الرئيسية » سياسة واقتصاد » العلاقات الروسية المصرية

العلاقات الروسية المصرية

روسيا على مدى سنوات عديدة كانت تربطها علاقات شراكة ودية مع مصر. فقد شارك أخصائيون سوفياتيون في بناء منشآتها الصناعية الكبيرة – حوض بناء السفن في الإسكندرية، ومجمع التعدين في حلوان، ومصنع الألمنيوم في نجع حمادي، ومصنع الطاقة الكهرمائية في أسوان. ومن بين المشاريع الواعدة ذات الاهتمام المشترك بين البلدين، تحديث المرافق التي تم بناؤها بمشاركة المتخصصين السوفييت، وإنشاء منطقة صناعية خاصة لإنتاج الآلات الزراعية الروسية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مصر. وتشمل خطط التعاون الثنائي تفعيل شركات صناعة السيارات الروسية وإنتاج السيارات لمصر، وتوريد الغاز الطبيعي من جازبروم، ومشاركة روساتوم في إمكانية إنشاء محطة للطاقة النووية. الصادرات الروسية إلى مصر تتكون من النفط والمنتجات النفطية، والخشب والمنتجات المصنوعة منه، والمعادن الحديدية، والحبوب. ومصر تصدر إلى روسيا أساسا الحمضيات والبطاطا، الخ. وهي أيضا وجهة مفضلة لقضاء العطلات للسياح الروس.

منذ عام 2001، شاركت شركة النفط الروسية LUKOIL Overseas في مشروع تعدين في منطقة الغردقة، حيث تشارك الشركة بنشاط في الاستكشاف الجيولوجي، وحيث تم العثور على حقول ذات إنتاجية عالية. في فبراير 2006، تم افتتاح شركة لادا مصر لصناعة السيارات (الآن شركة الأمل)، التي يملكها مستثمر مصري، في ضواحي القاهرة. تصدر شركة “AvtoVAZ”  أجزاء السيارات لتجميع عدد من الموديلات[i].

ويشكل التفاعل الثقافي جزءاً لا يتجزأ من العلاقات الثنائية بين روسيا ومصر. ففي كل عام، تقبل مصر الطلاب للتدرب الداخلي من مختلف معاهد وجامعات روسيا. وهناك برامج تدريب وتبادل خاصة مع ممثلي المنظمات الإسلامية في روسيا. في عام 2006، فتحت الجامعة المصرية الروسية (ERU) أبوابها.

وتهتم القيادة المصرية بزيادة شراء الأسلحة من روسيا. ففي عام 2014 تم الاتفاق على عقود بمبلغ 3 مليارات دولار، بما في ذلك مقاتلات من طراز ميج 29 ومجمع للدفاع الجوي وطائرات هليكوبتر من طراز Mi-35 وأسلحة أخرى.

ويتخذ الجانب الروسي خطوات لتبسيط استيراد المنتجات الزراعية إلى السوق الروسية. كما أن هناك معلومات حول أن بلدان رابطة الدول المستقلة، الأعضاء في الاتحاد الجمركي، تستكشف إمكانية إنشاء منطقة تجارة حرة مع مصر.

إن موقف روسيا الثابت من الأحداث في سوريا، والبحث عن طرق لتحقيق السلام في هذا البلد من قبل الدبلوماسية الروسية أجبرا الدول العربية، بما فيها مصر، على إلقاء نظرة جديدة على روسيا الحديثة، نظرة احترام ورغبة في بناء شراكة أوثق. فالعديد من المشاريع الاقتصادية في مصر، وعلى وجه الخصوص شراء أسلحة من روسيا، بدأت تموله المملكة العربية السعودية، بما أن مصر لن تكون قادرة قريبا على التغلب على الأضرار الاقتصادية كبيرة التي سببها للبلد الربيع العربي وتغيير السلطة لاحقاً.

إن هذه الاتفاقيات ومشاركة بلدان أخرى فيها تحقق مستوى جديداً من الشراكة الاقتصادية الخارجية في هذه المنطقة. ويمكن القول بكل تأكيد أن النمو السريع لنفوذ روسيا وتأثيرها في العالم، وخاصة في الشرق الأوسط، سيسهم في تقوية الروابط التجارية والاقتصادية بين الدول وتحقيق الاستقرار في المنطقة.

من الناحية السياسية، كانت مصر دائما دولة رائدة في الشرق العربي. فمصر الواقعة على مفترق طرق بين مختلف الحضارات، تسعى عادة لانتهاج سياسة الرشيدة وحكيمة ومتزنة – سواء في الشرق الأوسط الكبير والقارة الأفريقية أو في العالم كله. وتتفاعل روسيا ومصر حاليا بنشاط ليس فقط في المجال الاقتصادي، ولكن أيضا في مجال السعي لإيجاد حلول دبلوماسية لتطبيع الوضع الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط بأكملها وفي نطاق الأزمة السورية، على وجه الخصوص. ومصر تأمل في استعادة مكانتها السابقة كزعيمة للعالم العربي، تلك التي خسرتها في سياق أحداث الربيع العربي، والتخلص من دور المراقب الصامت الذي تفرضه عليها السعودية.

في سبتمبر 2016 في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعرب وزير الخارجية المصري سامح شكري علنا ​​دعم موقف روسيا بشأن سوريا أي عدم الرغبة في التركيز فقط على تغيير النظام في سوريا، من دون أن يؤخذ بعين الاعتبار رأي الشعب السوري. وكان هذا التصريح بمثابة تأكيد رسمي لتغير آتٍ في ميزان القوى في المنطقة. فقد بدأت دول الشرق الأوسط الكبير في الانخراط في “بناء” “خريطة” جديدة للمنطقة. فهي غير راضية عن دورها السابق كحلفاء مطيعين للغرب. وأقنع موقف روسيا الواضح من سوريا قادة دول الشرق الأوسط بالحاجة إلى المشاركة الفعالة في حياة الدول المجاورة. وإلا، فإن الحرب الأهلية في ليبيا قد تكرر نفسها في الشرق الأوسط، حيث يمكن أن يؤدي ذلك، في ظل التكوين السكاني المتعدد الطوائف، إلى كوارث جديدة وعواقب مأساوية تشكل تهديدا للعالم بأسره[ii].

لقد دفعت أسعار النفط المستقرة لسنوات عديدة، واستقرار السلطة الملكية في المملكة العربية السعودية البلدان المجاورة إلى طلب الدعم (المالي والعسكري) من هذا البلد المؤثر. بيد أن المملكة العربية السعودية ليست ضامنة للاستقرار في المنطقة بسبب مشاكلها الاقتصادية والسياسية الداخلية الصعبة (الخلافات حول مسألة الوريث في النظام الملكي، واستياء الأمراء الشباب من أنهم لا يتم إشراكهم في حل العديد من الشؤون العامة، وغيرها). وإن رفع العقوبات المفروضة على إيران ومشاركة إيران الفعالة في عملية بناء استراتيجية جديدة للسياسة الخارجية في المنطقة – بما في ذلك البحث عن إمكانيات نقل جديدة (ممر النقل الدولي)، وتنويع الإمكانيات الاقتصادية الإيرانية) أمور تجذب المزيد والمزيد من الدول المجاورة، وتسهم في تشكيل تكوين جيوسياسي جديد في منطقة الشرق الأوسط الكبير.

إن مصر قلقة للغاية بشأن اعتمادها على الاقتصاد وإمدادات الطاقة من المملكة العربية السعودية، ولهذا السبب، قررت القيادة المصرية تنويع إمدادات الهيدروكربون إلى بلادها – بما في ذلك من إيران.

فوز ترامب في انتخابات الرئاسة الامريكية ولد في بلدان الشرق الأوسط الكبير أملاً في تغيير السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة، وأن الإدارة الجديدة التي تولت السلطة في الولايات المتحدة ستجد النهج المناسب لحل المشاكل المعقدة والمتعددة الأوجه في الشرق الأوسط. كما يتوقع قادة دول الشرق الأوسط الكبير أن تسود مقاربات متزنة في سياسة الولايات المتحدة، الأمر الذي سيساعد على إيجاد طرق جديدة لتسوية المشكلة الليبية، والأزمات والصراعات السورية وغيرها من الأزمات الحادة.

وسيكون على مصر أن تلعب دورا هاما في “إعادة صياغة” مشروع الشرق الأوسط الكبير المقبل، وحل النزاعات العنيفة في المنطقة، دوراً يمكن أن نقول على وجه اليقين أن مصر ستسعى للعبه، وستنهج سياسة مستقلة مدروسة. وإنه لجدير ذكره في هذا الصدد رأي بعض السياسيين الليبراليين في مصر الذين يعتقدون أنه لا يزال من المبكر جدا لبلادهم بناء علاقات كاملة ومديدة مع روسيا. فيزعمون أن من الضروري، في البداية، استعادة الاقتصاد، وعندئذٍ فقط الانخراط في البحث عن شركاء استراتيجيين. وبهذه الصفة، لا ينظر هؤلاء السياسيون إلى روسيا إلا كمساعد في بناء محطات الطاقة النووية[iii]. لكن هذا المنطق لم يكن له أن يسود لا في مصر ولا في البلدان الأخرى في المنطقة. فالناس هناك تستند إلى حقيقة أن روسيا كانت دائما شريكا وصديقا استراتيجيا لبلدان الشرق الأوسط، وليس من قبيل الصدفة أن تكون الثورة في روسيا هي التي دفعت بلدان الشرق إلى النضال بنشاط من أجل حقوقها، والاتحاد السوفياتي عارض دائما النظام الاستعماري. وإن توسيع رقعة الروابط السياسية والعلاقات الاقتصادية والثقافية مع روسيا من شأنه أن يسهم في ازدهار البلدان العربية وتحقيق نموها اقتصاديا، وتعزيز الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط برمتها.

[i]  http://www.tass.ru/info/1754021

[ii] https://www.ria.ru/politics/20140812/1019785557.html

[iii] http://english.alarabiya.net/en/views/news/middle-east/2017/01/26/Egypt-Russia-relations-Reviving-the- unstable.html

 

بقلم ماريا فولودينا

ترجمة ميشال يمّين

اترك تعليقا