وكثيرا ما أفكر في نموذج آخر أوضح في الأدب، لأنه يجسد التوقف والاستمرار معا، أعني الأديب عادل كامل ونجيب محفوظ اللذين بدءا الطريق معا، وكان عادل كامل في مطلع الرحلة أوفر حظا من التفجر واتقاد الموهبة حين كتب” مليم الأكبر” ، و” ملك من شعاع” وخلت الروايتان من النزعة التقليدية بينما بدأ نجيب محفوظ بالتقليد والسير على درب الرواية التاريخية على نمط والتر سكوت. في حينه تفجرت موهبة عادل كامل بقوة، ثم توقف تماما. وعلل نجيب محفوظ ذلك بأن صديقه وجد أن الأدب غير مجز، فاتجه إلي المحاماة وأتعابها الوفيرة. والآن خذ نموذجا آخر لمطربة ذات صوت لا يتكرر هي حورية حسن التي غنت من ألحان الموجي” من حبي فيك ياجاري” وبضع أغنيات أخرى قليلة واختفت. في القصة القصيرة كان ثمت أديب نادر المثال عميق الموهبة هو أحمد هاشم الشريف صاحب القصة الشهيرة” اللصوص” وهو في اعتقادي أكثر أبناء جيل الستينيات موهبة على الإطلاق حتى أن الناقد فؤاد دوارة حين سأل نجيب محفوظ عن ذلك الجيل لم يذكر سوى اسم أحمد هاشم الشريف. أصدر الشريف مجموعته ” وجه المدينة”، ومجموعة أخرى، وتوقف. ولا شك أن الانتحار غير التوقف والتعثر، والتوقف غير السكوت بعد الشهرة، فلكل حالة من تلك قانونها الخاص أو ظروفها كما يقولون. لكن المؤكد أن القاسم المشترك هو الهروب من وطأة الابداع، ذلك أن العملية الابداعية تخلق توترا شديدا وضغوطا نفسية حادة بسبب التركيز والجهد العصبي مما يجعل المبدع يدفع ثمن الإبداع من لحمه الحي، لهذا أصيب عدد من كبار الأدباء بأمراض عقلية بعد أن فرغوا من الأعمال الكبيرة كما حدث مع ستندال، وبودلير، وجوجول، وغيرهم. وكان ألبير كامو يعاني قلقا مزمنا وذعرا من الأماكن الفسيحة. همنجواي كان يكتب كل صباح لمدة ساعتين القلم في يد والكأس في اليد الأخرى وكان يتناول يوميا 17 كأسا من الخمر وينهي يومه بزجاجة كاملة! وانتهى الأمر به إلي الانتحار. أيضا الرسام فان جوخ، والموسيقار العالمي شتراوس، والموسيقار رحمانينوف الذي أهدى أجمل مقطوعاته الموسيقية إلي طبيبه المعالج. وبعض الصفحات التي كتبها عباس العقاد تدل على حالة إكتئاب واضحة، بينما سقطت مي زيادة صريعة المجهود الابداعي المنهك، وكذلك عبد الرحمن شكري، وصلاح عبد الصبور، بل إن تحليل شخصية عمر الحمزاوي في رواية الشحاذ يؤكد تعرض نجيب محفوظ لحالة اكتئاب كتلك التي وصفها بدقة في روايته. والمؤكد أن الفن والابداع يحتاج إلي جانب الموهبة إلي شيء آخر: القدرة على القتال والاستمرار، والقدرة على الايمان بدور الفن، وعندما تتناقص تلك القدرة يتساقط البعض في الطريق ويتوقف، مثل عفاف راضي، بل وينتحر البعض مثل أحمد عبيدة. والذين يفتقدون الايمان بدور الأدب لا يكون سؤالهم: ” لماذا توقفنا؟”، بل ” لماذا نستمر؟ ولم نكتب؟ وهل للكتابة جدوى أصلا؟ “. وبهذه النظرة هجر الشاعر رامبو الشعر نهائيا بعد كتابه الثاني وهو في التاسعة عشرة،وبالنظرة التي لا ترى جدوى من الكتابة قال”جاك فاشيه”إن الفن ببساطة” حماقة “، قالها وانتحر. ويكرر” بيدرو كاردوبا” المعنى نفسه بعبارة أخرى قائلا: ” أعتقد أن الفن قد يكون مجرد بخار”! فقدان الثقة في أهمية الكتابة قد يقود لوضع كالذي اختاره ” جيرومي سالنجر” الذي ترك أربعة كتب هامة ثم لزم الصمت التام لأكثر من ثلاثين عاما من دون أن يكتب حرفا واحدا ، مثله مثل الكاتب الأرجنتيني ” أنريكه بانش ” الذي نشر عملا رائعا هو ” صندوق الاقتراع ” ثم أحاط نفسه بالصمت والغموض لخمسة وثلاثين عاما. هناك أسباب كثيرة وراء الحيرة التي يتركها لنا المبدعون خلفهم، حينما تتعطل مسيرتهم. من هذه الأسباب ” نضوب القدرة الابداعية ” لدي الكاتب. بهذا الصدد يعترف ” جوردي لوبيت ” بأنه هجر الكتابة الإبداعية منذ وقت طويل لأنه أمسى يفتقر إلي الخيال الخصب! لكن كيف ينضب ينبوع الفن لدي الكاتب ؟ لأي سبب؟ ومتى؟ وكيف؟، ومتى ينسحب الفنان لأن قدراته القتالية لا تكفي لخوض المعركة؟ وكيف؟. أسئلة كثيرة وحيرة تتركها مسيرة الفنانين المبدعين الذين يلمعون كالشهب ويسقطون بسرعة، وكلها أسئلة قد لا يسهل العثور على إجاباتها، لأن لكل حالة قانونها الخاص تقريبا.
جريدة الدستور المصرية- الاثنين 26 فبراير 2018