الرئيسية » سياسة واقتصاد » العلاقات اليمنية الروسية : 90 عاما من التطور (3) – تثبيت النظام وإقامة علاقات حميمة مع عدن

العلاقات اليمنية الروسية : 90 عاما من التطور (3) – تثبيت النظام وإقامة علاقات حميمة مع عدن

رغم سعي النظام في صنعاء بعد نكسة يونيو/ حزيران 1967 الى انتهاج سياسة تقارب مع الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وألمانيا الغربية بعد إقصاء اول رئيس للجمهورية / عبدالله السلال من الحكم1967 الحليف لمصر عبدالناصر ورغم تسريح غالبية أنصار القاهرة وموسكو من المؤسسات والأجهزة الحكومية وخاصة الأمنية والعسكرية، استمرت موسكو على علاقة جيدة معه، حيث بلغ حجم التجارة في عام 1970 بين اليمن والاتحاد السوفيتي نسبة 22.5 من حجم التبادل التجاري الخارجي لليمن، والذي كان لوزير الخارجية انذاك الدكتور/ حسن مكي دورا كبيرا في زيادته من خلال مطالبة موسكو بتقديم كل العون والمساعدات العاجلة، العكسرية منها على وجه الخصوص، حيث بنت موسكو الكثير من المشاريع في قطاع الكهرباء والكيمياء والمعادن بما فيها معامل المجوهرات التي كان لها تأثير ايجابي على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في شمال اليمن[1].

25 اكتوبر/ تشرين الأول 1979 في الكرملين: الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف والامين العام للحزب الاشتراكي اليمني عبدالفتاح اسماعيل

بعد إعتراف موسكو باستقلال الجنوب في الثالث من ديسمبر / كانون الأول 1967 وظهور دولة فتية تحررية في جنوب الجزيرة العربية، تطورت العلاقة بشكل ديناميكي بين موسكو وعدن في مختلف المجالات، حيث تم توقيع أول إتفاقية للتعاون الإقتصادي والتقني بين البلدين في الـــ 9 من فبراير/ شباط 1969 والتي بموجبها تم ارسال الخبراء السوفيت الى عدن لإعادة تشكيل القوات المسلحة، الى جانب تقديم المعدات العسكرية المختلفة .

في الجانب الإقتصادي قدمت موسكو القروض المالية بدون فوائد، ساعدت على اجراء تحولات جذرية في الاقتصاد الوطني وأدت الى تحولات و تغيير جذري في اشكال الملكية لصالح القطاع العام – الحكومي-  والتعاني. بالإضافة الى ما قدمته من مساعدات ببناء المصانع والمعامل المختلفة ” دول المنظومة الإشتراكية ” قدمت موسكو المساعدات السخية للدولة والنظام في عدن وفي مختلف المجالات، والتي بفضلها ارتفع سرعة نمو الدخل الوطني فاقت سرعة النمو السكاني حيث ارتفع دخل الفرد الى الضعف [ 2 ].

ففي الجانب الثقافي- التعليمي، قدمت دول المنظومة الاشتراكية آلاف المنح الدراسية المجانية لتأهيل وإعداد الكوادر اليمنية وفي مختلف التخصصات وكان عدد المنح المقدمة من الاتحاد السوفيتي تفوق نصف عددها الاجمالي. كما يجب الاشارة الى دور المدرسة الحزبية، المقدمة هدية من الحزب الشيوعي السوفيتي للحزب الحاكم انذاك ،الحزب الاشتراكي اليمني في إعداد وإعادة تأهيل آلاف الكوادر الحكومية والسياسية والنقابية اليمنية والعربية[ 3 ].

وبفضل كل المساعدات الأممية في المجال التعليمي وبعد سنوات طويلة من الاهتمام بالتعليم العام من قبل الدولة في كافة مراحله، اعلنت منظمة اليونسكو( منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) في الـ 6 ابريل/ نيسان 1985 أن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية تحتل المرتبة الاولى في دول شبه الجزيرة العربية من حيث التعليم، وان نسبة الامية تساوي 2% من عدد السكان.

اما في الجانب الصحي، تحسنت الأوضاع وبسرعة بفضل التعاون الثنائي وارتفع عدد المستشفيات والمرافق الصحية بعد ان كانت هناك فقط أربع مستشفيات الى عام 1967 اي لكل 400 الف نسمة مستشفى واحد [4].

فتح التقارب السياسي والفكري بين موسكو وعدن، إضافة الى انتهاج الاخير سياسة دعم حركات التحرر الوطني المعادية للأنظمة الإستعمارية آفاق لتوسيع التعاون في العديد من المجالات، مما وسع فرص التنمية وجعل عدن أقرب الحلفاء الأستراتيجين لموسكو في العالم العربي، خصوصا بعد ان قطعت جمهورية الصومال الديمقراطية في نوفمبر/تشرين الثاني 1977 علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي وتم نقل كل المنشآت العسكرية السوفيتية من الاراضي الصومالية الى اراضي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وبناء الجانب السوفيتي لاحقا قاعدة ” العند الجوية العسكرية” التي استخدمها لعمليات الإستطلاع الحربي في المحيط الهندي ومراقبة التحركات العسكرية الغربية في منطقة الخليج العربي في فترة الحرب الباردة .

وبناء على المستوى العالي للعلاقات بين البلدين وصل الى عدن بزيارة رسمية رئيس مجلس الوزراء السوفيتي، الكسي كوسيغين في سبتمبر/أيلول 1979 للإستعداد لتوقيع اتفاية جديدة بين الجانبين . وبعد شهر من ذلك، اي في الــ 25 من اكتوبر / تشرين الأول وقعت في الكرملين اتفاقية جديدة للتعاون والصداقة بين البلدين، وقعها عن الجانب السوفيتي، الامين العام للحزب الشيوعي ليونيد برييجنيف (1906-1982) وعن الجانب اليمني، الامين العام للحزب الاشتراكي اليمني عبدالفتاح اسماعيل.

بعد توقيع هذه الإتفاقية بين موسكو وعدن ظهرت الى السطح صراعات الاجنحة في الحزب الاشتراكي اليمني وتحت ضعوط تلك الاجنحة قدم الأمين العام للحزب عبدالفتاح اسماعيل استقالته من منصبه وغادر الى موسكو في يونيو/ حزيران 1980 شبه منفيا. وتحت ضغوط القواعد والمنظمات الحزبية واغلب القيادات الحكومية الى عدن و انتخب في المؤتمر العام للحزب الى قيادته من جديد. الا ان صراع الاجنحة في الحزب استمر وبلغت ذروته في 13 يناير/كانون الأول 1986 ، حينها أصدرت القيادة السوفيتية بيان تحذيري شديدة اللهجة بعدم التدخل المسلح لاية جهة او دولة اجنبية مهما كانت، خصوصا عندما لوح النظام في صنعاء بالتدخل العسكري لإسقاط  النظام السياسي الحليف لموسكو.

النظام الحاكم في صنعاء آنذاك تمكن بشكل مسبق من اعداد آلاف المجاهدين الاسلامين المحترفين للقتل ومن جنسيات مختلفة للمشاركة في هذه الحرب المأساوية رغبة في اسقاط النظام . وحسب روايات شهود عيان في حينه كانوا المجاهدين و بدم بارد يقدمون على القتل بموجب الهوية التي تحدد منطقة الإنتماء. ومن خلال ذلك اراد نظام صنعاء الانتقام بسبب هزائمه المتكررة امام جيش الجنوب في الحروب االحدودية بين النظامين في اعوام 1972 و1979 وكذا امام قوات الجبهة الوطنية الديمقراطية 1978 في المناطق الوسطى، حيث صنف جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في تلك الفترة بأنه من اقوى جيوش المنطقة تأهيلا واكثرهم تطورا وتسليحا.

رأت الولايات المتحدة الامريكية ببيان موسكو التحذيري بعدم التدخل في حرب الرفاق المأساوية على انه تهديد سوفيتي لحلفائها في المنطقة مما جعل واشنطن تستخدم ذلك ذريعة لزيادة عدد افراد قواتها في شبه الجزيرة العربية.

المصادر :

1- مشاكل التطور الصناعي في الجمهورية العربية اليمنية مع الاخذ بعين الاعتبار تجارب دول اسيا الوسطى السوفيتية وبعض البلدان المتقدمة (الاطروحة العلمية) – حمود عبدالجبار سلام – موسكو- 1984

 2- خواص التخطيط الإقصادي والإجتماعي في بلدان التوجه الإشتراكي(الاطروحة العلمية) – اليمن الديمقراطي مثالا – رائد احمد نادر علي – موسكو – 1985

3- تاريخ التعاون الثقافي بين اليمن والإتحاد السوفيتي ( بداية الثلاثينات – نهاية الثمانينات من القرن العشرين (الاطروحة العلمية) – عبدالله لملمس – موسكو – 2002

 4– البحث الإقتصادي – الاحصائي لتطور الإنتاج الوطني في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (الاطروحة العلمية) – محمد بن محمد العجرة – موسكو – 1990

بقلم د. صادق النويني

اترك تعليقا