الرئيسية » حضاريات » الدور الديني والطائفي في التعايش السلمي في الوطن العربي

الدور الديني والطائفي في التعايش السلمي في الوطن العربي

نظرة واقعية – البحرين نموذجاً

غسان الشهابي *

من جملة ما ينتظم البلاد العربية من عوامل مشتركة، تأتي الطوائف أو العشائر، أو العاملان معاً في تشكيل الواجهة الأساسية والخفية في الوطن العربي، حيث يبدو هذا العامل الموازي للدولة، ظاهراً أحياناً وخفياً أحياناً أخرى، بحسب ما تقوى الدولة أو تضعف قبضتها على مقاليد الأمور. وفي حين أن بعض الدول العربية تسيطر الأنظمة العشائرية فيها بشكل لافت؛ تكون العوامل الطائفية هي الأبرز في دول أخرى، وربما لا تستثنى من الدول العربية إلا مصر وتونس، وهما الأقل انسياقاً للنموذج العربي الغالب.

على الصّعيد النظري، دائماً ما يقال إنّ التنوّع بكل أشكاله: الثقافي، والديني، والعرقي، والطائفي، والمذهبي، والنوّعي، وغيرها من أشكال التنوع، تعد غنى للمشهد العام لأيّ بلد. إنه ما يزيّن الثقافة، ويلوّنها، ويجعل الأفراد أكثر قرباً من تفهّم بعضهم البعض، وأكثر قدرة على قبول الآخرين، وبالتالي أكثر قدرة على نسج التعايش فيما بين جميع المكونات، والتلاوين المجتمعية. ولذلك، تحاول الدول “المبتلاة” بالقلّة العددية المفرطة في مقابل الاتّساع الجغرافي، أن تستقطب إليها الكفاءات للهجرة، مع الأخذ بالتنوّع، والتنويعات السالف ذكرها، من أجل أن فتح هذه النوافذ للاستفادة من جميع خيوط الأشعّة الآتية من كل مغايرة.

ومع أن موضوع التعايش قد تغيّر مصطلحه وتبدّل أكثر من مرّة على مرّ الزمان، إلا أن ظهوره الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين حينما بدأت الحرب الباردة تؤشّر إلى أزمات وجلطات في عروق العلاقات الدبلوماسية، واحتمالية نشوب نزاعات مسلحة كان أمراً وارداً ويلوح في الأفق، فظهر مصطلح “التعايش السلمي” بين القوتين والمعسكرين الشرقي والغربي بغية تبريد مفاعلات الحرب التي لا تريد أن تهدأ آنذاك، والتي كانت تصل مراجلها إلى درجة الغليان والانفجار… ثم انتقل المصطلح بدوره إلى “التعايش الاجتماعي” الذي أطلّ برأسه في فترة تالية لرواج مصطلح “حقوق الإنسان”، وهو المصطلح الذي جاء مواكباً للعولمة، والذي لانت له حدود الدول، وجرى تحريك الجيوش في سبيل إحقاق الحق من وجهة النظر الأميركية بالتحديد، وهو في ظاهره الحقّ، وفي باطنه من قِبَله الكثير من الزّيف، وذلك للكفّ عن انتهاكات حقوق الإنسان في هذه الدولة أو تلك، حتى تضاءلت، إلى حدّ كبير، السيادة الوطنية.. وهو أمر أشبه بنزع الولاية المطلقة للأب على بيته، وإشراك المجتمع في إدارة شؤون أسرته إن أخفق أو انحرف عن أداء مهماته… وهذا من الأمور التي تصطدم بجدل كثيف بشأن متى يتحرك المجتمع الدولي، ومتى يتوقف، ومن له الحق في تحريك هذه القضايا، مع الكثير من التفصيلات التي يمكن أن تعالج بشكل منفصل.

وللتعايش الكثير من التعريفات التي تحاول أن تؤطّره وتمنحه التعريف الأدقّ، ولكنه – كالكثير من مصطلحات الحقول الإنسانية – تصدق عليه الكثر من التعريفات التي كلها صحيح، وكلها يقارب المصطلح ولكن لا يُحكم التعريف به تماماً. إلا أن أحد التعريفات التي يجده الكاتب هنا أقرب ما يكون للإحاطة بالمصطلح هو القائل: التعايش هو “علاقة تفاعليَّة، في بيئةٍ مشتركة، بين فئات مختلفة، بغرض تحقيق استفادة أو تبادل منافع، في ظل جوٍّ من الاحترام والمودة”.

إذن… يحتاج التعايش إلى:

  • فئات مختلفة: فلا يسمَّى التعايش تعايشاً إن تطابقت المكوِّنات الاجتماعية، ومن المستحيل أن تتطابق المكوِّنات، إذ في كل مكوّن يبدو منسجماً ظاهرياً… توجد الكثير من التباينات والتناقضات والتفاوتات من الداخل… وكلما زادت المُدخلات الجديدة على الفئات والمجتمعات، كلما بدأت تظهر فئات تخرج عن الإجماع العام الظاهر… هذا في المجتمع ذي الوحدة البنائية الواحدة، كالقبيلة مثلاً… والأمر يغدو أكثر تفتيتاً وخصوصية كلما غدا المجتمع متنوعاً ومتلوناً، ويحاول كل طيف من أطياف هذا المجتمع أن يكون عضواً كامل العضوية فيه من دون أن يذوب أو يتنازل عن خصوصياته لأي مكوّن آخر، ولا أن ينسحق أو يندمج أو يندغم في المكوّنات الأخرى، لأنه إن فعل ذلك سيطلق على هذه الحالة مسمّى آخر غير التعايش.
  • بيئة مشتركة: وهذا يعني التجاور المكاني في المنطقة ذاتها، أو الوطن ذاته، ذي الأبعاد الجغرافية المحددة دولياً، وهذا يعني مجدداً أن تكون جميع الفئات المختلفة لها القدرة ذاتها للتمتع بشكل عادل ومتساوٍ في البيئة المشتركة التي تعيش فيها جميع المكوّنات الأخرى… وليس العيش في “غيتوّات”… أو “كانتونات”… أو تحريم وتجريم السكن أو التملّك في مناطق معينة لفئات دون أخرى بالقانون، أو بالأعراف والطاقات السلبية تجاه الساكنين من الانتماءات المختلفة.. وتكوين ما يشبه المناطق المغلقة، لأن هذا الأمر من شأنه أن يخلق تمايزاً، ويقسِّم المجتمع إلى طبقات من المواطنين تقوم على أساس الاختلافات سواء العرقية أو الدينية أو الاجتماعية أو الجهوية أو القبلية أو المذهبية… وهذا ما يعزز الانكفاء على المكوّنات الفرعية في المجتمعات إن لم تنتبه المؤسسات الرسمية والمجتمعية إلى أهمية الإدماج البيئي للمكوّنات.

ومن الناحية السياسية، فإن فرص التعايش الطبيعي، والتي تؤدّي إلى ممارسة يومية صلبة، تتضاءل في حالتي السيطرة الشاملة والانفلات الشامل.

 فمن مصلحة الأنظمة الشمولية أن تحكم مجتمعاً ينطبق عليه: “شعبٌ واحد.. صوتٌ واحد”، لذا فهي تسحق التباينات وتنزع معاني التعايش لتحل محلها كلمة “العيش في ظل النظام”، وتحت سطوته وإمرته، وحزمه التام، بصفته الحامي، والمنظّم. ونظراً لشمولية أنظمة عربية وغير عربية، وبطشها، وسطوتها العالية، خضعت المكوِّنات جميعاً لسلطتها، ولسيطرة خوفها من هذه الأنظمة، لذا، فإنها فقدت الفرصة، بل حُرمت فرصة تعلّم كيفية ممارسة العيش المشترك، أو التعايش مع بعضها البعض… ولا يبقى من التنوّع الثقافي والاختلافات بشتّى أنواعها إلا مسمّيات وفلكلوريات تقدّم في المناسبات، ولكنه ليس تعايشاً حقيقياً على الأرض.

 لذا فإن هذه الأنظمة دائماً تلوّح بأن بديلها هو الطوفان والضياع والخراب والحروب الأهلية، وهذا ما حدث بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وفرقعة أجزائه التي سارعت أعراقها للتنادي من أقاصي البلاد، وصفعت تجربة التأسيس الأول للاتحاد السوفيتي التي رمت إلى تذويب المكونات بتفريقها على امتداد البلاد الشاسعة، فنشأت بعد أكثر من 70 عاماً، دولاً ودويلات أساسها يقوم على العرق، بما يشير إلى فشل هذه التجربة حتى بعد جيلين كاملين.

والنموذج الآخر: العراق، والذي عندما زال عن سمائه النظام الديكتاتوري المسيطر، انفلتت المكوّنات تريد أخذ أماكن لها تسابقاً مع الآخرين وليس تعايشاً معهم… وحتى يخفّ التورّم الإثني والمذهبي الذي برز بشدّة بمجرد انكشاف غطاء النظام الشمولي الذي كفّ أيدي الناس عن بعضهم البعض، وأوهم البعض أنه معهم ضد البعض الآخر، ليعيش “الأبعاض” في حال من الخوف من بعضهم، آملين في استمرار خيمة النظام التي تظلل عليهم، وتمنع الحرب الطائفية. ولكن منذ العام 2003، جرى التطرق إلى مسألة “المحاصصة” وهي واحدة من الحيل البغيضة التي تسوَّق على أنها أفضل الممكن من الحلول في بلدان لا تستطيع أن تختار أفاضل من يمثلونها من دون اللجوء إلى المكوّنات التي يأتي منها الناخبون.

وتجربة المحاصصة الطائفية بإمكانها أن تقوّض أي معنى للكفاءة والأحقية، لأن هذا القطاع لا يجب أن يتقدم فيه ابن هذه الطائفة أكثر من نقطة محددة… هذا الذي يمكن يسمى “تجاوراً” وليس “تعايشاً”، فالتجاور مع الخوف من الجور، يجعل الفرقاء يوالون التدرّب على السلاح في ظل تقازم الدولة، خشية من الجار اللدود، فهم لا يأمنون غيلة أحد المكونات الأخرى عليهم.. ويتفاوضون طائفياً، ويتقاسمون طائفياً، ويجورون على بعضهم البعض طائفياً، والمناطق أيضاً مقسّمة بينهم طائفياً.

عند تطبيق التجارب العربية وغير العربية على الواقع البحريني، نجد أن هناك من يحاول تسويق “التعايش” في البحرين بين الطوائف التي تسكن فيها، ويستدلّ الكتاب فيما يذهبون إليه على وجود مساجد الشيعة وحسينياتهم، ووجود مساجد للسنة، وكنائس لطوائف مسيحية مختلفة بعضها يعود إلى 100 عام، مع وجود دُور عبادة لأديان أخرى، مع مقابر خاصة بهم يقيمون فيها طقوسهم المقدّسة من دون تدخّل رسمي، ولا تعدٍّ شعبي، وهذه هي مظاهر التسامح والتعايش بين الأفراد في المجتمع… مع ضرب أمثلة لتمثّل أقليات دينية في مجلس الشورى، وبعض الوظائف الدبلوماسية الرفيعة.

ولكن هذه المقالات لا تعدو الإشارة إلى الأبنية والحجارة، وبعض التوازنات الرسمية التي تنحو إلى استكمال صورة الدولة المدينية الحديثة التي تدعُّ بعض أبناء الأقليات دعّاً لأخذ أدوار في الحياة العامة، سواء كانوا أهلاً لهذه المناصب أم لا، بدلاً من انزوائهم في الأعمال التجارية، وانقراض بعضهم – كما بالنسبة لليهود في البحرين – بالهجرة والانتماء إلى أوساط أكثر قبولاً لهم. أي أن الحال يشي بمحاولة “اصطناع” التعايش وليس تجذّره ونموّه النموّ الطبيعي، فهل تعبّر هذه المظاهر بما يكفي عن التعايش؟

ومن الناحية البيئية التي سبق الحديث عنها، يمكن النظر في البحرين إلى تجربتين، ويتبين من خلالهما أنّ التجربة الأقدم كانت أكثر تقدّماً من الأحدث في هذا الشأن.

فعندما بدأ عدد الأسر الصغيرة في ازدياد، والمزاج الاجتماعي العام يضغط في اتّجاه الأسر النووية بعدما كانت الأسر في السابق تقنع بالعيش المشترك في البيوت الكبيرة لتشكل أسراً ممتدة؛ أنشأت الدولة أوّل ميدنة مصطنعة في أواخر الستينات، أسمتها “مدينة عيسى” على اسم أمير البحرين في ذلك الحين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، وجيء بالمواطنين من أماكن متعددة، من مدن وقرى مختلفة، وقال بعض المحللين في ذلك الوقت، إن تعمّد خلط الأفراد بشكل غير متجانس يهدف إلى الحدّ من التآزر والتكافل الذي ينمو طبيعياً في الأحياء القديمة، وهذا ما ساعد في أن يكون حاضناً لمظاهرات عمّالية جرت في العام 1965، فكان لابد من تبريد هذه الحميمية، وإذا ما تم تفتيت الّلُحمة المناطقية سيجري تفتيت النسيج الذي تستقوي به الجماعات السياسية، ويجري القضاء على العصبية المناطقية إذا ما جيء بأناس ليسكنوا إلى جانب بعضهم البعض من دون تاريخ مشترك وسابق معرفة… إلا أن هذه التجربة – المتأرجحة بين النجاح والفشل… وسواء أخذنا بما ذهب إليه المراقبون أم لا – فإنها تشكل نموذجاً للتعايش الذي نشأ في أواخر ستينات القرن العشرين. هذه التجربة انكشفت في أحداث العام 2011 إذ تبيّن أن أربعة عقود من العيش المشترك ما كانت كافية بين الطوائف لتتفهم بعضها بعضاً، فكانت هناك مواجهات وحزازات بين مكوّنات هذه المدينة الجديدة.

أما التجربة التي جانبها الصواب، فتنقسم إلى تجربة إنشاء المدينة المصطنعة الثانية بعد حوالي 20 عاماً من “مدينة عيسى”، وهي “مدينة حمد” التي أسميت على اسم ولي العهد آنذاك، عاهل البحرين حالياً، حيث بات التمايز عالياً وصار معروفاً أين يسكن الشيعة في كل مجمّع وأين يسكن السنة… فجرى احتكار البيئة المحلية وتقسيمها داخل البيئة الأكبر  لتعزيز التكتيل المذهبي بدلاً من الاندماج… والتباعد بدلاً من التقارب والتعايش، وهذا التقسيم الطائفي ما أتى رسمياً، ولكن كانت جميع التسهيلات متاحة لنشأته وتكوينه.

بيروت شباط/فبراير 2018.

*  باحث وكاتب صحافي من البحرين

اترك تعليقا