوء على الحركية الانسانية، ويكتب بحب، بواقعية، وتجرّد. والى كل ذلك، يبدو لي سهيل فرح روحاني بالمعنى القيمي وهو ينشد للسلام القائم على العدل وللحرية.

في كتابه: “الحضارة الروسية: المعنى والمصير”، سعى د. سهيل فرح الى تبيان الشخصية الروسية الصانعة لتلك الحضارة من وجهات نظر سوسيو ثقافية وانثروبولوجية. وهو الى ذلك، سبر أغوار منظومة القيم والأرث الثقافي والعلمي والروحي، وحصيلة القواعد النفسية والمثل والمحفزات في الاطارين الإيديولوجي والديني، كما رصد الطرق التعليمية في نقل التراث الثقافي واشكاله عبر الاجيال. أضف الى كل ذلك، ان الكتاب يتضمّن رؤية المؤلف المستقبلية واستشرافه لكل الحضور الروسي في اوراسيا الكبرى وفي العالم. وهذا ليس بالأمر اليسير لأننا نقرأ عن حضارة هي بحد ذاتها في منتهى التنوّع والغنى والاتساع والتعقيد.

الدكتور سهيل فرح، الهارب من التفسير النمطي للإيديولوجيات، لم يخرج من ضجيج النظريات التي استهلّ بها كل فصل من فصول كتابه.

  • استعان بالمؤرّخ ارنولد توينبي ليدرس العلاقة التفاعلية بين الطبيعة والانسان. وفي رأيه، فإن جدلية الشخصية الروسية تكمن في مشهد الطبيعة الذي ترك انعكاساته على ثقافة العين والاذن، ومجمل الحواس والأحاسيس والوجدانيات الملهمة للرسامين والشعراء والأدباء والفنانين والمفكرين والعلماء، دون أن ننسى، او يغيب عن بالنا، قساوة المناخ الروسي الذي ارخى أيضاً بظلاله على الشخصية الروسية المحرومة من الدفء والرفاهية، لدرجة انها جمعت تناقضات الطمأنينة والقلق.

  • في السياق التاريخي، ناقش المؤلف بتبصّر وإمعان الحضارة الروسية التي تشكّلت عبر خمس مراحل، هي:

  • روسيا القديمة

  • روسيا المسكوفية

  • روسيا الامبرطورية

  • روسيا السوفياتية

  • روسيا الاوراسية المعاصرة السائرة في مدار العولمة

وهنا، يعتقد الكاتب ان وعي التاريخ انما يستند الى ثلاثة مرتكزات رئيسية، هي: تاريخ الاحداث، تأويل المعطى التاريخي، والذاكرة التاريخية التي تتضمّن حفظ الوعي الجماعي عن الماضي؛ ليخلص الى القول: “ان الوعي الروسي هو ابن المكان وزمانه”.

  • حول البعد الاثني والديني المساهم في تشكيل الشخصية الروسية، يلج الكاتب الى قراءة سمات رئيسية ثلاثية الابعاد: اللغة، الاثنية السلافية، والعقيدة الارثوذكسية. وبالنسبة لهذه الاخيرة، يقول الكاتب سولجنستين: “الكنيسة الارثوذكسية اعطت الدولة الروسية وعيها التاريخي ونواتها الروحية”.

  • في تعريفه للعقلية، يصفها د. فرح بأنها المرآة العاكسة للمكان والزمان الثقافي. والعقلية الروسية تتضمّن الأرث الثقافي والاخلاقي والنفسي بما في ذلك المتخيل الاجتماعي. وللبرهان، يدرس د. فرح حالة الايداع عند بوشكين والوجدان الروسي، دوستو يفسكي وفكرة روسيا، ايلين والروح الروسية الخلاقة، فرناندسكي وحكمة العلم الروسي، وسوروكين الذي شعّ علمه في الشرق والغرب. وعليه، يخلص المؤلف الى القول ان النموذج الروسي، وبصرف النظر عن كل نقاط ضعفه، يبقى قوياً وغنياً في عقله العلمي وفي روحانيته. وهي تبقى نفسها بذاتها ليست غربية عقلانية (مادية) صارمة، وليست اسيوية متماهية مع تهويمات الروحانيات المطلقة عند اهل الشرق.

وهنا لا بد من طرح السؤال التالي: أين يقف المثقف الروسي في معاناته الخاصة؟ هو مثقف يتحمّل المسؤولية حيال قضايا عصره، كما انه يتصف بالوعي المقرون دائماً بالنقد. ورغم ذلك، فإن الاصلاحيين الروس فشلوا، في رأي الكاتب طبعاً، من ان يسيروا بالاقتصاد بعقل ديناميكي، كما انهم لم يتمكنوا من استحداث التقنيات الفعالة في ادارة المكان في شطريه الريفي والمديني، وبالتالي لم يستطيعوا ان يتنشقوا النسيم الرحب للحرية السياسية. ربما يعود ذلك الى القلق الوجودي الدائم عند الحاكم والمحكوم في عصر العولمة الثقافية التي لم تحقق ما بشرت به من انفتاح وتسامح؛ بل انها دفعت بالأقليات في كل مكان الى التمسّك أكثر بعاداتها وتقاليدها مغلفة برغبة جامحة الى اشهار حق تقرير مصيرها.

في ختام كتابه، يطرح سهيل فرح العديد من الاستنتاجات حول المؤشرات المستقبلية لتطوّر الحضارة الروسية، أكتفي بواحدة منها وهي: ان روسيا دولة عظمى ليس فقط في المدى الجيوسياسي، بل عظمى في حملها لبدائل حضارية أكثر عدالة وأملاً. كيف لا، وروسيا تحمل اليوم فكرة التنوّع في إطار الوحدة، والعزم على التواصل مع الحضارات العالمية بأسرها، وفي نضالها ضد الأحادية القطبية.

هذا الكتاب الجدير بالاقتناء والقراءة، تكمن أهميته في اسلوبه الواقعي والفلسفي الذي رسم لنا الشخصية الروسية التي قد نتعلّم منها الكثير في حقول الدبلوماسية والسياسة الدولية، وفي ابعادها الروحية والمادية.

مبروك لكم، ايها الصديق العزيز، هذا الكتاب، مع تمنياتي لكم الفوز بجائزة نوبل. وفقكم الله لما في ذلك من خير لروسيا وللبنان وللصداقة اللبنانية- الروسية وللعالم اجمع.

 بروفيسور كميل حبيب *

* مداخلة الدكتور كميل حبيب: عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية، في ندوة نظمها مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية في الجيش اللبناني، بتاريخ 15-3-2018 ، حول كتاب  “الحضارة الروسية: المعنى والمصير” لمؤلفه عضو أكاديمية التعليم الروسي سهيل فرح، رئيس تحرير القسم العربي لموقع روسيا – العالم الإسلامي

تعليق واحد

  1. الفيلسوف والكاتب الكبير سهيل فرح قيمة وقامة علمية. وللأسف لم أستطع أن أحصل على أغلب مؤلفاته عن روسيا، طلبتها عن طريق المكتبات الالكترونية ولم تستطع أن توفرها. كغيرها من المؤلفات التي تتناول التاريخ والثقافة الروسية، مثل تاريخ روسيا لجورج فرنادسكي الذي يئست من الحصول عليه، وغيره.

اترك تعليقا