الرئيسية » حضاريات » السياحة في عصر العولمة

السياحة في عصر العولمة

 د. فالح الحمراني

ليس هناك من يجادل اليوم في حقيقة أن للعولمة كظاهرة عصرية وجوها متعددة، منها الإيجابي ومنها السلبي. وكل قوة ومنظمة تسعى لتوظيف ظواهر العولمة لذاتها لكسب المزيد من المنافع والأرباح، ومن المستحيل الوقوف اليوم بوجهة العولمة لأنها غدت ظاهرة موضوعية. ودون شك هناك قوى تدعو بإلحاح إلى عقلنة الظاهرة الكونية وتوظيفها في خدمة التطلعات البشرية في القضاء على الفقر ومعالجة الأمراض وإشاعة التعليم ومساعدة الدول المتخلفة على التحديث وعدم تبديد الهوية القومية وهناك من يرى ضرورة عدم وضع العراقيل أمام الظاهرة الكونية. في هذا الخضم من الصراعات استفادت شركات السياحية من ظاهرة العولمة التي فتحت الحدود بين الدول، وإثارتها حب استطلاع الأمم للتعرف على بعضها البعض الآخر، وتعميمها الشعور بوحدة العالم … وغدت تعمل على جني الأرباح من ظل ذلك.

لقد رافقت منذ الأزمان السحيقة الإنسان الرغبة في السفر في البلدان البعيدة واكتشاف المجهول والبحث عن عوالم وانطباعات جديدة، والتعرف على عادات وتقاليد وثقافات الأمم الأخرى.ووقفت وراء النشاط السياحي والرحلات التاريخية الكبرى أيضا مصالح اقتصادية وجيو ـ سياسية.وعرف التاريخ البشري رحلات وأسفار كبرى كانت لها دلائل وانعكاسات هامة.

وكان السفر مشروعا شخصيا يتحمل الفرد أعبائه. كان السائحيتحمل عناء السفر الطويل من اجل أن يحط ترحاله في مدينة لفترة طويلة نسبيا يقوم خلالها بالاقتراب والتعرف على عوالم الدولة المضيفة. والفرد بنفسه يختار الموقع أو المواقع التي تروق له.ومن المفروض أن تفتح إنجازات العصر الكبرى، وخاصة تسهيل التنقل بين الدول، وشبكات السكن والاتصال وتعلم اللغات وتقارب الشعوب والدول آفاقا رحبة للإنسان لكي يواصل ذلك التقليد بسهولة وبوسعة. بيدأن التجربة الإنسانية تبرهن على العكس من ذلك. ووفرت القيود والقواعد وانشغالات الإنسان اليومية والتزامه بضوابط العمل وغيرها، فرصة للشركات السياحية للإفادة والانتفاع وجني الأرباح الطائلة من سعي الإنسان للسفر والسياحة، مقابل تقديمها الحد الأدنى من الخدمات التي تخلق لدى الإنسان الشعور بتطمين رغبته في الراحة والاستجمام والتعرف على الأمم الأخرى وثقافاتها وآثارها التاريخية. وتخصص الشركات على الأغلب أسبوع واحدا أو أسبوعين لكي يقوم الإنسان باجتراح هذه “المأثرة”.

في سفرتي الأخيرة  لليونان، وبالتحديد لسالونيك عاصمة مقدونيا  على ساحل بحر إيجة، عرضت علينا الشركة السياحية برنامجا مغريا، وبأسعار غير مغرية، لزيارة أماكن أثرية منتشرة في إقليم مقدونيا ذات التاريخ العريق وما جاورها. وحينما شرحت ممثلة الشركة الدلالة المعرفية والثقافية البشرية لتلك المعالم التاريخية فأنها أثارت الرغبة الجامحة في الاطلاع على ذلك التاريخ المجيد، الذي يواصل تأثيره على العصر الراهن. وهناك أيضا آثار تخص المآثر التي قام بها  المسيحيون الأوائل لنشر دينهم الجديد ليكون بديلا عن دين آلهة الأولمب القديم. بل وهناك رحلة لأثينا لمدة اقل من 24 ساعة للاطلاع على معالمها الأثرية. كل هذا في أسبوع أوأسبوعين. وحينما يعود السائح منهكا من كل هذه الرحلات البرية والجوية والبحرية، لايعثر في ذاكرته إلا على مقاطع من صور ضبابية، وانطباعات غير متكاملة كما يحدث للإنسان بعد حلم أو مشاهدة فيلم سينمائي. وربما سيقول انه كان في أثينا حقا، ولكنه سيصمت عما شاهده في العاصمة التي أخذت اسم  الآلهة الحسناء والحكيمة ابنة سيد الآلهة زيفس ومنقذة ادويسا، لأنه شاهدها من نافذة الحافلة التي تقله أو في جولة سريعة في احدى الأماكن الأثرية.

السائح في كل جولاته يشاهد على عجل دون رؤية وتمعن واستشراف مسرح الاكروبول وكاتدرائيات روما ومحتويات الارمتياجأو اللوفر أو في قصر الحمراءفي الاندلسأو في المسجد ـ الكاتدرائية في قرطبة. وعادة ما تتم هذه الجولات على جناح السرعة في حالة من الهرولة والركض، والتوضيحات المقتضبة أو أحادية الجانب. والرابح الوحيد منها شركات السياحة التي غدت اليوم مؤسسات كبرى تضم شبكات النقل والاتصال والسكن والممثليات وطاقم كبير من المحترفين في مختلف الاختصاصات.

السياحة بالفعل عامل مهم في التقارب بين الأمم والشعوب والأديان. فأنها تتيح أن يطلع الإنسان بأم عينيه ويقلبه على الآخر، يقترب منه، يتعرف على عاداته وتقاليده وتصرفه اليومي. وفي هذه الحالة سوف تكتسب بعض المظاهر أهمية خاصة لم يعرها الأنسان سابقا أهمية تذكر. وتكشف هذه الأمور عن عمق الثقافة أو اختلافها مع ثقافة السائح. ويتسنى للسائح  أن يتلمس بنفسه نسبية القيم البشرية، بما في ذلك الأخلاقية والدينية، وهذا درس كبير يساعد الشخص على الخروج من الشرنقة التي لفته وتحرك خلالها منذ ولادته. رؤية الحضارة الأخرى تنمي في الإنسان القدرة على التعاطي بموضوعية وروح انتقادية مع حضارته وقيمه، واجتثاث روح التعصب والتطرف ورفض الآخر والنفور منه وبغضه. إنها عامل لتحويل الصراع بين الحضارات إلى عملية حوارية ورغبة في التقارب.

إن نجاح السياحة في عصر العولمة باتت حاجة بشرية ملحة في اطار أنسنة الظاهرة الكونية وتعزيزالتفاهم بين الحضارات. إن ذلك الهدف يتطلب تولى مؤسسات إنسانية وليست تجارية بحتة، مؤسسات المجتمع المدني أو أية مؤسسات أخرى تنظيم النشاط السياحي، وجعله نشاطا بشريا يسعى للتفاهم بين الحضارات. ومن اجل توظيف إنجازات العصر لتحقيق الرغبة الإنسانية في التنقل، والمعرفة. معرفة الآخر. وفي نهاية المطاف من اجل أن يظهر بين العرب ابن بطوطة أو ابن الجبير أو سندباد بحري عصري.

اترك تعليقا