الرئيسية » حضاريات » الثقافة المصرية.. الخروج من الأزمة

الثقافة المصرية.. الخروج من الأزمة

أحمد الخميسي
يرجح الكثيرون أن هناك أزمة تمسك بخناق الحركة الثقافية ، وقد عبر د. أحمد مستجير ذات مرة عن تلك الأزمة تعبيرا دقيقا بقوله:” هناك نشاط ثقافي واضح بالفعل ومع ذلك يشعر الفرد بأن ثمة ركودا يلف الروح الثقافية”. بمعنى آخر فإن عليك أن تميز بين الحركة والفعل، بين الدبدبة بالقدمين والتقدم إلي الأمام، بين كتب وأفلام ومسرحيات تظهر بلا نهاية وبين أهمية التمسك باتجاه ورؤية. وتتجسد الأزمة في غياب المشروع الثقافي الذي لا تقوم بدونه ثقافة. وقد قامت الحركة الثقافية دوما على صدامها مع القيم السائدة، وعلى رؤية فكرية علمية وإنسانية تطرحها في مواجهة رؤية أخرى، ومن هذه الزاوية اكتسبت أهميتها أعمال طه حسين ويحيي حقي وعبد الرحمن الشرقاوي وألفريد فرج وغيرهم. والمؤكد أنه ما من أديب كبير عظيم إلا وكانت له رؤية وفلسفة لتغيير المجتمع بل ولتغيير العالم، سواء أكانت مضمرة في إبداعه أو معلنة. وحتى السبعينيات من القرن الماضي كانت الرؤية واضحة: مصر وطن يجابه تحديات التنمية ويكافح الاستعمار ويسعى للسيطرة على مقدراته. أما الآن فقد أمست الرؤية صعبة المنال على مثقفين وأدباء يقفون فرادى بمظلات مثقوبة تحت مطر المفاهيم والتحولات، بعد أن أدى انهيار الفكر الاشتراكي والمشروع القومي إلي فقدان البوصلة وغياب أي مشروع جديد. لمن نكتب؟ لماذا نكتب؟ لمن نصنع الأفلام؟ لمن نعد المسرحيات وبأي هدف؟ ما من جواب، أو أن هناك اجابات خافتة بأصوات ضعيفة تتبدد في رياح الضوضاء. هل يقوم اقتصادنا على النهج الرأسمالي؟ أم الاشتراكي؟ أم بالجمع بين النمطين؟ هل نسعى لنكون دولة مدنية حديثة بالفعل أم أننا نقدم ألف صنف من كل فكرة على منضدة الدولة؟. ولدينا وزارة ثقافة لكنك لا تلمس أن لديها مشروعا ثقافيا ولا يزيد عملها عن تحريك الأوراق والاجراءات. ولهذا يرد البعض أسباب الأزمة إلي مؤسسات الدولة الثقافية ووفقا لذلك الرأي يصبح الخروج من الأزمة مسئولية الدولة.  وعلى العكس من ذلك يرى البعض أن جذور الأزمة ترجع إلي دور المثقف الذي تحول إلي شخص معزول يثير الرثاء. فريق ثالث يرد اسباب شعورنا بالركود الروحي الثقافي إلي مظاهر الأزمة، وليس جوهرها، فيقول إن السبب هو غلبة التيار الديني الرجعي، وسيادة ثقافة الخرافات والشعوذة، و صعوبات النشر، واحتواء الدولة لقسم كبير من المثقفين بتوظيفهم في دوائرها. وقد يكون كل عامل من تلك العوامل صحيحا بمفرده، إلا أن الأصوات التي ترى الأزمة في تفاعل كل تلك العوامل معا قليلة، فالأزمة أزمة طريق بشكل عام نرتطم فيه بحقائق قاسية مثل ارتفاع نسبة الأمية، وتدهور التعليم الذي قال عنه طه حسين إنه ” مستقر الثقافة “، وعزلة الاعلام الرسمي المرئي عن الناس، وعزلة الأدباء الذين غرقوا  في ذواتهم بعيدا عن قضايا المجتمع، ثم هجمة العولمة التي تكتسح كل المفاهيم القومية والوطنية لترسخ لفكرة الربح الاستعماري على حساب الشعوب الأخرى. وليس سهلا العثور على خريطة لما ينبغي أن يصير إليه حال المجتمع والثقافة في كل تلك الظروف المحلية والدولية، لكن ذلك لا يمنع من أن تكون نقطة الانطلاق هي قول الحقيقة الوحيدة البسيطة : لقد فقدنا الخرائط ، فقدناها في لحظة حرجة ، يتسلل فيها نسق آخر كامل إلي أدق خلايا العقل عبر العولمة التي تريد زحزحة حدود بلادنا مع التمسك بحدود أوطانها هي،  وعبر التمويه على طبيعة الصراع العربي– الإسرائيلي بإلقاء التهم علينا باعتبارنا” لا نقبل الآخر”، وعبر تغطية المدافع والدبابات بقماش من صراع الحضارات وبإشاعة الثقافة المنغمسة في الذاتية بحثا عن حرية فردية بمعزل عن حرية المجتمع، والإلحاح على ثقافة السلام وكأننا كنا يوما دعاة حرب. وربما لا نملك سوى القليل لنقوله، وربما لم نعد ندرك سوى القليل لنقوله، لكن هناك – بالرغم من ذلك – ضوءا خافتا يلوح مشتتا ومتكسرا في أعمال ليست قليلة تسعى لخلق تصور عام وترى الرابطة الوثيقة بين الثقافة والمجتمع، ومن هذه الأعمال يشع نور الأمل في خلق تيار ثقافي حقيقي ينشغل بالبحث عن رؤية جديدة وبالعثور على إجابات واضحة للأسئلة الملحة : ما الذي نريده لمجتمعنا ؟ وما الذي نريده من ثقافتنا ولها ؟

اترك تعليقا