الرئيسية » حضاريات » الحوثيون… من الكهف الى القصر(1) – بقلم د. صادق علي محمد /أسرة التحرير
mslhw-mylyshy-lhwthy.jpg

الحوثيون… من الكهف الى القصر(1) – بقلم د. صادق علي محمد /أسرة التحرير

في أيلول/ سبتمبر 2014 صعق مسلحون يرتدون ملابس شعبية ويستقلون مركبات مدنية اليمن والإقليم والعالم بأسره عندما اقتحموا العاصمة صنعاء قبل أن ينقلبوا على الرئيس عبدربه منصور هادي ويضعوه رهن الإقامة الجبرية ويشرعوا في شن حرب شاملة في أوسع رقعة ممكنة من جغرافية البلاد الفقيرة، مما استدعى تدخلاً عسكرياً بقيادة الجارة السعودية.

ولم يكن هؤلاء المسلحون الذين يتسلح غالبيتهم ببنادق شخصية إلا مقاتلي الجماعة الحوثية التي تعرف رسمياً باسم “أنصار الله”.

فما هي قصة هذه الجماعة التي صعدت هذا الصعود الصاروخي لتستولي في نهاية المطاف على مقاليد الحكم بالقوة في بلاد بحجم اليمن من حيث موقعها الجغرافي المؤثر ومساحتها الواسعة وعدد سكانها البالغ نحو 30 مليون نسمة؟

المواجهة الأولى بين الجيش وأتباع زعيم الحوثيين حسين بدر الدين في منتصف 2004 هي المناسبة التي أبرزت الحوثيين كحركة لديها مشروع غامض وطموحات خطيرة تهدد أطرافاً متعددة كما وجهت الرأي العام للاهتمام بها، لكن بذرة الحركة تعود إلى ما قبل هذه المناسبة بزمن طويل.

تعود جذور الجماعة الحوثية إلى “منتدى الشباب المؤمن” الذي تأسس عام 1991 بهدف إحياء المذهب الزيدي الهادوي الذي يعتنقه سكان المحافظات الشمالية اليمنية، وذلك لاعتقاد فقهائه ومعتنقيه بأن مذهبهم كان عرضة للتهميش والتراجع في مقابل انتشار السلفية الوهابية بدعم من المملكة العربية السعودية.

وتولى محمد بدر الدين الحوثي تأسيس المنتدى فيما كان أخوه حسين ووالده بدر الدين من الفاعلين في أنشطة وأعمال المنتدى.

لكن خلافات بين آل الحوثي وشيوخ دين زيديين في “الشباب المؤمن” دفعت الأخيرين إلى مغادرة المنتدى عام 1997 الأمر الذي جعل من حسين الحوثي الرجل الأقوى في المنتدى وساعده على إظهار طموحاته المستقبلية بدءاً بتغيير تسمية المنتدى إلى “تنظيم الشباب المؤمن” كما أضاف إلى ذلك استقالته مع والده وإخوته من حزب الحق وانضمامه إلى المؤتمر الشعبي العام الحاكم حينذاك.

ويتضح من تغيير صيغة “الشباب المؤمن” من منتدى إلى تنظيم أن ذلك كان إشارة واضحة إلى انتقال الحوثي من الطور الثقافي إلى الطور السياسي، وهو ما حدث بالفعل عندما طغى اتجاهه الصدامي وأفكاره داخل التنظيم بدءاً من عام 2000 مما دفع باقي قادة التنظيم ذوي الاتجاه الزيدي المحافظ إلى مغادرته وهو ما مكن حسين من الاستفراد بالتنظيم وبنائه حسب رؤيته قبل أن يأمر أتباعه في عام 2002 بترديد شعار “الصرخة” المعادي لليهود وأمريكا.

التأثر بالنموذج الخميني

“الصرخة” التي اتخذها الحوثيون شعاراً رسمياً لحركتهم: “الله اكبر والموت لأمريكا والموت لإسرائيل واللعنة على اليهود والنصر للإسلام” هي نفسها الصرخة التي رددها أتباع الإمام آية الله الخميني بعد الثورة الإيرانية عام 1979. وليس هذا وحده الذي جعل السلطات الحكومية تتهمهم بالتأثر بالخمينية وتلقّي دعم إيراني.

فحسين الحوثي كان قد زار إيران منتصف ثمانينات القرن العشرين بدافع الحماس والإعجاب الشديد بالثورة الإيرانية كما زار العتبات الشيعية في العراق حيث أقام فترة هناك عام 1990. وكذلك فعل والده بدر الدين الذي زار إيران عام 1995 حيث مكث هناك قرابة عام كامل.

ولم يتردد كل من بدر الدين الحوثي ونجله حسين عن إعلان إعجابهما الكبير بالخميني حيث اعتبراه نموذجاً للقائد الذي تحتاج إليه الأمة الإسلامية لقيادتها في وجه أعدائها.

كان تأثر بدر الدين وحسين بالنموذج الخميني قد حدا بهما إلى التأثر بالاثني عشرية وخلطها بزيديتهما وهو السبب الذي كان قد دفع شيوخ الزيدية الأعضاء في منتدى الشباب المؤمن إلى مغادرته في 1997 متهمين آل الحوثي بمخالفة الزيدية.

في الجهة المقابلة، لم تكن إيران فيما يبدو بمعزل عما يدور حيث كانت الحكومة اليمنية التي تحكم الشطر الشمالي من البلاد قد احتجت رسمياً عام 1985 بعد قيام السفير الإيراني بزيارات غير رسمية إلى محافظة صعدة.

ولم يكن عقد الثمانينات من القرن الماضي قد شهد زيارة حسين الحوثي لإيران واحتجاج حكومة اليمن الشمالي على زيارات السفير الإيراني لصعدة فقط ، ففي 1986 تأسس “اتحاد  الشباب” كمركز لتدريس الفقه الزيدي على يد صلاح أحمد فليته ، أحد فقهاء الزيدية ووالد محمد عبدالسلام الناطق باسم الجماعة الحوثية حالياً.

لكن باحثين يشيرون إلى أن اتحاد الشباب كان يدرس طلابه مقرراً عن الثورة الإيرانية على يد محمد بدر الدين الحوثي الذي تزعم إنشاء منتدى الشباب المؤمن بعد ذلك بخمس سنوات.

وإضافة إلى التأثر الفكري والمذهبي لواضعي بذرة الحركة الحوثية بالفكرة الخمينية التي رأوا فيها فكرة ثورية للنهوض بالواقع الإسلامي وكسراً لجمود المذاهب المحافظة، يبدو واضحاً كذلك التأثير الإيراني في البناء التنظيمي والعسكري للحركة على غرار المنظمات الإقليمية المدعومة من إيران.

على الرغم من الحضور الإيراني في المحطات التاريخية للحركة الحوثية ومن كون تلقي الأخيرة لدعم إيراني أصبحت قضية مفروغاً منها لدى الحكومة اليمنية ودول الإقليم المعادية لإيران بقيادة السعودية،  إلا أن حجم هذا الدعم ونوعيته ما زال من الصعب تحديدهما بدقة.

ولكن الاستعانة بالتقاليد الإيرانية في دعم المنظمات الإقليمية المرتبطة بها يمكن أن تفصح عن ملامح لطبيعة الدعم الذي تتلقاه الجماعة الحوثية وحجمه، فالواقع أن الإيرانيين لا يغدقون الدعم المالي في شكل سيولة نقدية على المنظمات الحليفة لهم مثلما يفعل خصومهم الإقليميون.

فالدعم المالي الإيراني لا يتدفق إلى المنظمات الحليفة إلا في نطاق ضيق وفي حالات الضرورة القصوى غير أن الدعم السخي والمؤثر يتوزع على التأهيل والتدريب العسكري لمقاتلي تلك المنظمات وإرسال الخبراء العسكريين وخبراء تصنيع وتطوير السلاح وتقديم المعلومات الاستخبارية وتزويدها بمخططات السيطرة السياسية والاقتصادية إضافة إلى تأهيل سياسيي تلك المنظمات وتدريبهم على فنون الخطابة والدعاية والاستقطاب والتفاوض السياسي.

وفوق ذلك، يظل تهريب الأسلحة الحاسمة للمنظمات الحليفة واحداً من أهم جوانب الدعم الإيراني. فطهران هي المتهم الأول لدى العواصم الكبرى والإقليم بإمداد الحوثيين بتلك الصواريخ الباليستية التي باتت تبلغ  سماء العاصمة السعودية.

بل إن طهران هي في نظر خصومها المتهم الرئيسي بإيصال أتباع ذلك الرجل الذي لقي حتفه برصاص الجيش داخل كهف جبلي عام 2004 إلى قصر الرئاسة في صنعاء وتمكينهم من كرسي السلطة في اليمن.