الرئيسية » حضاريات » الأردن اجتمع حول مريم في عيد بشارتها: مسلمون ومسيحيون معا … “نعم للمحبة والأخوة”

الأردن اجتمع حول مريم في عيد بشارتها: مسلمون ومسيحيون معا … “نعم للمحبة والأخوة”

جاء الاردن، بفسيفسائه المتنوعة. في الاحتفال الاسلامي المسيحي المشترك بعيد البشارة، الاول من نوعه في البلاد، جمعت مريم حولها مئات الاردنيين، من مختلف الطوائف والمذاهب، “في مساء يؤسس لمرحلة جديدة من الحوار والإخاء والوئام”، بتعبير الاب رفعت بدر، مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والاعلام الذي هو صاحب الدعوة.
ليلة من عمر الاردن اوصلت رسالة واضحة. الاردن “أسرة واحدة”. الاردن يرفض لغة الكراهية الدينية. الاردن “لن يسمح بالتفرقة” بين المسلمين والمسيحيين. الاردن “يجعل التعدد الديني عامل حياة”. الاردن “باني التفاهم المشترك”. وتعالت ايضا امنية صريحة، ان “يتم اعلان عيد البشارة عيدا وطنيا سنويا جامعا لجميع الاردنيين”.
نحو ساعة ونصف الساعة، اتكأ الاردنيون، مسلمون ومسيحيون، في حديقة مريم، في صلاة وتأمل. حتى آخر كرسي، امتلأ مسرح مركز الحسين الثقافي في راس العين بعمان. في الطليعة، راعي الاحتفال نائب رئيس الوزراء جمال الصرايرة، اعضاء من مجلسي النواب والاعيان، سياسيون ورؤساء كنائس وممثلون لهم، رجال دين مسلمون من دائرتي قاضي القضاة والافتاء العام ووزارة الأوقاف، مسؤولون من هيئة الاركان المشتركة والامن العام. كذلك، حضر وفد من “اللقاء الاسلامي المسيحي حول سيدتنا مريم” جاء خصيصا من لبنان للمناسبة، وضمّ امينيه العامين ناجي الخوري والشيخ محمد النقري وعضو اللقاء منير جبر.
 “السلام عليك يا مريم” 
مهمة التقديم تعاونت عليها ميس الايوب من عنجرة ، والطالبة “المبدعة” جود مبيضين من الكرك. من دون تأخير، تدخل الجموع الى عند مريم في الناصرة. “السلام عليك يا ممتلئة نعمة، الرب معك، مباركة انت في النساء”، قالوا لها مع الملاك. نص انجيلي من لوقا (1/28-35) رتله الاب نادر ساووق، غارقا في صلاة. الصمت مطبق في المسرح. “فلنصغي”. وكان لجواب مريم كلّ الوقع: “انا امة الرب، فليكن لي حسب قولك”.
يا مريم. اسمها يملأ الارجاء. وصورة بهية لها، مع الشيخ وليد الكلباني الذي رفع آيات من سورة آل عمران (69/41-46) بصوت تلألأ بالشمس، هاتفا في رهبة اللحظة: “اذ قالت الملئكة يمريم إن الله اصطفك وطهرك واصطفك على نساء العلمين…”.
بدر 
الاب بدر اوّل المتكلمين. “جئنا اليوم أسرة واحدة، نقول بأننا مع تأسيس جديد لعلاقات مميزة بين المسلمين والمسيحيين، ليس في بلادنا المقدسة فحسب، انما ايضا في العالم أجمع… جئنا نقول نعم ليتعلم أبناؤنا في المدارس نعمة المحبة والأخوة والاحترام. جئنا نقول نعم لمقارنة الأديان في مساق أكاديمي وأخلاقي في الجامعات، ولا لمقارعة الأديان والإساءة الى معتقدات الآخرين، ولا للتطرّف واستخدام العنف… جئنا نقول بأنّ التطرّف الوحيد المسموح به هو تطرّف المحبة والاخاء والايثار”. وأمل في ان “نتفق في هذا الوطن الأحب على اعلان عيد البشارة السعيد، عيدا وطنيا سنويا جامعا لجميع السكان تحت مظلة القيادة الهاشمية الحكيمة”.
الملك  
لحظات، والكلمة للعاهل الاردني الملك عبدالله الثاني. يطل على شاشة بيضاء، من على منبر الأمم المتحدة في 20 أيلول 2016، قائلا: “أما يسوع المسيح، فقد ذُكر في القرآن الكريم 25 مرة، وأمه مريم التي يصفها الاسلام بأنها “خير من خلق الله من النساء” مذكورة 35 مرة، كما أنّ في القرآن الكريم سورةً كاملة باسم مريم. الخوارج يتعمدون اخفاء هذه الحقائق عن الاسلام، ليفرقوا بين المسلمين وغير المسلمين. وهو امر لا يمكن ان نسمح به”. وعلا التصفيق حارا.
ترتفع الشاشة البيضاء، وينفتح المسرح على جوقة “ينبوع المحبة”، بقيادة طعمة جبارة. مديح لمريم، بأجمل التعابير. “ان جبرائيل دُهِش من بتوليتك وسناء نقاوتك، فهتف اليك يا والدة الاله”… نعم، “السلام عليك يا ممتلئة نعمة”. ترتيلة وراء ترتيلة، في احناءة على كتف مريم. “آفي، آفي ماريا”.
الخوري  
صوت من لبنان. والوقفة مع الامين العام لـ”اللقاء الاسلامي المسيحي حول سيدتنا مريم” ناجي الخوري. “إِذا أَرَدْنا أَنْ يَعيشَ العالَمُ بِسَلامٍ وَاطْمِئْنانٍ، فَعَلَيْنا أَنْ نَعْمَلَ جاهِدينَ عَلى نَشْرِ ثَقافَةِ السَّلامِ هُنا، في شَرْقِنا الـمَريضِ، مَهْدِ دِياناتِنا”، قال للحضور بحزم. وشدد على وجوب “ان “نَبْحَثْ في تُراثِنا الـمُشْتَرَكِ وَتُراثاتِنا الفَرْدِيَّةِ عَمّا يُوَحِّدُنا وَيَمْحو الحُدودَ بَيْنَنا، وَما يَهْدِمُ الأَسْوارَ الَّتي أَنْشَأوها بَيْنَنا وَهْمًا وَبُهْتانًا، فَنَعيشَ مَعًا بِسَلامٍ وَاطْمِئْنان”.
وهنأ الاردن “الشقيق” “بهذا الاحتفال الأوّل من نوعه فيه”، آملا “كما تفضّل الأب رفعت، في أن تتحوّل هذه المناسبة عيدا وطنيا سنويا جامعا، كما حصل لدينا في لبنان”، لافتا الى “اننا ندشن اليوم مرحلة جديدة في العلاقات المسيحية الاسلامية”.
فيلم قصير عن معاني الاحتفالية. ثم الكلمة كانت اناشيد وابتهالات مع فرقة “الفلاح الانشادية”، بقيادة المايسترو عمر يوسف. فسحة تسحب السامعين الى ابعاد اخرى من نشوة الصلاة. حناجر سخية بكرم، وجادت: “الله، الله، الله، الله…”، “سلام سلام انت يا الله”… “يا ناس عيسى رسول وامه مريم صديقة بتول”. وقالوا اكثر ايضا.
 الصرايرة 
واعتلى راعي الاحتفال نائب رئيس الوزراء الصرايرة المنصة. “يأتي هذا اليوم ليضيف إلى النموذج الاردني صورة ناصعة جديدة تعكس عمق الوعي، وتشكل اضافة الى المبادرات العالمية التي قادها الاردن في مجال الاديان. وتلاقى اتباعها، ليبقى الدين عاملا للمحبة والالفة والوئام والحوار”، على ما قال. واشار الى ان “الاردن استطاع، بوعي ابنائه ورؤية قيادته المستنيرة، ان يجعل من التعدد الديني عامل حياة، ومن اختلاف البنيات الثقافية والفكرية والدينية، بنية واحدة موحدة متماسكة… ولا غرابة ان يأتي هذا الاحتفال وبمثل هذه الصورة الفسيفسائية، ليضيف لبنة جديدة الى بناء التفاهم المشترك في الاردن”.
وعادت جوقة “ينبوع المحبة” بمزيد من عناقيدها الطيبة. “الله نوري وخلاصي فممن أخاف؟” وتعالى اللحن، محبوكا بالتضرع. “الله حصن حياتي فمّم اهاب؟” وقفة مع الفنانة سبأ الحباشنة التي انجزت لوحة البشارة بطبعتها الاردنية وقدمتها الى الصرايرة. والختام مزيد من الاغاني والتراتيل لقطت الجمهور. “اؤمن ان خلف الحبات الوادعة، تزهو جنات”، وتصفيق لـ”ايماني ساطع يا بحر الليل”. وبعفوية، دندن الناس مع الجوقة “في ظل حمايتك نلتجئ يا مريم”.
هاله حمصي
النهار: ٢٩-٣-٢٠١٨

اترك تعليقا