الرئيسية » سياسة واقتصاد » الحوار بين روسيا واسرائيل مستمر

الحوار بين روسيا واسرائيل مستمر

مستشار المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة فيتالي ناومكين يتحدث عن تداعيات نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وعن إعادة إعمار سوريا، وعن الأزمتين في ليبيا واليمن.

 قد يلتقي في أغسطس القادم زعماء كل من روسيا وتركيا وإيران للبحث في المسألة السورية. هذا ما قاله كبير مستشاري المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان ديميستورا ومدير معهد الاستشراق في أكاديمية العلوم الروسية فيتالي ناومكين. كما تحدث ناومكين خلال المقابلة عن عواقب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ودور موسكو كوسيط في تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وأهمية الاستمرار في مفاوضات متوازية في كل من جنيف وأستانا وإمكانية عقد مؤتمر للحوار الوطني السوري في سوتشي.

 

فلسطين واسرائيل

  • كيف انعكس التصعيد في الأزمة الاسرائيلية الفلسطينينة على الأوضاع في المنطقة؟

 

لا تؤثر الأزمة الفلسطينية على الوضع في المنطقة فحسب بل أيضا على الوضع في العالم. خطوتان أمريكيتان جاءتا في نفس التوقيت وفجرتا الوضع، الخروج من الاتفاق النووي مع إيران، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. وكانت التداعيات كثيرة. أولا زادت راديكالية الوسط الفلسطيني، فعندما يفقد الفلسطينون الأمل بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة، تراود الكثيرين منهم فكرة التخلي عن المشروع والكفاح من أجل قيام دولة واحدة يعيش فيها العرب واليهود جنبا إلى جنب. ويحصل فيها العرب على نفس الحقوق التي يتمتع بها اليهود، ولكانت حينئذ نشأت دولة على حسب مبدأ «شخص واحد – صوت واحد». ولكن هذا الأمر مرفوض من قبل اليهود، اذ لن تبقى اسرائيل حينئذ دولة يهودية. عدا ذلك، الفكرة الأساسية لاسرائيل، واليمين الاسرائيلي بالدرجة الأولى، هي أن القدس عاصمة اسرائيل الأبدية. وهذه الفكرة مرفوضة اذ أنها تخالف الشرعية الدولية. فهناك قرارات لمجلس الأمن في الأمم المتحدة تقر بأن القدس الشرقية يجب أن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية. بالإضافة إلى ذلك، القدس بالنسبة للمسلمين مقدسة، وهم مستعدون أن يتيحوا لجميع الأديان دخول القدس، وفيها يجب أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية.

ولذلك يجري الحديث عن صدام بين طرفين التوفيق بينهما أمر غير ممكن، ليس بين الطرف الفلسطيني والإسرائيلي فحسب، بل بين الطرف الإسلامي ككل من جهة والموقف الإسرائيلي المدعوم سياسيا من قبل دونالد ترامب من جهة أخرى.

ومن التداعيات الأخرى ضمور مسارات التسوية بين عدد من الدول الإقليمية وإسرائيل. مثلا بالنسبة للسعودية، من غير اللائق اليوم ان تتعاون المملكة مع اسرائيل، ناهيك عن اقامة علاقات دبلوماسية معها، كما فعلت مصر والاردن في حينه، خاصة بعد تلك المجزرة في غزة (صدام سكان قطاع غزة مع الجيش الاسرائيلي على خلفية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في الرابع عشر من مايو – ايزفستيا)

 

  • كيف يمكن لموسكو أن تساهم في تخفيف حدة التوتر؟

 

تدعو موسكو منذ زمن، للقاء على مستوى الرؤساء في روسيا، وتحديداً على منصة موسكو بين الاسرائيليين والفلسطينيين. يجب أن تكون موسكو تحديدا ساحة لعملية تفاوضية من هذا النوع، لم تنجح موسكو بهذا حتى الآن. ولا يجري الحديث عن استئناف عملية السلام في ظل هذه الظروف، للأسف.

    إلا أن موسكو لا تقوم بأفعال أحادية، فروسيا عضو في الرباعية الدوية (روسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة – ايزفيستيا)، وهي عضو في مجلس الأمن التابع للامم المتحدة، ومن هنا تنبع الرغبة بتنفيذ قرارات مجلس الأمن، والعمل في إطار رباعية الوسطاء، وهي الأخرى مهددة اليوم بفقدان الشرعية والمصداقية، فثمة بين اللاعبين الأساسيين في الرباعية – الولايات المتحدة، التي ابتعدت عن بعض المواقف التي أقرتها الاسرة الدولية. ومن الصعب جدا على موسكو العمل في إطار الرباعية وإطار الأمم المتحدة، فجميع مبادراتنا تواجه بالفيتو الأمريكي.

  • أي هو مأزق لا رابح فيه ولا خاسر؟

 

ليس كذلك تماما، أعتقد أن روسيا اليوم هي الوسيط الوحيد بين الفلسطينيين والاسرائيليين، فالولايات المتحدة دائما منحازة لجهة معينة في الأزمات. فمثلا الأمريكيون ليسوا على جهة اسرائيل فحسب، بل وعلى جهة اليمين الإسرائيلي ومن يؤيده في الشارع الإسرائيلي. أما روسيا، قفد أحرزت تقدما أكبر في كسبها ثقة أسرائيل والفلسطينيين على حد سواء.

 

  • هل ستبقى موسكو متمسكة بمدأ: القدس الشرقية والقدس الغربية – عاصمتان لدولتين؟

 

 إنه القانون الدولي، إنها قررات الأمم المتحدة. لماذا علينا التخلي عنها؟ إن فعلنا سينهار كل شيء، يتهموننا ويقولون إننا دولة «مخالفة» ونخالف القانون الدولي، انظروا إلى الأزمة الفلسطينية الاسرائيلية: موقفنا لا غبار عليه فيها، أما الولايات المتحدة فتخالف القانون الدولي فيها. انظروا إلى الخروج من الاتفاق النووي الإيراني، الذي وقعت عليه الولايات المتحدة، الرئيس باراك أوباما. وقد صادق مجلس الأمن الدولي عليه. أما الآن فنرى دونالد ترامب ينسحب منه. كيف يمكن تجاهل قرارات مجلس الأمن؟ كيف على سوريا أن تتصرف الآن؟ فمشكلة الجولان المحتل قائمة (الأراضي السورية الواقعة تحت سيطرة اسرائيل منذ ١٩٦٧ – ايزفيستيا)، روسيا تعتبرها أرضا سورية محتلة (لم يعترف مجلس الأمن سنة ١٩٨١ بإعلان السيادة الاسرائيلية عليها – ايزفيستيا). أما اسرائيل فتقول: علينا اثارة هذا الموضوع اليوم، ويقولون إن الجولان ستبقى أرضا اسرائيلية إلى الأبد، أين القانون الدولي هنا؟ لا مكان له.

 

  • رغم هذه الخلافات، الحوار بين روسيا واسرائيل مستمر على أعلى المستويات. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو زار موسكو في التاسع من مايو في عيد النصر، كيف يمكننا توصيف العلاقات الروسية الإسرائيلية في هذا الضوء؟

  

لا يتحدث أحد عن توافق تام في المواقف بين البلدين، ولا أحد يتحدث عن اتحاد استراتيجي بين روسيا واسرائيل، تربطنا علاقة ثقة طبيعية. نحارب الإرهاب سوية، لدينا علاقات تعاون اقتصادي ممتازة، الجالية الروسية في اسرائيل ضخمة، من المتحدثين باللغة الروسية، والأهم في ذلك أن روسيا واسرائيل ليستا عدوين، كما كان ذات يوم في السابق. في الماضي كان ينظر إلى إسرائيل على انها دمية الولايات المتحدة، أو كقوة تمول بعض القوى المعادية لروسيا. كان ذلك أيام الحقبة السوفيتية. اليوم كل شيء مختلف، مواقف اسرائيل قريبة من المواقف الروسية في الملف الأوكراني، وكذلك في كل ما هو متعلق بالحرب العالمية الثانية والمواقف من الفاشية. ولم تكن عبثية زيارة نتنياهو وارتداؤه شريطة النصر. وقد واجه بعض الانتقادات في اسرائيل من قبيل «انت مع الروس وابتعدت عن الغرب»، كما واجه انتقادات حين ارتدى شريطة القديس جيورجي أو شريطة النصر الممنوعة.

    ولا تنضم اسرائيل لأي نوع من العقوبات، وهي لا تخاف، علاقات التعاون تتطور بشكل

ممتاز، نشتري منتجاتهم، ويشترون منتجاتنا. نتعاون في المجال العسكري التقني وفي المجال الأمني. أي أن اسرائيل في غاية الأهمية بالنسبة لروسيا خاصة على خلفية عودة الأفكار الفاشية إلى أوروبا، ويعاد النظر في نتائج الحرب العالمية الثانية. أما في الشرق الأوسط فنعم – مواقفنا تختلف، ولكننا نعمل والعلاقات الدبلوماسية قائمة والعملية جارية.

 

سوريا

  • ماذا يحصل الآن في محادثات جنيف حول سوريا؟ مضى زمن منذ الجولة الأخيرة؟ هل ما زال مسار جنيف حيا؟ وما هي أفق مسار أستانا على خلفية تعثر مسار جنيف؟ وهل اقامة مؤتمر ثانٍ للحوار الوطني السوري في جنيف؟

 

نحن متمسكون بجميع المسارات، يمكن أن تطرأ عليها بعض التغييرات، ويمكن أن يتغير ثقلها السياسي، ولكننا متمسكون بمسار جنيف. بالطبع ندعم جهود المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان ديميستورا، وسوف يستمر مسار جنيف بطريقة أو بأخرى، وإن طرأت عليه بعض التغييرات.

والآن وبعد لقاء فلاديمير بوتين ببشار الأسد، تم التوصل إلى اتفاق مفاده أن الحكومة السورية ترسل وفدا إلى جنيف ليمثلها في اللجنة الدستورية. وهذا تقدم ملحوظ في موقف حكومة الجمهورية العربية السورية، التي نعمل معها بشكل وثيق وندعمها. حان الآوان لإطلاق العملية الدستورية. وفي مسار أستانا تم التوصل إلى نتائج كبيرة كذلك.

الأهم في كل ذلك هو تماسك الترويكا (روسيا – إيران – تركيا)، وسوف يجتمع قادة هذه الدول في أغسطس، وأعتقد أن نتيجة اللقاء ستكون واضحة جدا. وإن ظهرت الحاجة، فباعتقادي قد يعقد مؤتمر آخر في سوتشي.

بالإضافة إلى ذلك، أثناء لقاء إيمانويل ماكرون وفلاديمير بوتين في بطرس بورغ، قال الزعيم الروسي لأول مرة أننا جاهزون للتعاون في إطار «المجموعة المصغرة» – وهي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والأردن والمملكة العربية السعودية، وقد انضمت إلينا ألمانيا مؤخرا. بدأت هذه المجموعة العمل على مشاكل سوريا أيضا، كنا نتظاهر بعدم وجوده او نتجاهله، فلم تكن اهدافه واضحة، ولم تكن معالم المجموعة واضحة. أما الآن، ولأول مرة قال رئيسنا أننا جاهزون للتعاون ولا نعارض أي شيء. وهذا أمر مهم. الدور المصري في هذا الضوء يزداد أهمية. أي أن المهم اليوم هو تنفيذ قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤ (الذي تبناه في ديسمبر ٢٠١٥) – وبعدها الدستور والانتخابات.  كما يجب المساعدة في إعادة بناء سوريا. وللأسف لا يشاطرنا جميع الشركاء هذه الرغبة.

 

 – كم من الوقت سوف تستغرق إعادة بناء سوريا بعد الأزمة؟

 

 الكثير من الوقت والمال والموارد والاستثمارات.

 

  • ما هي الأطراف التي يمكن أن تشارك في هذه العملية؟ لكي يتم تنفيذها بأكبر فعالية ممكنة؟ هل هي ستكون مؤسسات دولية؟ أم دولا معينة؟

 

إنها عملية معقدة، ولذلك يصعب تسمية الجهات، ولكن شركاءنا الغربيين يقولون أنهم لا يريدون مساعدة الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحكومة السورية، وهذا أمر سيء. فالمساعدات لا تذهب إلى جيب الأسد، بل للشعب السوري، ضحية هذه الأزمة الدخلية الدموية. لا بد من مساعدة الشعب، إنها مهمة انسانية كبيرة، وقليلون من يريدون القيام بها، إلا أن ماكرون مثلا أعلن أن فرنسا سوف تمنح المال، الموارد الآن موجودة لدى الاتحاد الأوروبي ودول الخليج والصين والولايات المتحدة. نحن بدورنا نساعد ونفعل الكثير، سوف تستثمر الشركات الروسية بطبيعة الحال، إلا أن لمواردنا حدوداً، ولدينا مشاكلنا المتعلقة بالعقوبات وتذبذبات أسعار النفط.

 

ليبيا والعراق واليمن.

 

  • أزمة أخرى لا تهدأ في ليبيا، هل تعتقدون أن الأزمة الليبية بحاجة إلى مسار جديد، كمسار مؤتمر سوتشي مثلا؟

الوضع هناك سيء للغاية، يعمل في تلك المنطقة بنشاط المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة، ولديه خطط لإقامة مؤتمر كبير تليه انتخابات. هناك خطة عمل والكثير من الصعوبات لتنفيذها، بالدرجة الأولى بسبب الانقسام الكبير الحاصل في ليبيا. لا تتمكن الاطراف من التوصل إلى أي حل، أو الدخول في مجال توافقي معين يمكنهم من توحيد البلاد. العراقيل كبيرة جدا، ولست متفائلا حول إعادة الوحدة الليبية. لا بد من تفادي صدام مسلح على الأقل، وستبقى الأمور على ما هي عليه لفترة معينة على الأقل.

 

  • أي أن الممكن في المرحلة الحالية هو تجميد الأزمة وليس إلا؟

 

لا أستثني بعض التقدم نحو بعض الحلول الممكنة، وأتمنى أن تتوحد البلاد، ولكن لا بد لمؤسسات جديدة أن تنشأ في المجتمع وفي الأراضي الخاضعة لسيطرة كلا الطرفين من أجل ذلك. وربما حينها وعلى قاعدة جديدة تتم الوحدة، وتظهر سلطة جديدة حائزة على ثقة جميع سكان ليبيا. ولكن ذلك غير موجود الآن.

 

  • سيناريو تقسيم ليبيا، هل هو واقعي؟

 

لن تكون دولة قادرة على البقاء إن تم تقسيمها، لا أعتقد أن هذا الخيار موجود. من سيعترف بالأقسام؟ هل ستظهر دولة طرابلسية وأخرى…؟ لا أرى ذلك ممكنا.

 

  • ما هي آفاق العراق بعد الانتخابات البرلمانية، والتي حققت فيها الكتلة الشيعية بزعامة مقتدى الصدر انتصارا، هل ننتظر تغيرات في العراق؟

 

تعيش البلاد في ظل الدستور، وأي من جاء للسلطة، فهذا أمر طبيعي، تبقى بعض التناقضات بين بغداد والأقاليم الكردية. ولكنني أعتقد أن تجاوزها أمر ممكن، ولا أرى أي مشكلة في وصول التيار الصدري إلى الحكم، أعتقد أننا سنشهد إعادة تشكيل في بعض الأوساط السياسية، فالصدريون كانوا قوة ضد الأمريكيين الذين دخلوا العراق سنة ٢٠٠٣. وما قد يبدو أنهم من الشيعة ويجب أن يكونوا سعداء للإطاحة بصدام حسين، ولكنهم لم يفرحوا لقدوم الأمريكيين وحلفائهم، ومن جهة أخرى هم ليسوا مندفعين نحو إيران، كالجزء الآخر من شيعة المجتمع العراقي. من الضروري فهم أن الشرق الأوسط ليس ساحة لصراع جبهتين، الشيعة والسنة، أبدا ليس كذلك. فهناك بعض التناقضات بين الشيعة، وقوى نفوذ مختلفة ضمن نفس الطائفة، وفي الطائفة السنية هناك قوى تتنافس فيما بينها أيضا، حتى في الأفق الديني واللاهوتي.

 

  • اليمن دولة أخرى في الشرق الأوسط تمزقها أزمة داخلية، كيف يمكن لروسيا أن تساعد في حل هذه الأزمة؟

 

اليمن اليوم بعيد جدا عنا (جيوسياسيا – ايزفيستيا)، رغم ذلك يؤمن اليمنيون بنا، نساهم في التسوية منذ بداية الأزمة، ونحن في مجموعة «أصدقاء اليمن العشرة»، الذين يعملون على العملية السلمية، ولكن لا يمكننا القول إننا منخرطون بشكل قوي فيها. الجهود الدبلوماسية موجودة، والعمل جارٍ مع اللاعبين الإقليميين، مع إيران والسعودية والإمارات والبحث جار عن الحلول الدبلوماسية. روسيا تدعم جهود المبعوث الخاص للأمين العام اللأمم المتحدة مارتين غريفيتس، ولديه خبرة في الوساطة والعمل من أجل إحلال السلام تحت راية الأمم المتحدة. سوف نرى، الوضع حتى الآن سيء، واليمن بحاجة إلى مساعدات انسانية، ففيه نحو مليون مصاب بداء الكوليرا، واليمن بحاجة إلى جهود المجتمع الدولي، روسيا بمفردها لن تتمكن من مساعدة اليمن، ولكنها قادرة على دعم الجهود الدولية.

ترجمة محمد عبد الرحمن

اترك تعليقا