الرئيسية » سياسة واقتصاد » السياسة الخارجية المصرية تجاه أوروبا في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي

السياسة الخارجية المصرية تجاه أوروبا في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي

تتحرك السياسة الخارجية المصرية في عدد من الدوائر التي تفرضها عليها عوامل كالطبيعة الجغرافية واعتبارات الهُوية والأمن القومي ومن أهم هذه الدوائر الدائرة الأوروبية، فقد حرصت مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي على علاقاتها مع أوروبا ويأتي هذا النهج مكملا لنهج واضح في سياسة مصر الخارجية الذى تم تدشينه والذى تأسس على تحقيق التوازن مع كافة القوى والدوائر استنادا لمبدأ أصيل قوامه استقلالية القرار المصري والحفاظ على مصالح الدولة والشعب.

تعد العلاقات المصرية الأوروبية مهمة لا غنى عنها، فأوروبا هي الشريك التجاري الأكبر لمصر، ومصدر مهم للاستثمار الاجنبي في المجالات المختلفة، وتعول القاهرة كثيرًا عليها في استثماراتها، كما يوجد عدد من الاتفاقيات والبرامج المبرمة بين الجانبين بما في ذلك اتفاقيات المساعدات والمنح المقررة لمصر على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي أيضا.

ومن ناحية أخرى فإن الاتحاد الاوروبي يعتبر مصر مهمة له من زاويه الاستقرار السياسي الذي ينعكس على الهدوء علي ضفتي المتوسط، ويتخوف من انتشار أعمال العنف وانتعاش التطرف الديني سواء من داعش أو القاعدة.

يحاول هذا التقرير تقييم السياسة الخارجية لمصر في عهد الرئيس السيسي مع أوروبا؛ بالتركيز علي اهداف السياسة الخارجية لمصر تجاه أوروبا، والجهود التي بذلتها الدولة المصرية لتحقيق تلك الاهداف، وما الذي حققته تلك السياسة حتي الان؟

أهداف السياسة الخارجية لمصر تجاه أوروبا:

1-جذب الدعم الأوروبي لجهود التنمية الاقتصادية في مصر.

2- محاولة مصر دفع الاتحاد الأوروبي للعب دور أكبر في القضايا المشتركة.

أولا: جذب الدعم الأوروبي لجهود التنمية الاقتصادية في مصر:

1-العلاقات الاقتصادية:

ترتبط مصر مع الاتحاد الأوروبي على المستوى التعاقدي، باتفاق المشاركة المصرية الأوروبية الذى دخل حيز النفاذ في يونيو 2004، كما تأتي الحصة الأكبر من جميع الاستثمارات الأجنبية المباشرة المعلن عنها في مؤتمر التنمية الاقتصادية في مصر المنعقد في مارس 2015 مع الاتحاد الأوروبي، وقد بلغ إجمالي المساعدات المستمرة التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لمصر والموجهة من خلال المساعدات الثنائية ما يقرب من 1.1 مليار يورو. وتكون جميع المساعدات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لمصر في شكل منح. وتعتبر الآلية الأوروبية للجوار الجديدة هي الآلية المالية الرئيسية لتعاون الاتحاد الأوروبي مع مصر.

وقد زادت التجارة الثنائية في السلع بأكثر من الضعف، حيث وصلت إلى 27.7 مليار يورو في عام 2015. ولا يزال الاتحاد الأوروبي هو سوق التصدير الأهم لمصر، حيث يبلغ حجم الصادرات المصرية حوالي 29.4%. وقد بلغت الصادرات المصرية إلى الاتحاد الأوروبي 7.2 مليار يورو في عام 2015.

كما سعت مصر إلى الحصول على دعم جهودها لتحقيق الاستقرار والتنمية الشاملة في إطار إستراتيجية التنمية المستدامة 2030، وتعزيز جهود الحكومة المصرية في تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، وهو ما ترجم إلى اعتماد وثيقة أولويات المشاركة بين الجانبين بعد اجتماع مجلس المشاركة الأوروبية في 25 يوليو 2017، وتوقيع وثيقة إطار الدعم الموحد بقيمة 500 مليون يورو، خلال زيارة المفوض الأوروبي لسياسة الجوار والمفاوضات التوسيع إلى مصر في 30 أكتوبر 2017.

شهدت العلاقات  المصرية الأوروبية على المستوى الثنائي نشاطا ملموسا خلال فترة الرئيس عبد الفتاح السيسي، خاصة علي الصعيد الاقتصادي، حيث سعت مصر لجذب الاستثمارات الأوروبية، من خلال مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي في مارس 2015، وإبرام عقود إنتاج الكهرباء مع شركة سيمنز الألمانية، وتم فتح ملف ترسيم الحدود البحرية مع اليونان وقبرص، ووقعت مصر وقبرص واليونان في 29 أبريل 2015، إعلان نيقوسيا الذي تضمن الالتزام بآلية التشاور الثلاثية بشأن احتياطيات النفط والغاز في شرق البحر المتوسط.

فرنسا: تم ترجمة العلاقات مع فرنسا علي المستوي الاقتصادي بإنشاء المجلس الرئاسي المصري الفرنسي في 25 إبريل 2006 والذي عمل منذ إنشائه على دعم التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين ونقل الخبرات والتكنولوجيا الصناعية لدى الجانب الفرنسي إلى كافة الجهات المصرية المعنية، وقد بلغ إجمالي حجم صادرات مصر عام 2016 حوالي 492.6 مليون يورو مقارنة بإجمالي صادرات عام 2015 الذي بلغ 472.75 مليون يورو وبنسبة نمو بلغت 4.19% ، وفيما يتعلق  بواردات مصر من فرنسا فقد بلغ الإجمالي 1534.7 مليون يورو عام 2016 مقارنة بإجمالي ورادات 2110.7 مليون يورو عام 2015 وبنسبة انخفاض بلغت 27.28%، وقد اتسع الحضور الاقتصادي الفرنسي في مصر في 160 فرعًا لمنشآت فرنسية توظف أكثر من 30000 شخص.

كما توجت زيارة الرئيس الفرنسي “فرانسوا أولاند” الأولي للقاهرة في أبريل 2016  بالتوقيع علي 18 اتفاقية باستثمارات تقدر بـ 2 مليار يورو، تصب في إطار تعزيز العلاقات بين البلدين بكافة المجالات.

إيطاليا: حققت معدلات التبادل التجاري بين مصر وايطاليا زيادة كبيرة خلال عام 2017 بنسبة بلغت 30%، حيث ارتفع حجم التجارة البينية بين البلدين إلى 1.3 مليار يورو مقابل مليار يورو خلال نفس الفترة من عام 2016، وارتفعت صادرات مصر غير البترولية إلى السوق الإيطالي خلال عام 2017 بنسبة 39% لتصل إلى 367 مليون يورو مقارنة بنحو 264 مليون يورو خلال نفس الفترة من عام 2016.

تبدى إيطاليا اهتماما كبيرا بالكثير من المشروعات داخل مصر، من خلال مشاركتها في تنفيذ الكثير من المشروعات القومية الكبرى، خصوصا في إطار تنمية محور قناة السويس، حيث اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي في 9 نوفمبر 2014  بالسيد “هيرينكنشت” مؤسس ورئيس مجلس إدارة أكبر شركة ألمانية متخصصة في تصميم وتصنيع ماكينات حفر وبناء الأنفاق، إلى جانب مشروعات في مجال البتروكيماويات ومكونات السيارات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

بلغ عدد الشركات الإيطالية التي تعمل في مصر 1.052 شركة، ومساهمة هذه الشركات في رأس المال المصدر بقيمة 1.675 مليار دولار، منها ٣٥٩ شركة بالقطاع الخدمي، و٣١٠ شركة بالقطاع الصناعي، و١٣ شركة بقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وتتوزع الاستثمارات الإيطالية في مصر على عدة مجالات، منها نحو 1.5 مليار دولار تخص أكثر من 900 شركة، في مجالات الصناعة والخدمات والتمويل وتكنولوجيا المعلومات والمقاولات والزراعة  بشكل رئيسي، إلى جانب الاستثمارات في مجالات الغاز، والتي تشمل شركتي “إيني” المشاركة في اكتشاف حقل “ظهر”، وشركة “إديسون” في منطقة أبو قير، بما يصل بحجم الاستثمارات الإجمالي إلى نحو 9 مليارات دولار.

ألمانيا: بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وألمانيا عام 2016 حوالي 5 مليارات و567 مليون  يورو بزيادة 10 % عن عام 2015 كما بلغت الاستثمارات الألمانية في مصر حتى يناير 2017 نحو 619.2 مليون دولار في قطاعات المواد الكيماوية وصناعة السيارات والاتصالات والحديد والصلب والبترول والغاز والأدوات الصحية ومكونات السيارات حيث تحتل ألمانيا المركز الـ20 في قائمة الدول المستثمرة في السوق المصرية، كما يوجد في مصر 935 شركة ألمانية أو ألمانية مشتركة تستثمر ما يقرب من 2 مليار و430 مليون يورو في السوق المصري. يعتبر الشق التنموي من أهم محاور العلاقات المصرية الألمانية، حيث استضافت القاهرة في ديسمبر 2014 الدورة الأخيرة للمشاورات الحكومية الخاصة بالتعاون الاقتصادي والفني لمناقشة برنامج المساعدات التنموية الألمانية الموجهة لمصر والبالغ قيمتها 353.88 مليون يورو.

بريطانيا: تشهد العلاقات الثنائية بين مصر وبريطانيا تطوراً كبيراً، حيث وصلت هذه العلاقة في الاعوام الاخيرة الى أفضل مستوياتها، حيث بلغت الصادرات المصرية إلى بريطانيا 655 مليون استرليني في عام 2016، بينما سجلت التجارة البينية بين البلدين نحو ملياري استرليني، في حين بلغت الصادرات البريطانية إلى مصر 1.22 مليار استرليني في عام 2016، بارتفاع عن عام 2015 الذى سجل 950 مليون استرليني.

German Chancellor Angela Merkel and Egypt’s President Abdel Fattah al-Sisi shake hands following a news conference at the Chancellery in Berlin, Germany June 3, 2015. REUTERS/Fabrizio Bensch

تنوعت الصادرات المصرية إلى بريطانيا ما بين البترول إلى المواد الخام؛ بنسبة 39% من المنتجات البترولية، والأجهزة الكهربائية والمولدات والسيارات وأجهزة أخرى بنسبة 21%، والنسيج والمنتجات المصنعة بنسبة 17%، والمنتجات الزراعية والغذائية والمشروبات بنسبة 14%، والمواد الكيماوية والأدوية بنسبة 9%، وتبلغ واردات بريطانيا إلى مصر نحو 5% من منطقة الشرق الأوسط.

سجلت الاستثمارات البريطانية في مصر 7 مليار دولار عام 2017 ، كما شهد عام 2016 جيلاً جديداً من الاستثمارات البريطانية في مصر، في  العديد من المجالات المختلفة، وبلغت قيمة استثمارات البريطانية في مصر بـ30.5 مليار دولار منذ 2011، كما ارتفعت السياحة البريطانية إلى مصر في 2017 بزيادة تُقدر بـ ٦٠٪ عن عام 2016.

2-العلاقات السياسية:

كان لاستكمال مصر كافة الاستحقاقات والانتهاء من خارطة الطريق التي وضعت في 3 يوليو 2013 خطوة مهمة في عملية التحول السياسي ولاستئناف اجتماعات الحوار المؤسسي التي حددتها اتفاقية الشراكة المبرمة عام 2004، والتي توقفت مؤقتًا عقب ثورة يناير 2011، وذلك عقب إقرار الدستور الجديد في يناير 2014، وعقد الانتخابات الرئاسية في مايو 2014 والانتخابات البرلمانية في ديسمبر 2015، وانعقاد البرلمان المصري في يناير 2016.

وتمثل اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومصر الإطار المقرّر للحوار السياسي المنتظم بين الشريكين وتعزيز التعاون في عدد من المجالات الرئيسية بدءًا من التجارة والاستثمار إلى مجال الطاقة والتعليم بالإضافة إلى المساعدات الكبيرة التي يقدمها الاتحاد الأوروبي لجهود الإصلاح التي تقوم بها مصر.

تركز سياسة الجوار الأوروبية بصيغتها التي أقرها المجلس الأوروبي في ديسمبر 2015، على استقرار البلدان الشريكة باعتبارها الأولوية السياسية الرئيسية. وقد عمل الاتحاد الأوروبي ومصر على تحديد الأولويات المشتركة للشراكة خلال السنوات القادمة، وذلك لوضع سياسة الجوار الأوروبية موضع التنفيذ.

وقد سارت العلاقات الثنائية بشكل طبيعي على مستوى القمة والوزراء والوفود البرلمانية وحضور مؤتمرات، حيث بلغ عدد الزيارات بين مصر وفرنسا خلال الفترة من يوليو 2014 حتى ديسمبر 2017 حوالي 30 زيارة، في حين وصل عدد الزيارات بين مصر وألمانيا إلى 35 زيارة، وبين مصر وبريطانيا 20 زيارة، وبين مصر وإيطاليا 32 زيارة، مما يعكس رغبة الطرفان في حل مشكلة مقتل الباحث جوليو ريجيني في فبراير 2016، حيث تخطت كلا الدولتين هذه الأزمة.

كما تم خلال هذه الزيارات تعزيز التشاور على المستويين السياسي حيال مجمل الأوضاع التي تشهدها المنطقة العربية، وخاصة بملفات سوريا وليبيا والعراق، إضافة إلى سبل دفع عملية السلام بعد اتفاق المصالحة التاريخي الذي جرى توقيعه في القاهرة. فضلاً عن تحديد السياسات التي يتعين اتخاذها من أجل مواجهة تصاعد التيارات الأصولية المتطرفة، سواء في منطقة القرن الأفريقي أو شمال أفريقيا، وانعكاساتها على أمن البحر المتوسط.

3-العلاقات العسكرية:

وقعت مصر عدد من الاتفاقيات مع الدول الأوروبية على المستوى العسكري، لعل أهمها التوقيع مع فرنسا في 16 فبراير 2015على عدد من الاتفاقيات في مجال التسليح، التي تقوم بموجبها فرنسا بتوريد 24 طائرة مقاتلة من طراز “رافال” وفرقاطة متعددة المهام من طراز “فريم” لمصر، فضلاً عن تزويد القوات المسلحة بالأسلحة والذخائر اللازمة للطائرات والفرقاطة، كما تسلمت مصر حاملتي المروحيات “جمال عبدالناصر” و “أنور السادات” من طراز “ميسترال” في 2016 والتي تعتبر من احدث السفن تتطورا على مستوى العالم.

 تسلمت مصر 4 قطع بحرية فرقاطة كانت آخرها الفرقاطة “الفاتح” في 2017  حيث انضمت الفرقاطة “تحيا مصر” في 2015 إلى أسطول البحرية المصرية كما أن انضمام الفرقاطة الأولى من طراز “جويند” إلى أسطول البحرية المصرية يعد بمثابة إضافة تكنولوجية هائلة تدعم إمكانات وقدرات البحرية المصرية لتحقيق الأمن البحري وحماية الأمن القومي والمياه الإقليمية والاقتصادية وحرية الملاحة وتأمين قناة السويس كشريان مهم للتجارة العالمية.

كما شهدت السنوات القليلة الماضية كثافة ودورية المناورات والتدريبات المشتركة مع فرنسا مثل التدريب المشترك رمسيس ٢٠١٦ والتدريب المشترك كليوباترا ٢٠١٧.

وعلى صعيد التعاون مع ألمانيا، تسلمت القوات المسلحة المصرية في احتفالية كبري بمدينة  كيبل الألمانية ثاني غواصة حديثة من طراز تايب “209” في 8 أغسطس 2017، لتعزيز جهودها في تحقيق الأمن البحري  وحماية الحدود والمصالح الاقتصادية بالبحرين الأحمر والمتوسط; وتوفير الملاحة  البحرية الآمنة.

وعلى مستوى التعاون الأمني: تم التوقيع على خطاب للنوايا حول الأمن والدفاع بين وزارتيّ الدفاع المصرية والفرنسية في 10 أكتوبر 2015. في حين أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسى في 7 أكتوبر 2017، قرارا بشأن الموافقة علي الاتفاقية الموقعة في ألمانيا بتاريخ 11-7-2016 للتعاون في مجال الأمن.

4- القضايا محل الاهتمام المشترك مع أوروبا :

أ-مجال الطاقة:

أولت مصر اهتماما كبيرا للتعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة، ولذا جارى تنفيذ مذكرة تفاهم المشاركة الاستراتيجية المصرية الأوروبية في مجال الطاقة، حيث يركز الجانب المصري على جوانب بناء القدرات ونقل التكنولوجيا ودعم الجهود المصرية للاستخدام الأكبر لمصادر الطاقة المتجددة، حيث يتماثل الهدفان المصري والأوروبي في محاولة التوصل إلى نسبة استخدام للطاقة المتجددة تصل إلى 20% من إجمالي مصادر الطاقة، بحلول عام 2020.

وعلى المستوى الثنائي، وقع رئيس الوزراء ابراهيم محلب في 24 يوليو2015 عددا من الاتفاقيات مع إيطاليا في مجالات الغاز والطاقة، واتفاقية للتعاون في مدينة دمياط الجديدة للأثاث، حيث يمثل حجم الإنتاج الحالي للشركات التابعة لشركة “إيني” الإيطالية للبترول حوالي 28% من حجم إنتاج مصر من الغاز والزيت الخام.

وافق الرئيس عبد الفتاح السيسي في10 نوفمبر 2016 علي الاتفاق الموقع في القاهرة بتاريخ 24 مارس 2016 بين حكومتي مصر وألمانيا بشأن التعاون الفني بقيمة 25 مليون و380 ألف يورو لدعم عدد من المشروعات التي تتضمن إدارة مياه الشرب والصرف الصحي واصلاح إدارة موارد المياه والمركز الإقليمي للطاقات المتجددة وكفاءة الطاقة وإدارة المخلفات الصلبة ودعم التشغيل.

ب-الهجرة غير الشرعية وتدفق اللاجئين

تعتبر ظاهرة الهجرة غير الشرعية وتدفق اللاجئين من القضايا المهمة في العلاقات المصرية الأوروبية، وهناك رغبة أوروبية لمعالجة تلك القضية، نظرا للارتفاع غير المسبوق في تدفق اللاجئين، مما يثير مخاوف الضغط على ميزانية تلك الدول، وعدم القدرة على إدماجهم في المجتمعات الأوروبية. كما يسعى الطرفان إلى ترسيخ آليات التعاون بين الجانبين في مجالات الهجرة والأمن، وقد استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي في 14 نوفمبر 2016 ديمتريس افراموبولوس المفوض الأوروبي لشئون الهجرة والشئون الداخلية والمواطنة، وأكد الرئيس خلال اللقاء على أهمية التعامل مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية من خلال تبني استراتيجية شاملة تتضمن معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب إلى الإقدام على الهجرة غير الشرعية.

ومما لاشك فيه أن تعزيز الجهود الدولية الرامية للتوصل إلى تسويات سياسية للأزمات القائمة بدول المنطقة، سيساهم في الحد من تدفق اللاجئين والمهاجرين إلى أوروبا، وسيتسنى استعادة الأمن والاستقرار بها والحفاظ على مؤسساتها الوطنية واحترام إرادة شعوبها، فضلاً عن القضاء على خطر الإرهاب الذي تُعد مناطق النزاعات أرضاً خصبة لانتشاره وتمدده، فضلا على أهمية وقف إمداد الجماعات المتطرفة بتلك الدول بالسلاح والمقاتلين.

وعلى المستوى الثنائي، وقع وزير الخارجية سامح شكري ونظيره الألماني زيجمار جابرييل في برلين في 27 أغسطس 2017 على اتفاق حول عناصر التعاون بين مصر وألمانيا في مجال الهجرة. ويعكس الاتفاق أهمية التعاون المشترك لإيجاد حلول تحقق مصلحة البلدين في إطار من الشراكة واحترام حقوق اللاجئين والمهاجرين بما يتسق مع القانون الدولي، وفي إطار منظور شامل للتعامل مع ملف الهجرة يشمل معالجة الأسباب الجذرية للظاهرة علي المستويين الاقتصادي والاجتماعي وعدم قصر التعامل معها على المنظور الأمني.

جـ-مواجهة الإرهاب:

تعد مكافحة الإرهاب قضية محورية، سواء داخليا أو خارجيا. وهناك حرص مصري على التعاون مع أوروبا للقضاء على خطر الإرهاب الذي تعد مناطق النزاعات أرضا خصبة لانتشاره، وتمدده، ووصوله للدول الأوروبية ذاتها، وضرورة وقف إمداد الجماعات المتطرفة بالسلاح والمقاتلين، والتصدي للإرهاب على نحو شامل، بما يعني مواجهة جميع التنظيمات الإرهابية دون تمييز، فلا مجال لاختزال المواجهة في تنظيم أو اثنين والقضاء على قدرة تنظيماته على تجنيد مقاتلين جدد.

جدير بالذكر أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال القمة الثنائية مع الرئيس الفرنسي هولاند في أبريل 2016، أهمية العمل الدولي المشترك للقضاء على الإرهاب، وشدد على أهمية التصدي لمحاولات تقويض الدولة الوطنية في المنطقة والعمل على إعادة بناء الدول التي سقطت، حيث أشاد الرئيس بموقف فرنسا الداعم لمصر في حربها ضد الإرهاب ومساهمتها في حصول مصر على الأسلحة المتطورة اللازمة لمواجهته، وحرصها على دعم عملية التنمية الشاملة بها، لاسيما على صعيدها الاقتصادي.

كما وقع وزير الداخلية مجدي عبد الغفار مع نظيره الألماني في يوليو 2017 اتفاقية تتضمن عددا من المجالات، بينها مواجهة جرائم الإرهاب وتمويله، وتبادل الخبرات والمعلومات بشأن المطلوبين في البلدين، ومجالات تأمين المنافذ والمطارات، كما تنص على أن تعمل الشرطة الجنائية الاتحادية بشكل لصيق مع جهاز الأمن الوطني المصري، وهذا يعني أن ألمانيا ترى أن مصر واحدة من أفضل الدول للتعاون معها في محاربة خطاب التطرف بسبب وجود مؤسسة الأزهر الشريف، وتتطلع إلى تقديم عدد من المنح لأبناء المسلمين هناك للدراسة بجامعة الأزهر.

د- قضية حقوق الإنسان في مصر:

نالت تلك القضية جهدا دءوبا من الدبلوماسية المصرية لتوضيح حقيقة الأوضاع الداخلية للجانب الأوروبي خاصة بعد ثورة 30 يونيو 2013. وصولا لعدم قدرة الاتحاد الأوروبي على وصفها كانقلاب فلم يجد الاتحاد مفر من وصفها بـ “الإنتفاضة”.

كما أصدر الاتحاد الأوروبي بيانا انتقد فيه الأوضاع الداخلية لحقوق الإنسان أمام الدورة الـ27 لمجلس حقوق في الأمم المتحدة في سبتمبر 2014. كما قدم عدد من دول الاتحاد الأوروبي تقارير إلى مجلس الإنسان في سبتمبر 2015، تتضمن اتهامات للنظام المصري بارتكاب جرائم إنسانية، وأصدر الوفد المصري بيانا في 7 نوفمبر 2015، رد على تلك المزاعم وانتقدها بشدة وأكد احترام مصر لسيادة القانون في حربها على الإرهاب.

وسيطرت قضية ريجيني على الاتحاد الأوروبي حيث أدان البرلمان الأوروبي في 10 مارس 2016، “تعذيب وقتل” الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، مطالبا السلطات المصرية بالتعاون في التحقيقات وتقديم الجناة للعدالة في أسرع وقت، وأشار البرلمان الأوروبي إلى أن قضية ريجيني “ليست بالحادث المنعزل لكنه حدث في سياق من حالات التعذيب والموت في السجون والاختفاءات القسرية عبر أنحاء مصر في السنوات الأخيرة”.

ودعا البرلمان الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية إلى إعداد تقرير عن تعاون الدول الأعضاء العسكري والأمني مع مصر، وتطوير خارطة طريق بالتشاور الوثيق مع البرلمان الأوروبي لتحديد خطوات ملموسة تتخذها السلطات المصرية من أجل تحسن ملحوظ لوضع حقوق الإنسان وتحقيق إصلاحات قضائية شاملة.

وتشعب البرلمان للعديد من القضايا الداخلية المصرية ومنها تعبيره عن قلقه بشأن التهديد الوشيك-أنذاك- بإغلاق مركز النديم داعيا إلى التراجع السريع عن الأمر بإغلاقه، كما طالب السلطات المصرية بإلغاء قرارات حظر السفر المفروضة على عدد من الحقوقيين البارزين.

كما طالب البرلمان الأوروبي مجلس النواب المصري بإجراء مراجعة عاجلة لقانون التظاهر، ومراجعة كل التشريعات الأخرى التي “تنتهك الدستور المصري، بينها قانون الإرهاب، وقانون الكيانات الإرهابية، والذي قد يساء استخدامه في حدوث قمع داخلي بدلا من تحسين الأمن الجماعي”.

يمكن ابداء عدد من الملاحظات حول العلاقات المصرية الأوروبية:

1-أن هناك نوع من الحكم المسبق على العلاقات مع مصر، وتسرع في اتخاذ مواقف مضادة للموقف المصري وهذا ما ظهر جليا من موقف الاتحاد الأوروبي من ثورة 30 يونيو 2013، حيث سادت العلاقات المصرية بأوروبا حالة من الفتور عقب الثورة، بسبب موقفه المتذبذب من الثورة، حيث طالبت المنسقة العليا لسياسات الاتحاد الأوروبي –آنذاك- كاثرين أشتون بسرعة عودة السلطة لحكومة مدنية منتخبة، ووضع جدول زمني لخريطة طريق.

هذا فضلا عن تعليق الاتحاد الأوروبي أثر فض اعتصامي رابعة والنهضة المسلحين تصدير الأسلحة التي قد تستخدم في القمع الداخلي في مصر. وقد طالبت بريطانيا وفرنسا بضرورة انعقاد مجلس الأمن لمناقشة الأوضاع المصرية، واستدعت الخارجية البريطانية السفير المصري لديها. وطالبت بضبط النفس، كما أعلن وزير الخارجية البريطاني وقف التعاون الأمني مع مصر، وإلغاء عدد من اتفاقيات السلاح. وكانت مواقف إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا متشابهة، حيث قامت تلك الدول باستدعاء سفراء مصر لديها.

2-أن اي تقييمات سلبية من جانب الاتحاد الاوروبي للأوضاع السياسية والحقوقية في مصر يبدو بمثابه “رسالة” ضغط اقتصادية، في الوقت الذي كانت تعاني فيه مصر بالفعل من تدهور اقتصادي وتقلص في المعونات الخليجية؛ بفعل انخفاض عوائد النفط، وعدم الاستقرار الامني والسياسي.

3-يوجد تعارض بين مصر وأوروبا في رؤيتهما للإرهاب، حيث يرى الاتحاد الاوربي أن انتشار اعمال العنف والتطرف الديني؛ يرجع لغياب المعتدلين وعلى رأسهم جماعه الاخوان المسلمين، والتي تعتبرها مصر جماعة إرهابية، لذلك يدعم الاتحاد فكرة المصالحة الوطنية التي تضم جميع الاطراف دون اقصاء، بما يعيد الاخوان للعملية السياسية باعتبارها رمزًا للاعتدال الاسلامي في ظل الواقع المتطرف من جانب التنظيمات الارهابية المختلفة.

إجمالا، يمكن القول إن السياسة الخارجية المصرية خلال فترة الرئيس عبد الفتاح السيسي كانت نشطة نحو أوروبا، وقد عملت على العديد من الملفات المشتركة سواء الاقتصادية والسياسية والعسكرية، فضلا عن القضايا ذات الاهتمام المشترك، إلا انه مازال هناك ملفات وقضايا تمثل تحديا في العلاقات المصرية الأوروبية أهمها ملف حقوق الإنسان ونظرة كلا الطرفين لجماعة الإخوان والدور الواجب أن تقوم به في الحياة السياسية ، ومن ثم يجب العمل على هذه الملفات ومحاولة تقريب وجهات النظر فيها بما يصب في صالح تنمية العلاقات بين الجانبين.

د. سماء سليمان

خبير في العلاقات الدولية

نشرت المقالة في دورية “الملف المصري”، العدد 43، السنة الرابعة

اترك تعليقا