الرئيسية » جماليات » الأسئلة السخيفة تطارد نجيب محفوظ

الأسئلة السخيفة تطارد نجيب محفوظ

د.أحمد الخميسي
في مارس 2014، بمناسبة صدور الأعمال الكاملة لادوار الخراط صرحت دكتورة سيزا قاسم بقولها إن إدوار هو: ” أكبر روائي عربي في العصر الحديث”. ولم تتعرض بكلمة لمسألة ما إن كان إدوار الخراط ” إنسانا شجاعا” أم لا، ومن حقها بالطبع أن ترى أن الخراط ” أكبر روائي”، هذه وجهة نظرها، ومن حقها ألا تشير بحرف لذبول مواقفه في المعارك السياسية أوبالعكس مساهمته فيها بحرارة. وإذا كان معيار سيزا قاسم عند تقدير إدوار هو أعماله الأدبية، فلماذا انتقلت فجأة إلي معيار آخر عند محاسبة نجيب محفوظ أي صفات الكاتب الشخصية؟ فتتهم محفوظ بأنه كان” إنسانا جبانا”؟! صرحت الدكتورة بذلك في ندوة عقدت منذ أيام لمناقشة كتاب محمد شعير” أولاد حارتنا سيرة الرواية المحرمة”. وهنا تبرز عدة أسئلة منهجية تتعلق بتعاملنا مع الأدباء والأدب. الأول: هل نعامل الأدباء بصفاتهم الشخصية” جبناء” ، ” شجعان”، ” مدمني خمور”؟ وبشكل عام هل نعامل من تصدوا للعمل العام بناء على صفاتهم الشخصية؟ أم بناء على أعمالهم وإبداعهم؟! فإذا كانت سيزا قاسم تشير ليس إلي صفة شخصية بل إلي صفة أثرت في طبيعة أدب محفوظ لكان عليها أن توضح كيف انعكس  ذلك “الجبن” في أدب محفوظ؟ في أي رواية من رواياته كان ” جبانا”؟ وزادت الناقدة قائلة إنه:” إنسان جبان طبعا ليس له موقف شجاع واحد”. وهنا ننتقل إلي قضية أخرى، تتعلق بفهم دور الأديب. هل دوره أن يتخذ المواقف الشجاعة أم أن يعبر عن حياة مجتمعة في الأدب؟ ومضت تفسر أقوالها السخيفة بأن محفوظ :” لم يجرؤ أبدا على التصريح بأن الرواية ( أولاد حارتنا) كانت رمزية دينية وفضّل أن يقول إنها رواية لها مرام وأهداف سياسية لا أكثر”. منذ متى كان الأديب مطالبا بتفسير أهداف روايته؟ وللناقدة الفاضلة أقول إن نجيب محفوظ كان أشجع أديب عربي في القرن العشرين، وعندما ساد مناخ الرعب من السجون أيام عبد الناصر كتب محفوظ ، محفوظ تحديدا وليس غيره، رواياته الست التي وجهت سهام النقد العنيف إلي الطابع الاستبدادي للنظام: اللص والكلاب، والمرايا، والسمان والخريف،والطريق، وميرامارا. هذا في زمن كان الناس فيه يعتقلون لمجرد أنهم صافحوا شخصا. وكان معنا في معتقل طرة عام 1968 الناقد علي شلش رحمه الله الذي ظل في الحبس عامين لمجرد أنه صافح جان بول سارتر خلال زيارة الأخيرة للقاهرة، فقط لمجرد المصافحة مع أن شلش لم يكن له أي علاقة بالحركة السياسية. في تلك الظروف عكف محفوظ على توجيه سهام النقد العنيف للوجه الاستبدادي للنظام، وكان محفوظ ، وأيضا الشيخ إمام، يشكلان الظاهرة المعارضة الأكثر شجاعة وحيوية في الحياة الثقافية السياسية. هل يمكن أن نقول عن إنسان كهذا إنه ” جبان”؟! قصة نجيب محفوظ أنه قرر أن يتفرغ تماما للرواية، فلا يدع شيئا آخر يعطله، وقرر أن تكون الرواية ساحة شجاعته، ومواقفه، الرواية تحديدا، حتى أنه عندما عرض عليه مصطفى أمين في الخمسينات أن يكتب قصصا قصيرة لجريدة الأخبار بمكافأة شهرية تساوى ضعف راتبه الشهري رفض واعتذر بأنه ” متفرغ للرواية”. وحينما سألناه أكثر من مرة عن اختلاف مواقفه في الظاهر عما تحتويه رواياته قال بوضوح : ” صدقوا رواياتي”. لم يدخل محفوظ أي معركة بشكل مباشر، لكنه صور كل نماذج الحياة المصرية خلال المعارك وعلى هامشها بعبقرية غير مسبوقة وطرح خلال ذلك رؤيته وموقفه وشجاعته التي كتب بها روايته ” أولاد حارتنا” فتسببت في طعنه بالسكين. وعندما تتحدث ناقدة ودكتورة وأكاديمية عن أديب كبير، فلابد أن تكون على علم أن ما يخص النقد ليس أن محفوظ جبان، لأنه لم يقدم نفسه بصفته مصارع ثيران أو مروض أسود، لكن ما يخص النقد هو : كيف ظهر الجبن في أدبه إن كان لتلك الصفة الشخصية تأثيرها. لقد اختط محفوظ لنفسه طريقا خاصا، نأى به عن كل المعارك الاجتماعية، لكن ما يعنيني هنا هو إخلاصه لقضيته، وإبداعه، وليس أنه كان”خفيف الظل”أو”شجاعا”،أو” احمق”. وأظن أن كل ناقد يعلم أن الخفة لا تجوز عند التعامل مع كتاب عظام أفنوا حياتهم في الأدب وأمسوا ظاهرة في تاريخه. والغريب أن يتصور بعض المثقفين أن على الأدباء جميعا أن يتخذوا نفس المسار: خوض المعارك، وكتابة المقالات، واتخاذ المواقف، كأننا نريد مكنة تطبع نفس النسخة من الكاتب. هناك دائما طرق خاصة، مختلفة، يمضي عليها البعض إلي نفس الهدف، ولا يعني ذلك أنهم جبناء. وقد كان عدد غير قليل من كتب طه حسين مهدى إلي الملك، فهل نتهم الكاتب العظيم بالجبن؟ وقد تراجع بيرم التونسي عن الهجوم على الملك بقصيدة صالحه فيها، فهل نتهمه بالجبن؟ والأمثلة لا تحصى، والدرس المستفاد منها أن علينا أن نرى الظاهرة في طابعها الشمولي، بالضبط كما رأت دكتورة سيزا قاسم بشكل شمولي أن إدوار الخراط ” أكبر روائي عربي” من دون أن تتوقف عند صفاته الشخصية بكلمة. في كل الأحوال من المخجل أن نتناول أديبا عظيما بهذه الخفة بحيث نوجزه في لفظة غير لائقة لا به ، ولا بتاريخه، ولا بإخلاصه لقضيته.
الدستور المصرية –  27 أغسطس 2018

اترك تعليقا