الرئيسية » جماليات »  الكاتب الروسي الذي منع ستالين نشر أعماله

 الكاتب الروسي الذي منع ستالين نشر أعماله

أندريه بلاتونوف بالعربية

تشغل أعمال أندريه بلاتونوف ( 1899 ـ 1951) مكانة خاصة في الأدب الروسي الحديث، وظلت   غير مفهومه للنهاية، ولم ترَ غالبيتها النور خلال حياته، وتعرضت للنقد الحاد  منذ أن غضب الزعيم السوفياتي الأسبق يوسف ستالين على عمله الروائي الباكر” للتخزين”.  ويلف أعمال أندريه بلاتونوف  الغموض ولا تشبه الأعمال الأدبية التي عرفناه سابقا، ومن الصعوبة إيجاد تأويل متفق عليه للكثير منها. وتحدث جميع من تناول أدبه عن غرابة أبطال وشخوص روايته، ونهاياتها المقطوعة، وصعوبة إعادة سردها، ولكن ثمة إجماع على رفعة مستواها الفني .  وأعيد نشر أعماله فقط في عام 1987 حينما نشرت مجلة” نوفي مير” (العالم الجديد) روايته الشهيرة “حفرة الأساس”. وتُرجمت أعماله لمعظم اللغات الحية.

ولد أندريه بلاتونوف ( كليمينتوف) في عام 1899 في بلدة يامسك  سلوبدا بالقرب من مدينة فارونج في عائلة عمالية.  التحق في طفوله بمدرسة دينية ومن ثم درس في مدرسة بالمدينة، وبعدها بدا حياتيه العملية حيث عمل في العديد من الأماكن  وزاول مختلف المهن، وقد انعكس تلك التجارب في أعماله بهذا الشكل أو ذاك منذ ظهور مجموعته الشعرية الأولى في عام 1922 وحتى أعماله التي جلبت الشهرة مثل” تشيفينجور “وموسكو السعيدة” و”حفرة الأساس”.

لقد تعرف القارئ العربي على أعمال بلاتونوف في وقت حديث نسبيا، حين أصدرت دار نشر “رادوغا” في موسكو مجموعة قصصه بترجمة خيري الضامن وابو بكر يوسف، ومن ثم ظهرت قصص قصيرة له بترجمة الكاتب المصري احمد الخميسي والمترجم السوري الراحل يوسف الحلاق.  وفي عام 2016 وبدعم من معهد الترجمة الروسي نشرت “دار سؤال” اللبنانية ثلاثة أعمال له هي : الحفرة  والأشباح  وبحر الصبا. وأثار نشر هذه الأعمال اهتمام القارئ العربي بالكاتب الروسي الشهير، وظهرت في  كبرى الصحف العربية والمجلات، العديد من التعليقات عن اعماله الثلاث. تتسم لغة  بلاتونوف بخصوصية يتفرد بها  وتبتعد في الكثير عن قواعد ومعايير اللغة الروسية الفصحى يجعل من الصعب  نقل اسلوبه وعالمه الأدبي، وتتحدي المترجم الذي لا يأخذ بالاعتبار هذا الجانب في بنية النص البلاتوني.

 الترجمة إبداع وسطي، تقع بين العلم والفن، لكونها تعتمد على قواعد معترف بها ومنهج يشكل الدليل والمرشد، فضلا عن أنها كفن تعتمد إلى حد كبير على ذائقة المترجم ومواهبه كفنان ومهاراته اللغوية وضلوعه في اللغتين، وبالدرجة الأولى حسه بطبيعة وظل اللغتين التي ينقل منها ويجسد العمل المترجم لها. ومن نافل القول الكلام اليوم عن أن الترجمة لن تكون حرفية ولا تلتزم بنقل الكلمة فقط بمعانها في القاموس، وأن هناك متسعا وفضاءً للاجتهاد والتعبير، بشرط عدم خيانة العمل المترجم، لكن هذا لا يمنح الحق للمترجم بالتعامل بتعسف مع النص، رغم أن بعض الثقات وأساطين الكلمة يحبذون التضحية بالبلاغة وشاعرية ورقة الكلمة من أجل الحفاظ على المعنى الذي جهد الكاتب/ الأديب في توصيله للمتلقي.

من هذه الزاوية تبدو ترجمة واحدة من أهم روايات الأديب الروسي / السوفيتي أندريه بلاتونوف للعربية «حفرة الأساس» غير مكافئة تماما للنص وعجزت عن الاقتراب أكثر من عالم الكاتب.

وفي أحد الجوانب تتجاوزه، ما يجعل من المستحيل على القارئ العربي استلهام النص وأبعاده والحكم عليه بدقة، إذا فهمنا أن العمل الأدبي بناء يتشكل من عدة طبقات متلاحمة ومؤثرة بعضها ببعضها الآخر وغير قابلة للانفصال. أي التلاحم العضوي لمكونات الشكل والمضمون. وبالدرجة الأولى نقل الأسلوب الذي هو في نهاية المطاف إحالة للواقع الذي سعى بلاتونوف لتجسيده، والقيم الفكرية التي اختبأت وراء كواليس النص.

فعلا أن بلاتونوف كروائي غير سهل. وتنطوي نصوصه على مستويات وأبعاد متعددة، يوصلها للمتلقي بلغته الروائية الخاصة. أؤكد بلغته الخاصة. فهو يتجاوز اللغة المتعارف عليها ويخترق معاييرها أحيانا ويطعن بمقاييس النحو وتركيبة الجمل، ربما لتدمير وهم عقلانية العالم ويوظف لذلك أيضا طرائق السرد والأسلوب للكشف عن أبعاد الشخصية ويخلق مركبات غريبه على سمع حامل اللغة الروسية، بهذا يخلق بلاتونوف الدهشة أو بالأحرى الصدمة الفنية لدى قارئه، الذي يروح يكد مع النص لإنعاشه وإحيائه ويمنحه فكره وعقله للوصول إلى التأويل للتمتع بالنص وسبر أغواره.

إن ترجمة مثل هذه الأعمال تتطلب دراسة لغة وقاموس بلاتونوف بدقه قبل الشروع بترجمة عمله. وأعتقد أن هذا شرطا وواجبا على كل مترجم لعمل أدبي. وفي اللغة الروسية دراسات لا تَعد ولا تحصى وأطروحات كثيرة مكرسة حصرا للغة بلاتوف «الغرائبية» منذ أن أتيح نشر أعماله. ويوظف بلاتونوف حتى أسماء شخوص روايته للإفصاح عن المضمون.

ولا تعتمد الترجمة عنوان الرواية بدقة ما قد يلقي الضباب على طريق فهم القارئ العربي لأبعاد الرواية ومغزاها، فهي تضع لها عنوان «الحفرة» وفي الحقيقة أن عنوانها الأصلي الذي تتجاهله الترجمة، ينطوي على دلالات فكرية ويشكل دليلا للقارئ لسبر أغوارها الأيديولوجية. وبترجمة سليمة يكون «حفرة الأساس» أو «الأساس» (المترجم يستخدم بالنص هذا التركيب). للعلم أن هناك كلمة بالروسية خاصة بالحفرة حصرا «ياما» بينما عنوان رواية بلاتونوف هو «كوتلَوفان» «حفرة الأساس» للمبنى. وهو عنوان مجازي يوحي به بلاتونوف إلى «مبنى» النظام الاشتراكي/ الشيوعي. ذلك المبنى الذي أريد له أن يكون مجمعا سكنيا لبروليتاريا المدينة القريبة، وأيديولوجيا يوحي به بلاتونوف لبناء عالم الغد الذي وعدت به السلطة السوفياتية.

“حجر الأساس” الذي لم يتم استكماله (في الرواية والواقع) لإقامة المبنى المنشود. وعلى خلفية أعمال حفر الأساس يصور بلاتونوف  ضحالة القوى التي تنهض بالبناء، وعدم كفاءتها لبناء العالم الجديد، تلك القوى المطحونة تاريخيا الفقيرة روحيا وثقافيا، التي تؤدي عملها بدافع الخوف والتسخير، وتعيش في ظروف غير إنسانية، ولا تمتلك شيئا من مقدرات الحياة الكريمة، وتقودها نخبه غير نزيهة تسعى لضمان وضعها وأماكنها الدافئة، والسعي نحو مناصب جديد بطرق ملتوية وانتهازية، لذلك فإن هذه القوى المتسلقة التي تتحين الظرف التاريخي دون إدراكه ووعيه، تتحدث عن اشتراكية مبتذلة وفضة وتمارس باسمها سلطتها. على خلفية ذلك العالم السوداوي تظهر الطفلة ناستيا (روسيا الجديدة)، التي تحتضنها البروليتاريا، ولكنها تموت على أيديها وتدفن هناك في “حفرة الأساس.”

إن الصور الفنية التي يرسمها بلاتونوف بلغته المتألقة والمتفجرة عن انطلاق عملية التعاونيات الزراعية (الكلخوزات والسفخوزات) تكشف عن الأبعاد المأساوية لهذه العملية التي اغتصبت بصورة فظة الممتلكات الشخصية، حيث جرى تأميم تلك الممتلكات دون قانون ولا تعويض، ليسحق شرائح اجتماعية بطرق الحقد والانتقام والتشفي، وليس الانتقال من تشكيلة اجتماعية إلى أخرى بطرق حضرية وسلمية.

إن بلاتونوف مثل شولوخوف في «الدون الهادئ» وباسترناك في «دكتور زيفاغو» وغيرهما الكثير ومن بينهم سولجينيستين، يصورون بحيوية كيف سحقت طاحونة ثورة أكتوبر، كما يقال، الأخضر واليابس في طريقها، ونشعر من أعمالهم بالأنين غير المنقطع لملايين البشر الذين راحوا ضحية لشعارات بناء العالم الجديد، الذي ظهر لحد الآن بأنه حلم طوباوي لا يمكن تحقيقه على حساب الآلام ودموع وآلام الأبرياء. وضمن بلاتونوف روايته أبعادا فلسفية بعيدة المدى ورؤية في سبل بناء عالم جديد للإنسانية.

وإضافة إلى ذلك تغيير الترجمة لكلمات الروائي الدلالية بكلمات عمومية مثلا، ترجمة «العضو النشيط» المفوض لبناء التعاونية الزراعية بـ«المناضل» وكوخ المكتبة ب “المكتبة العام”، والمعدات الجامدة بـ«المعدات المتروكة،» والممل من رؤية المنظر «للفارس المتحذلق» إلى «العطف على الجواد» ويغير بلفظ بعض أسماء الشخصيات رغم ما تحمله من رمز  (تشيكيلين / شيكيلين) ويضيف مُحسنات  لفظيه من عنده ويستخدم تراكيب عربية نمطية تخطاها حتى السرد العربي الحديث ولا تتناسب وروح لغة الكاتب مثل «أكل الدهر وشرب» واستعمالا خاطئا لبعض كلمات العربية مثل «شنف آذانه» للتنصت العادي.. ومنذ الفقرة الأولى يضعنا المترجم أمام عالم يختلف لحد ما عن العالم الذي سعى لخلقه بلاتونوف في روايته الرائعة. انه ينقل سرد الأحداث ويهمل عالم وأسلوب  بلاتونوف.

بيد أن كل تلك الملاحظات لا تقلل بأي حال من الأحوال من أهمية الجهد الكبير للمترجم وإضافته الجديدة لأعمال مميزة للمكتبة العربية التي ستحتل مكانتها المناسب، وتعمق الحوار الثقافي  بين روسيا والعالم العربي.

 د. فالح الحمـراني

اترك تعليقا