الرئيسية » جماليات » الــعــالــم مــن الــضــفـــة الأخــرى

الــعــالــم مــن الــضــفـــة الأخــرى

أحببت تشيخوف منذ أن قرأت قوله:” في الانسان يجب أن يكون كل شيء جميلا، وجهه وروحه، أفكاره وملابسه”. ومع إعادة قراءة قصص تشيخوف، أدرك ليس فقط مغزى كل قصة لدي ذلك الكاتب العظيم بل وأكاد أن أضع يدي على رؤيته للعالم. إنه –مثل كل الكتاب العظام – يرى الحياة والمجتمع من ضفة أخرى، فيقدم لنا العالم مقلوبا، معكوسا، ويؤكد أن للأديب رؤية تتعارض مع زاوية النظرالسائدة،  تتأمل أحوال العالم ليس بصفته الحالية، بل بصفته التي ينبغي أن يكون عليها. من هنا تحديدا يكون الكاتب. وعندما ظهر أنطون تشيخوف كانت النظرة السائدة في زمنه – وربما إلي الآن– أن الأثرياء هم مصدر الشر والاستغلال وأن الفقراء مظلومون محرومون جديرون بالعطف والدعم، وأن مشكلة العالم الرئيسية تكمن في الثراء الفاحش. بهذه الرؤية السائدة صدرت رواية جاك لندن ” العقب الحديدية” 1916 بعد وفاة تشيخوف بأربع سنوات، وبتلك الرؤية كتب كثيرون آخرون أثناء حياة تشيخوف وبعد رحيله. لكن تشيخوف كان يرى القضية من ناحية أخرى تماما، فقد اعتبر أن المأساة ليست في بطش الأثرياء ولا في جبروتهم بل في ضعف الفقراء وخنوعهم. وفي واحدة من أشهر قصصه وهي ” البدين والنحيف” يلتقى بالمصادفة صديقان كانا فيما مضى يدرسان معا ثم فرقتهما الحياة، فأمسى أحدهما موظفا صغيرا والآخر أحد كبار رجال الدولة. وفي بداية اللقاء تشع الفرحة والسعادة لدي الاثنين من ذكريات الصبا المشتركة إلي أن يعرف الموظف الصغير من خلال الحديث أن صديقه أمسى من كبار رجال الدولة ، فيبدأ في التلعثم، والانحناء، ومخاطبته صديقه ليس باسمه مجردا بل مسبوقا بلقب صاحب السعادة وما شابه. وتحل الدهشة على الصديق الثري من هذا التحول، ويشرع في تشجيع صديقه على العودة إلي روح الصداقة التي لم تكن تعرف الانحناء والنفاق بل المساواة والأخوية، لكن الموظف الصغير يعجز عن ذلك! هنا يشير تشيخوف خلافا لكل ما هو سائد إلي أن المأساة ليست في ثراء أو وضع رجل الدولة الاجتماعي، بل في ضعف وخنوع الانسان الصغير. هنا يطرح تشيخوف القضية من الضفة الأخرى. وفي قصته الشهيرة ” موت موظف” يعالج تشيخوف الموضوع ذاته. وكان تشيخوف قد استلهم فكرة القصة من حادثة نشرت في الصحف عام 1883عن انتحار موظف أحيل للمحاكمة بتهمة الإساءة إلي موظف أعلى منه رتبة، وحاول الموظف الصغير أن يعتذر للكبير عدة مرات من دون جدوى، ثم انتحر بشنق نفسه. لكن الكاتب الكبير ينقل الأحداث إلي مسرح حيث يعطس موظف صغير من دون قصد في قفا جنرال جالس أمامه، فيظل يعتذر له، ويعتذر، والجنرال يطالبه بالتوقف عن الاعتذار لأن الغلطة لا تستأهل كل ذلك، ثم يصرخ فيه موبخا، فيمضي الموظف الصغير إلي بيته، ينام على سريره ويموت. ومجددا يتحدث تشيخوف من الضفة الأخرى حيث المأساة ليست في القوة، بل في الضعف. يبين تشيخوف أن أسباب حياتنا في داخلنا، وإن لم نكن أقوياء فلن يساعدنا شيء في مواجهة العالم. تتردد هذه النغمة الجديدة في قصته العذبة ” المغفلة” حين يحاول أحد السادة مازحا أن يخدع خادمته قبل أن يعطيها راتبها الشهري فيستدعيها ويذكرها بالراتب المتفق عليه، لكن يقول لها : إلا أنك حطمت قدحا منذ أسبوع ثمنه روبلان، سأخصمهما. تصمت الخادمة التي لم تحطم شيئا، فيقول: وتغيبت عن العمل نصف يوم، وسأخصم روبلين. تنظر إليه بعينين دامعتين لأنها لم تتغيب، وهكذا إلي أن لا يبقى من الراتب سوى أقل من ربعه، فيعطيه لها. تأخذه وتشكره. وهنا يجن السيد صاحب البيت ويصرخ فيها : كيف تقبلين أن يخدعك أحد إلي هذا الحد؟ بل وتقدمين الشكر إلي؟ تقول: في أماكن أخرى لم يعطونني شيئا! يتألم تشيخوف لضعف الخادمة، لكنه يدينها بعطف ورفق، ويرى القضية مجددا من الضفة الأخرى، من هناك حيث المشكلة في الضعف في مواجهة العالم، وليست في سطوة وقوة الطرف الآخر. وقد كتبت آلاف القصص عما يحدث حين يقع اثنان في غرام بعضهما، لكن تشيخوف قد يكون الوحيد الذي كتب قصة عما لايحدث حين لا يحب اثنان بعضهما، وذلك في قصته المدهشة ” المعلمة”. وقد قام الأدب الروسي قبل تشيخوف برسم شخصيات إنسانية ثرية اتخذ منها أبطالا لقصصه، لكن تشيخوف كان أول من قدم ” اللا أبطال”، البشر الذين يجب علينا أن  نشير إلي ضعفهم لكن بحب ورفق وعطف، لكي نتجنب ذلك الضعف. من حين إلي آخر يلح علي موضوع ” الضفة الأخرى” التي تضع كل أديب خارج هذا السياق أو ذاك، فيحضرني من مسرحية ” بستان الكرز” لتشيخوف صوت الأمل الخافت في عالم جديد: ” تتهدل فيه على روح الانسان بهجة هادئة ، عميقة، كالشمس في الماء”.
  أحـــمـــد الــخــمــيــســـي

اترك تعليقا