الرئيسية » سياسة واقتصاد » الشراكة الاستراتيجية الاماراتية الروسية :  قفزة جديدة في العلاقات العربية – الروسية

الشراكة الاستراتيجية الاماراتية الروسية :  قفزة جديدة في العلاقات العربية – الروسية

أطلق الشيخ محمد بن زايد و الرئيس فلاديمير بوتين ، خلال زيارة العمل التي يقوم الشيخ محمد بن زايد لموسكو في 1 حزيران 2018 ،  مرحلة جديدة نوعياً في علاقات البلدين بعد التوقيع على إعلان « الشراكة الاستراتيجية » بين جمهورية روسيا الاتحادية و دولة الإمارات العربية المتحدة  في إطار خطط ثنائية لتطوير التبادل التجاري وتعزيز الاستثمارات المتبادلة و تدشين تعاون أوسع في كل المجالات .

ينص إعلان الاتفاقية على إنشاء شراكة استراتيجية للعلاقات القائمة بين دولة الإمارات و روسيا الاتحادية تشمل المجالات التالية : المجال السياسي والأمني والتجاري والاقتصادي والثقافي إضافة إلى المجالات الإنسانية والعلمية والتكنولوجية والسياحية.

وأوضحت الوثيقة أن جمهورية روسيا الاتحادية و دولة الإمارات العربية المتحدة ستشجعان لهذا الهدف تبادل الزيارات لرؤساء الدولتين وحكومتيهما وأعضاء البرلمانين ورؤساء الوزارات، بالإضافة إلى عقد مشاورات دورية بين وزارتي الخارجية للبلدين وترتيب الاتصالات والعلاقات بين أقاليمهما والتنسيق في إطار الأمم المتحدة.

واتفق الجانبان ، حسب الوثيقة ، على دعم تقوية دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في تعزيز السلم والأمن الدوليين وكذلك إكمال قدرات المنظمة الدولية على منع الأزمات والنزاعات الدولية وتسويتها.

و جاء في اتفاقية الشراكة الاستراتيجية أن ” الطرفان يؤكدان السعي للتعاون في مجالات أخرى بما فيها المجال الصناعي”، مشيرة إلى أن أحد آليات التعاون في هذا المجال “استمرار التنسيق فيما يخص وضع سوق الألمنيوم ، في إطار مجموعة العمل للتعاون في مجال صناعة الألمنيوم “.

و نصت الوثيقة على أنه : ” يعرب الجانبان عن عزمهما العمل على تعزيز وتنمية التعاون السياسي في القضايا الثنائية والإقليمية الرئيسية ، بما في ذلك في إطار الحوار الاستراتيجي بين روسيا – مجلس التعاون الخليجي ، وصيغة التعاون الروسية – العربية، على أن يعزز الطرفان التعاون في مجال الأمن والدفاع عن طريق تفعيل المشاورات بين الهيئات المختصة للدولتين “.

وأضافت الوثيقة : ” يؤكد الطرفان السعي للتعاون في مجالات عدة منها توسيع التعاون في مجال الطاقة المتجددة ” ، مشيرة إلى أن الطرفين سيواصلان التعاون في الاستخدام السلمي للطاقة النووية من أجل خلق مصدر طاقة خال من الكربون ، بما في ذلك في مجال تبادل الخبرة و إجراء تجارب علمية و تقنية مشتركة والعمل في مجال بناء المفاعل النووي”.

و اتفقت كل من جمهورية روسيا الاتحادية و دولة الإمارات العربية المتحدة  في هذه الوثيقة كذلك على الإسهام المشترك في عملية تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. حيث جاء في إعلان الشراكة المشتركة بهذا الصدد : ” سيسهم الجانبان بشكل نشط في عملية نزع السلاح على المستويين الدولي والإقليمي ، خاصة عن طريق تعزيز نظام حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل والتكنولوجيا المرتبطة به “. و أعلنت الدولتان في هذا السياق ” أنهما ستنسقان الجهود الرامية إلى تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل “.

يعزز هذا الإعلان سبل الحوار والمشاورات حول القضايا الثنائية والإقليمية والدولية الرئيسية ذات الاهتمام السياسي المتبادل .كما و يترجم توقيع الإعلان حرص دولة الإمارات وروسيا الاتحادية على رفع مستوى العلاقات المتعددة الجوانب بين البلدين إلى مستويات الشراكة الاستراتيجية في كل من المجالات ذات الاهتمام المشترك. كما و يتضمن الإعلان إجراء المشاورات بشكل منتظم بين وزيري خارجية البلدين بغرض تنسيق المواقف حول القضايا ذات الاهتمام المتبادل .

يعكس هذا الأمر ، في حقيقته ،  إلى رغبة مشتركة من الجانبين بنقل العلاقات بين الدولتين إلى مرحلة جديدة ، إذ تم التركيز خلال اللقاء الثنائي الذي الجمع الشيخ محمد بن زايد مع الرئيس فلاديمير بوتين على ملفي العلاقات الثنائية وآليات تعزيزها ، و ملفات السياسة الدولية ، مع إشارة الكرملين إلى أن مواقف البلدين « متطابقة أو قريبة جدا » في كل الملفات المطروحة والحيوية ، مما يرفع من منسوب أهمية تعزيز التنسيق الروسي – الإماراتي في الملفات المختلفة مما نقلة نوعية مهمة وكبرى وخطوة واسعة في العلاقات الراسخة بين الإمارات وروسيا، فهي تعني تقارباً أقوى بين البلدين .

 يشكل هذا الأمر ، دليلاً اضافياً إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة  تسهم باستمرار في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم من خلال تعاونها الإيجابي مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة و من بينها جمهورية روسيا الاتحادية التي تربطها علاقات و مصالح قوية و تاريخية بمنطقة الشرق الأوسط و الخليج العربي ، و أن دولة  الإمارات العربية المتحدة ترغب في التعاون مع كل العالم من أجل ضمان مستقبل واعد للشرق الأوسط . فالإمارات لديها قناعة بأن روسيا دولة كبرى لها دورها المحوري والمهم في تحقيق الأمن والاستقرار إقليمياً وعالمياً.. والإمارات تسعى بكل قوتها وجهودها للإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار بالمنطقة والعالم بالتعاون المثمر والبنّاء مع القوى الإقليمية والدولية .

ينعكس هذا التنسيق في تحقيق نمو العديد من المصالح المشتركة التي تربط بين دولة الإمارات العربية المتحدة و جمهورية روسيا الاتحادية ويأتي على رأسها موقف البلدين الثابت والحاسم بشأن مواجهة ظاهرة الإرهاب و التطرف باعتبارها تشكل تهديداً عالمياً يستهدف الكل دون استثناء ، وهذا الأمر يتطلب مزيداً من التنسيق و التعاون الدولي و الإقليمي لمواجهة خطرها على الأمن والاستقرار العالميين.في هذا الاطار يأتي ” معنى و أهمية الشراكة الاستراتيجية مع روسيا ” حيث ان دولة الإمارات العربية المتحدة ،  تحث الخطى في رسم معالم سياسة خارجية متفردة ومتنوعة ، مؤكدة على موقف سياسي منفتح مع دول العالم ؛ ترسيخاً لمبدأ السلام الذي تؤمن به قولاً وفعلاً ، و ترسيخ قيم المصالح المشتركة بما يعزز الأمن والسلام الدوليين.

 من هنا أهمية عقد هذا الاجتماع بين الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والرئيس فلاديمير بوتين في موسكو ياتي تتويجاً لهذه المبادئ، وترسيخاً لعلاقات ثنائية مميزة في مختلف المجالات ، تم رسم خطوطها العريضة في إعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. هكذا ،  فإن دولة الإمارات إذ تقدم نموذجاً في العلاقات الدولية من خلال إعلان الشراكة الاستراتيجية مع روسيا ، إنما تستلهم هذا الدور من سياسة ثابتة تأسست عليها في نهج الحياد الإيجابي مع مختلف دول العالم ، واضعة مصلحة الإمارات و شعبها كأولوية مطلقة ، دون ارتهان أو قيود على سياستها وسيادتها ومبادئها… هي شراكة تبادل مصالح بين بلدين وشعبين تصب في خدمتهما، وتعزز العلاقات الثنائية والدولية .

إن السياسة الخارجية  الإماراتية المتوازنة ، والتي تقوم على الشفافية والوضوح وإعلاء شأن القانون الدولي واحترام سيادات الدول ،  قد عززت المكانة العالمية التي تحظى بها ، والموقع الذي جعلها شريكاً رئيسياً “سياسياً واقتصادياً” لأقوى الدول ، من منطلق الاحترام والتعاون ، و ما تمثله الدولة من قوة تعزز موقعها على الخارطة العالمية عبر قفزات نوعية تؤكدها جميع المؤشرات ، بحيث باتت خلال زمن قصير من القوى الفاعلة وطرفاً أساسياً في جميع الشراكات بين الكبار ،  وذلك نتيجة رؤية حكيمة و سياسة متقدمة تنتهجها القيادة الرشيدة في رسم علاقات الإمارات مع جميع الدول الهادفة للتنمية والتقدم والاستعداد للمستقبل .

و قد لفت الرئيس فلاديمير بوتين خلال لقائه بالشيخ محمد بن زايد ، إلى أن فتح آفاق جديدة للتعاون بين موسكو وأبوظبي قد ساهم بشكل أساسي في تعزيز العمل المشترك كما هو الحال في مجال الطاقة  حيث ساهمت الجهود المشتركة بين روسيا الاتحادية و دولة الإمارات و المملكة العربية السعودية ودول منظمة أوبك على تحقيق النجاحات والاستقرار في أسواق النفط العالمية .

وكانت العلاقة بين روسيا والإمارات تطورت بشكل متسارع خلال العقدين الأخيرين منذ أن انطلقت العلاقات بين البلدين يوم 8 كانون الأول 1971، و تم في 1986 افتتاح السفارة الروسية في أبوظبي ، فيما تم افتتاح السفارة الإماراتية في موسكو عام 1987.

تتمثل أبرز اتفاقيات التعاون بين البلدين اتفاقية التعاون القنصلي الخاصة بتسهيل تأشيرات الدخول . وغدت الإمارات أول بلد عربي يطور التعاون الواسع مع روسيا في مجالات الاستثمارات المتبادلة والتبادل التجاري والتصنيع المشترك لعدد من التقنيات بينها تقنيات عسكرية . ومنذ شهر أيلول 2007 تلقى التعاون دفعات متواصلة ، وزاد حجم التبادل التجاري بين البلدين من مليار دولار عام 2010 إلى أكثر من 3.7 مليار دولار في العام 2015. هنا لا بد من الإشارة إلى أن استثمارات الإمارات في الاقتصاد الروسي بلغت قرابة 6 مليارات دولار، و أن هذا الرقم لا يتماشى مع إمكانات البلدين الضخمة. بعد التوقيع على إعلان « الشراكة الاستراتيجية » بين روسيا والإمارات ، سيسمح هذا الأمر لجهازي الاستثمار في البلدين ، الدخول في حوار متواصل لتحديد مشروعات جديدة للاستثمار، على أن تتم في مختلف المجالات.

وتم الإعلان في 2013 عن إنشاء صندوق استثماري مشترك بين الإدارة المالية لأبوظبي وصندوق الاستثمار الروسي المباشر في مختلف قطاعات الاقتصاد الروسي. وتم منذ العام 1994 تأسيس لجنة حكومية للتعاون الدولي بين روسيا والإمارات في مجال التجارة والتعاون الاقتصادي والفني، ومنذ سبتمبر 2005، بدأ مجلس الأعمال الروسي الإماراتي عمله. مما أدى إلى زيادة حركة التبادل السياحي و التجاري ، حيث أن قرابة 600 ألف سائح روسي يزورون الإمارات سنوياً ، وأن هناك قرابة 100 رحلة طيران تنفذ بين البلدين أسبوعياً، في دلالة على أهمية السائح الروسي بالنسبة للإمارات.

كما أن التعاون العسكري التقني يتطور بين البلدين باطراد. ففي الفترة من العام 2000 إلى 2014، تلقت الإمارات العربية المتحدة أسلحة ومعدات عسكرية بقيمة 714 مليون دولار من منتجات وزارة الدفاع الروسية.

********************************

اترك تعليقا