الرئيسية » حضاريات » استئناف الاستشراق: صورة الإسلام في تنظيرات ومشاغل ما بعد الحداثة

استئناف الاستشراق: صورة الإسلام في تنظيرات ومشاغل ما بعد الحداثة

       مسعانا في هذا البحث، معاينة الآثار المعرفية للإستشراق على منظومات التفكير لدى نخب العالم الإسلامي. ولقد ابتنينا هذا المسعى على فرضيات خمس تؤلف على الجملة مدخلاً لتنظير جديد  حول الاستشراق المستأنف في صيغته المابعد حداثية :
       الفرضية الاولى: أن الإستشراق لم يبتدئ مع الحداثة، ولمّا يتوقف عند اطوار ما بعد الحداثة التي اتخذت مجراها بدءاً من القرن الرابع‌ عشر الميلادي والى مستهل القرن الحالي. فهو إذاً، فعل سارٍ ومتجدد منذ ان تحيَّز الغرب كفضاء حضاري تحت مقولة الدولة –الأمة، ثم ليحمله تحيُّزه الى الامتداد والتوسع باتجاه شرقٍ ما كان له من مناص حالئذٍ، إلا أن يتدرّع بوحيه وإيمانه وهويته الحضارية ليحمي نفسه من التلاشي والإمّحاء.
       الفرضية الثانية: أن مقاربة الاستشراق من جانب نخب المسلمين بدت في الغالب كما لو أنها إجراء معرفي لا نهاية له، ما دامت ثنائية (غرب- شرق) هي الحقل الذي منه تستولد الافكار والمعارف والمواقف وقوانين الاحتدام. ومن هذا الداعي كذلك، نجد ما يستحثنا، كعرب ومسلمين ومسيحيين مشرقيين، على معرفة ما ينبغي معرفته بنظير يغشى صورته ضباب كثيف. حيناً يظهر علينا كساحر يأتينا بأغواءات الحداثة وانوارها، وحيناً ثانياً، كسلطان معرفي مستعلٍ يسوغ لحكوماته الغزو والاحتلال وأبوَّة الوصاية.
       الفرضية الثالثة: وجوب تفكيك اللَّبس الذي تراكم في الوعي العربي- الاسلامي حيال مقولة الاستشراق. ففي مسعانا لتأدية مثل هذا الواجب، قد نفلح في التأسيس لنظرية معرفة ترسي قواعد فهم جديدة للذات الحضارية الاسلامية في تناظرها، أو اختصامها، مع الذات الحضارية الغربية. مما يوجب التساؤل عما لو تيسَّر لنا ان نكوِّن فهماً صائباً عن غربٍ انتج أرقى انواع الفنون والقيم والأفكار، وأجاءنا في الوقت عينه بما لا حصر له من صنوف العنف والإيذاء والحروب المستدامة.
      الفرضية الرابعة: حقيقة ان للإستشراق المتدفّق على بلاد المسلمين، قابلاً من نفس الشرق. وبيان هذا أن المستشرق الغربي يجد من أبناء الشرق من يناظره أو يتماهى معه في خطبته ومنطقه ومعارفه المستحدثة. مع الإشارة إلى أن هذين – التناظر والتماهي – يجريان في أزمنتنا المعاصرة ضمن ديالكتيك شديد التعقيد: إما بالإقناع والرضا والإغواء، وإما بمفترضات القوة والقهر وإثارة الفوضى الأهلية. وهو ما نذهب الى تسميته بالاستغراب. وما نعنيه بالإستغراب هو نتاج تفاعل مركب بين دهشة العربي المسلم بحداثة الغرب ومنجزاتها من جهة، وسعيه لنقدها ومواجهتها من جهة أخرى. فبنتيجة هذا التركيب على الإجمال، بدا المستغرب المشرقي كنظير سلبي للمسشترق الغربي وكامتداد محلي له في الوقت عينه. فكان «الإستغراب» بهذا ادنى الى استيطان معرفي ما فتيء يستعيد سؤال الغرب وجوابه على نصاب ما سبق ان تلقاه من مفاهيم الحداثة والتنوير والتقدم والإحياء الحضاري.
     الفرضية الخامسة: ان الفكر الاستغرابي- الذي نقصده لوصف احوال شطر وازن من مثقفي العالم الاسلامي، هو فكر انتجته الدهشة، ووسَّعته الترجمة، ورسَّخته الهيمنة، ثم لترتضيه نخب المجتمعات العربية والاسلامية فتتخذه سبيلاً لفهم ذاتها وفهم غيرها، فضلاً عن فهم العالم في الآن عينه.
     ان ما فعله الإستشراق المستأنف هو انه انشأ الإستغراب العربي الإسلامي على كلماته ورؤياه من دون ان يُحِلَّ فيه روح حداثته، بما تختزنه من عوامل الابتكار والتقدم. أبقاه في غربته المستحثدة حتى صار مستغرِباً حيال كل ما له صلة بعالم المفاهيم والافكار الابتكار التقني. والنتيجة ان الشرق ظل شاهداً براَّنياً على عقل الغرب، وشريكه الضعيف في آن. حتى ان كثيرين من الدارسين الغربيين لم يروا الى الحركات الفكرية في الشرق الا كظلٍ صامتٍ ينتظر من يهبه الحياة. ما افضى الى واقعة معرفية قوامها حضور المستشرق في الشرق حضوراً مطلقا،ً في مقابل غياب همّ الشرق في فكر المستغربِ غياباً مطلقاً. ولأن الاستغراب هو الوجه الآخر للاستشراق، فقد أضاعت الانتلجنسيا العربية الإسلامية – ولا سيما منها العاملة في الفضاء العلماني – سمْتَها الخاص، فإذا هي مستلبة أو قاصرة، بل وغير قادرة على إنتاج فهم مطابق، لا بإزاء الذات ولا بإزاء الآخر.
    الاستشراق في المعنى والاختبار
      لو أنّ لنا من توصيف يوَحِّد معنى الاستشراق بعد ارتحال مديد من الاجراءات التفسيرية، لقلنا إنه فهم الغرب للشرق، من دون أن يكون للشرق حرية التعريف بنفسه كما هي في الواقع. كان للغرب شغف الى التعرّف على شرقٍ، لم يعد عند غروب القرن الثامن عشر مجرّد نظير جهوي له.. بل كان بالنسبة اليه، جغرافيا مسكونة بالأسرار. ثم وجد أن لا مناص له من تحرّي ما تثيره الدهشة التي ينطوي عليها. فأنَّى ذهبت التفسيرات لجلاء الأسباب المعرفية التي دفعت النخب الغربية الى مثل هذا التحرِّي، فليس من العقلانية في أمر، أن تُحمل الظاهرة على محمل البراءة. ذاك أننا لسنا بإزاء إجراء معرفي منقطع الصلة عن تحولات الحداثة وتدفقها الى خارج فضائها القومي.
      من هذا النظر لا يعود الاستشراق مجرد حقبة تاريخية ولدت كفائض قيمة للحداثة الامبريالية، وإنما  هو ظاهرة مركبة من المعرفة والهيمنة وقد صُبَّتا في وعاء واحد…  ما تصح الاشارة اليه، أن الغرب استطاع أن يتجاوز أزماته الحضارية من خلال إعلائه من شأن النقد. فلقد عكف على نقد كل عيب لديه من اجل أن يرمِّم ما فَسُد في تاريخه. لكن الاستشراق لم يكن في حاجة على ما يبدو الى مثل هذا النقد، الا اذا تعلّق الأمر بتصحيح المهمات التي أوكلها الى نفسه. ولذا فعلى الرغم مما ظهر به عمله، وكأنه نسق مستقل بذاته، الا أنه لم يكن بمنأى من الاستراتيجيات العليا لموطنه الأصلي. فانه في أطوار زمانية ومكانية مختلفة، سيفارق مدَّعاه الاستقلالي، ليؤدي مهمة ذات وجهين:
     الاول: تظهير العقلانية بما هي شأن ذاتي جوهري لماهية الغرب.
     الثاني: رؤية الشرق تبعاً لعقل الغرب ومعاييره الصارمة . . ثم إعادة توليد صورة المشرق على نحو يجعل نُخَبَه ومثقفيه غافلين عما هم عليه في واقع أمرهم.
       هذا ما يشير إليه المفكر العربي الراحل ادوارد سعيد، حين يرى أن انعدام الوعي النقدي الضّدّي في الاستشراق، هو حصيلة كونه توثيقاً إحالياً، يعيد فيه النص الجديد –أي المنتج الاستشراقي- توثيق سلطة النص القديم.
      ففي مقدمة كتابه “الاستشراق”، يقول سعيد: “اذا اتخذنا من اواخر القرن الثامن عشر نقطة للانطلاق محددة تحديداً تقريبياً، فإن الاستشراق يمكن ان يناقَش ويحلَّل بوصفه المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق. أي التعامل معه بإصدار تقريرات حوله، وإجازة الآراء فيه وإقرارها، وتدريسه، والاستقرار فيه، وامتلاك السيادة عليه.. اما مؤدى الأطروحة التي يمضي سعيد الى انجازها فيوجزها قوله : “اننا لم نكتَنه الاستشراق بوصفه إنشاءً، فلن يكون بوسعنا أبداً أن نفهم الفرع المنظّم تنظيماً عالياً الذي استطاعت الثقافة الغربية عن طريقه أن تتدبّر الشرق –بل حتى ان تنتجه- سياسياً، اجتماعياً، وعسكرياً، وعقائدياً، وعلمياً، وتخيّلياً.. لقد احتل الاستشراق مركزاً هو من السيادة بحيث أنني أؤمن بأنه ليس في وسع انسان يكتب عن الشرق، او يفكر فيه، او يمارس فعلاً متعلّقاً به، من دون ان يأخذ بعين الإعتبار الحدود المعوّقة التي فرضها الاستشراق على الفكر والفعل. وبكلمات أخرى، فإن الشرق، بسبب الاستشراق، لم يكن (وليس) موضوعاً حرّاً للفكر أو الفعل.. لا يعني هذا أن الاستشراق، بمفرده، هو الذي يقرِّر ويحتِّم ما بمكن أن يقال عن الشرق، بل أنه يؤلِّف شبكة المصالح الكلية التي يُستَحضَر تأثيرُها بصورة لا مفر منها في كل مناسبة… بحيث يكون فيها ذلك الكيان العجيب «الشرق» موضعاً للنقاش. أما كيف يحدث ذلك، فقد تأتي الجواب- حسب سعيد- أن الثقافة الغربية اكتسبت المزيد من القوة والهوية بوضع نفسها موضع التضاد مع الشرق باعتباره ذاتاً بديلة أو حتى سرية “تحت-أرضِيِّة”
 ديالكتيك التثمير والتفكيك
لو قصرنا وجهة الاستشراق على كونها وظيفة ايديولوجية للسلطة الامبريالية، فلربما سهونا عن الكثير من مواطن الخلل. فالمسألة تتعدى السياسي المباشر لتصل الى طبقات أعمق غوراً، وهي في الوقت عينه، متّصلة اتّصالاً موثوقاً بالغاية العليا لتوجهات الحداثة ورحلتها الكولونيالية نحو الشرق.
وعلى هذا النحو سنرى كيف انعقد السجال حول الاستشراق على سياق مركب، قوامه التلازم الديالكتيكي بين التثمير المعرفي لمنجزات الشرق، وإعادة انتاجها كسلطة معرفية للسيطرة عليه.
ثمة من يبيّن أن الاستشراق، الذي كثيراً ما أسهب المعنيون في توصيفه وتعريفه، لا يعدو كونه علماً طال الاسلام عقيدة وثقافة، واجتماعاً سياسياً، وبنية حضارية. فلا عجب إذاً، أن تنشأ مدارس للدراسات العربية والاسلامية، أبرزها تلك التي تزعمها المستشرق “بورجشتال”، ولا غرابة ايضاً حين تتبوّأ احداها ،-تحت ادارة المستشرق سنوك هورخرونيه- مكانة مرموقة وُضعت في خدمة المستعمرات الهولندية في جنوب شرق آسيا. أما الألمان الذين حُرموا من وليمة المستعمرات، فلم ينههم ذلك عن الضرب بسهم وافر في هذا العلم. ومن باب أولى –ونحن نستجمع أسباب اللهفة الأوروبية على الثقافة العربية- أن نعود بذاكرتنا لنرى الى الدافع الذي آل بالاسبان الى العدول عن السيف نحو الكلمة، من اجل درء الخطر الذي شكّله الفتح الاسلامي بداية، ومن بعده الموحدون الذين أثاروا بانتصاراتهم المتكررة حفيظة الكنيسة. أما النتيجة فكانت ولادة  فكرة ترجمة القرآن للتعرّف على الطبيعة الروحية والفكرية للخصم. ولقد أصاب المستشرق الألماني يوهان  فوك حين شبّه حال الكنيسة وهي تتبنى الفكرة وتنفّذها، بحالة الدول النامية في وقتنا الراهن. اذ بات لزاماً عليها، ان تخطو الخطوة الأولى، فتنفتحَ معرفياً على ثقافات وايديولوجيات الدول المصنّعة والمتقدمة …
وهكذا فقد اطلقت ثقافة الغرب المسيحي في القرون الوسطى مناخات قطيعة واختصام مع الإسلام بلغت ذروتها مع الحروب الصليبية. والمشكلة التي لم تجد مستقراً سعيداً لها بعد، فهي تلك التي تتمثل على الإجمال بتمدد وسريان ثقافة القطيعة والاختصام، حيث لا تنفك تداعياتها تعصف بعالمنا المعاصر.
كانت فكرة التبشير هي الواقع الحقيقي خلف انشغال الكنيسة بترجمة القرآن وإتقان العربية. كان كلما تلاشى الأمل في تحقيق نصر نهائي بقوة السلاح، كلما صار واضحاً ان احتلال البقاع المقدسة لم يؤدِ الى ثني المسلمين عن دينهم، بقدر ما أدى الى عكس ذلك، وهو تأثر المقاتلين الصليبيين بحضارة المسلمين وتقاليدهم ومعيشتهم في حلبات الفكر. وقبل حدوث واقعة (إيديساس) عام 1143، وهو العام الذي رُدَّ فيه الصليبيون على اعقابهم. . ظهرت اول ترجمة لاتينية للقرآن على يد الأب بطرس المبجَّل. وقد وجد هذا الاخير الفرصة سانحة للتعرُّف على التناظر القائم في ذلك الوقت بين الاسلام والمسيحية، ولا سيما لجهة المعارك الدائرة بين المسلمين والاسبان، والشعار المرفوع لاسترداد بيت المقدس. ثم كان ان خرج من ذلك كله بقناعة، بأن لا سبيل الى مكافحة (دين محمد(ص)) بعنف السلاح الأعمى، وانما بقوة الكلمة، ودحضه بروح المنطق المسيحي. ولما كان مثل هذا العلم يشترط المعرفة المتعمِّقة برأي الخصم، فقد وضع خطة للعمل على ترجمة القرآن الى اللاتينية  وذلك وفقاً لاستراتيجية تأويلية تفضي الى اعادة تشكيل عقيدة المسلمين على نصاب التحريف والتشويه. . .
يظهر لنا الى أي مدى كان للعامل الديني عناية خاصة في اشتغالات الاستشراق. ولسوف يلاحظ المحققون، كيف لعب الدين دوراً رئيسياً في ولادة الحركة الاستشراقية. ففي وقت مبكر سيجري التعامل مع الشرق بوصفه جغرافيا دينية، ومع لغة القرآن بما هي الفضاء المعنوي والمعرفي الحاضن لتلك الجغرافيا. ولو تحرَّينا الدراسات والتحقيقات التي انجزها المستشرقون في لغة الدين وفلسفته، لتبيّن لنا عمق التلازم بين الدين واللغة لاستكشاف البناءات المعرفية لمجتمعات الشرق العربي والاسلامي.
فلئن عُرِّف الاستشراق لدى جلِّ المستشرقين، على أنه فقه اللغة ( الفيلولوجيا)، كما حرص المستشرق باريت على تسميته، فلن يكون ذلك مجانبة لحقيقة التعريف. فاللغة العربية، بحكم تحدُّرها من أسرة سامية واحدة، الى جانب الآرامية والسريانية والعبرية، راحت تستأثر باهتمام الكنيسة لشرح ما أبهم عليها من نصوص الكتاب المقدس. من أجل ذلك شاع القول إن الإقبال على تعلّم العربية لم يكن بحافز أحادي، ولا بطفرة دينية فحسب، بل لأسباب معرفية أيضاً. فمن المعروف أن العصر الوسيط شهد للعرب أنهم ورثة العلوم القديمة. وهو ما كان يطلق على الطب والفلك والفلسفة والرياضيات. كانت العربية وقتها كالانجليزية اليوم، لغة الرقي والمدنية، وبوابة الخلاص من الجهل والتخلّف. وكان الشعار المرفوع دوماً وحتى وقت متأخر من القرن الثامن عشر، هو تخليص الإستشراق من قبضة اللاهوت ( (AUTORITAT. سوى أن هذه المحاولة لم تجد سبيلاً لها لتصير نهجاً راسخاً في الممارسة الاستشراقية. وسيأتي من الحوادث ما يدل على أن المنحى الغالب في الاستشراق هو تحوله الى ضربٍ من ميتافيزيقا سياسية، بما لهذا الاصطلاح من معنى. ولنا على سبيل التحقيق أن نحيل القارئ الى الحادثة التالية:
عام 1888 أقدم جوغوير على ترجمة “ألفية” ابن مالك المشهورة، وهي –كما يُعرف- أرجوزة في النحو العربي لا مكان فبها للجدل الديني أو العقائدي أو السياسي، لكنه افتتح الترجمة بهذه الكلمات : ” لقد حان الوقت لإتقان هذة اللغة السامية (العربية) ؛ ذات الطابع الشعائري أساساً والمنتشرة في مستعمراتنا. والدافع الى هذا العمل –على ما يوضح صاحب الترجمة- هو ان نتعرّف على الاتجاهات الخبيثة لكتّابها وأن نشهّر بهم. إن بحثي قد يكون مفيدا ً على المستوى العلمي البحت، لكن هدفه الأكبر عملي ؛  إنه من نوع الطموح الذي يحمله المهندس العسكري عندما يدرس مراجع عدوه حول الدفاع والهجوم ؛ ان هدفي هو التدمير “…
بوجه عام، لا يوضع الكلام – الذي مرّ معنا- خارج الحفر المعرفي المتعدد الأنساق. وهو هنا يعبِّر عن نفسه في استكشاف الشرق بما هو جغرافية الاسلام المترامية الأطراف، واعادة تشكيله وتأليفه على قاعدة ما ذهبنا الى تسميته ب”ديالكتيك التثمير والتفكيك”. فلو عدنا الى المشهد العالمي المعاصر، لوجدنا أنه كلما انعقد كلام حول ثنائية الإسلام والغرب، عاد ما بينهما من وصل وفصل الى سيرته الأولى. فما من شيئ للإسلام على الغرب، أو للغرب على الإسلام، إلّا رُدَّ إلى مستهل الإشكال. إلى تلك اللحظة التي أدرك فيها الغرب، بما هو غرب، ان استئناف التاريخ، وإعادة ترتيبه، لا يتحصل إلّا بآخر يواجهه، ليحاوره أو يجادله، أو لِيُهيمن عليه. إنها أيضاً اللحظة نفسها، التي يدرك فيها المسلمون أنهم، على وجه القصد، هم ذلك الآخر.
أما السؤال المفترض عن موقعية الاستشراق ضمن جدلية “الذات والآخر” فقد نجد جوابه في التوظيف الايديولوجي للفكر الاستشراقي سحابة قرون الحداثة الفائتة..
استئنافاً للسؤال ثمة من يمضي الى إن عملية إنتاج «الشرق» اختُبرت في إطار إنتاج «الغرب» لنفسه على يد جماعة احتكرت مع الوقت ترجمة هذا «الشرق» وتأويله وتفسيره وتقديمه للغربيين والشرقيين على حد سواء.
ولا تكتفي هذه الرؤية بذلك، بل راحت تنشيء صلة وطيدة بين الاستشراق ورجالاته من جهة وبين مرجعيتين اثنتين في التاريخ والثقافة الغربيتين من جهة ثانية.
المرجعية الاولى: هي علاقات المدرسة الاستشراقية المتعددة الأوجه بالمؤسسة الاستعمارية ثم الأمبريالية الأورو- أميركية، بمصالحها واستراتيجياتها. وهي علاقات ليست تختزل بالتطابق والمباشرة والتبعية، لكنها تبيَّن أن مدرسة الاستشراق لا يقتصر دورها على المكتشفات والأبحاث والدراسات في مضمار اللغات والجغرافية والآثار والثقافات الشعبية والديانات والحضارات «الشرقية»، قديمها والحديث. بل ان دور المستشرق يصل أحياناً الى مستوى الفعل والتأثير المباشرين في مراكز القرار السياسي والاقتصادي في الدول الاستعمارية او الإمبريالية، فهو يلعب دور المثقف الهامس في أذن «الأمير»، حيث تقرر نصائحه واستشاراته وتقديراته مصائر شعوب وبلدان بأكملها. المثال المعاصر عن هذا النمط من المستشرقين هو البريطاني برنارد لويس، مستشار شؤون الإسلام والعراق خلال عهدي جورج بوش الأب والابن، وهو ناحِت مصطلح «صدام الحضارات» وصاحب النصيحة بغزو العراق رداً على هجمات الحادي عشر من أيلول 2001.
المرجعية الثانية: هي الوشائج التي تربط تيارات مدرسة الاستشراق بتطور العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية الغربية.
ثم تخلص هذه الرؤية الى أن المستشرقين يشتركون في عدد من الثوابت في نظرتهم الى «الشرق» أهمها:
1- النعرة الجوهرية، والمقصود بها تقديم الغرب والشرق بما هما جوهران متمايزان يختص كل منهما بخصائص أصلية ثابتة صارت طبيعة ثانية لكل منهما. لكن التمايز يفصح عن تراتب عمودي صارم وثابت، حيث العقلانية والتطور والرقي هي جوهر جماعة، والروحانية واللاعقلانية والتخلف جوهر جماعة أخرى.
2- التعميم، أي الافتراض ان معرفة الجزء تكفي لمعرفة الكل.
3- التنميط، أي إضفاء خاصة واحدة من خصائص الجماعة على الجماعة كلها.
4- الجمود، تصوير عالم الشرق وحياته على أنهما ثابت ولا يتحول، ما يعادل إعدام فعل الزمن والتاريخ فيه.
5- التفرد، وهو عكس التعدد حيث «الشرق» دين واحد ومجتمع واحد و«عقل» واحد وجبلة نفسانية واحدة وثقافة واحدة.
6- الثقافوية، أي تفسير أفكار الشرقيين وسلوكهم ونمط حياتهم على أساس مبدأ تفسيري أوحد هو «ثقافتهم» التي تختزل الى دينهم بالدرجة الاولى.
وهكذا تصل الرؤية المشار اليها الى خاتمتين، الاولى تحذِّر من أن «يسهم الشرق الحديث في تشويق ذاته» والثانية تؤكد أن «الاستغراب ليس هو الجواب على الاستشراق»
     حاضرية الاسلام وعقدة التريَّب الاستشراقي
منذ الإرهاصات الأولى لنهضة الغرب، قبل نحو أربعة قرون، أخذت تنمو سيرورة اللقاء بالإسلام. غير أن هذه السيرورة طُبعت على غائية سالبة من اوّلها. ولقد رأينا كيف أنها ستؤول الى ضرب من لقاء، تبيّن انه لن يُؤدَّى على النحو المرسوم له إلا على أرض الزّيغ والكمون. كان على الغرب الذي حمل حداثته الفتية لينشرها على الملأ، أن يلتقي بالإسلام لقاء الحاكم بأمره. كأنما قدر الغرب في حداثته الأولى، ألّا يرى الى جغرافية الإسلام، إلّا كمتّسع مديد، يزخر بقابليات التلقّي، والتمثّل، والإستلاب.
   مرة أخرى تضع أطروحة “الإسلام والغرب” الكلام على نشأته الأولى. فتلك، على الرغم من تقادم الزمان عليها، لا تزال حية تسعى. تفعل وتنفعل، وترسم وجه العالم وحدوده. اطروحة «الاسلام والغرب» هي أكثر أطروحات الزمن الحديث مثاراً للجدل. لا يعود السبب إلى عدم الفهم بين الطرفين وحسب، بل إن عدم فهم الشرق، هو وليد ضديّة حضارية وثقافية، وجدت بدايتها الفعلية مع صعود الدولة القومية في الغرب، واستشراء غريزة التّوسع. ما يعني أنّ غريزة التوسع أوجبت عقلاً استعلائياً يرى الى الغير كما يبتغي أن يكون، لا كما هو في الواقع.
     بإزاء الحال، لم يكن لجغرافية الإسلام الماثلة في عين الغرب كامداء مترامية، إلّا أن ترد الفعل بفعل. وهو –ردّ غالباً ما كان- بحكم ميزان القوة، وتقنيات السيطرة الجائرة، جواباً ارتدادياً فظيع الأثر. فلسوف يترتب على الفعل وجوابه الإرتدادي أفهاماً، ومعارف، وثقافات، لا تستوي إلّا على حدِّ الرفض والاختصام.
  مع ذلك، لم يكن في سيرورة “اللقاء اللدود” بين الإسلام والغرب من انقطاع. ظلت هذه السيرورة، على الرغم من الحروب الضروس، والهُدَن المتواترة، والتسويات الموقوفة، على نحو ما من التواصل. غير أن هذا التواصل ما كان ليأتي على أجنحة المصادفة. لذا جاء ليستأنف على نصاب التريُّب الأقصى بسبب من حاضرية الاسلام وسط عالم يعيش خواءه وفوضاه وحروبه المجنونة. وليست ظاهرة “الاسلاموفوبيا” سوى التمثيل الما بعد حداثي للاستشراق الايديولوجي .
   ما فعلته الإمبراطوريات الطامحة، كان فعلاً مشهوداً في نسيج الزمن العربي الإسلامي كلّه. فلقد كان على أرض الإسلام من كوارثه ما لا يحصى. أما ما فعله الاستشراق فإنه أنجز من القراءات، وابتنى من الأحكام، ما جعل صورة الإسلام والمسلمين مكسوّة بضباب كثيف. فلو رأينا إلى صورة الاستشراق من منطقة المعاينة الحرّة لَلَاحت لنا هذه الصورة : بعض الاشتشراق في ماضيه وحاضره أقبل على حسن الظّن فكتب في الإسلام وحوله ما لا شائبة فيه. في حين مضى بعض آخر منه إلى حدّ وظّفت فيه أعماله ضمن أوعية الإمبراطوريات الطامحة.
لكن يبقى التّساؤل حاضراً عما لو كان ثمة منطقة وسطى يمكن أن نعثر فيها على استشراق موضوعي رحيم وسموح؟..
ليس من شك في وجود مثل هذا النوع من الاستشراق، سوى أنه وجود محدود الشأن. لكن داء الغَلَبة سيلقي بظلّه على جُلِّ تلك الإضاءات التي شهدناها في حقول التّصوف وعلم الكلام، بل وحتى في مضمار الفلسفة السياسية…  ولو عاينّا قليلاً لوجدنا هذا الداء داخل منطق الحداثة نفسه، ذاك الذي ساد، وشاع، واستبد سلطانُهُ منذ بدايات القرن التاسع عشر.
  هكذا بدا الشرق الذي يتجلَى في مدوَّنات الاستشراق وتوجيهاته المحمّلة برموز وإشارات لا حصر لها، وبحسب تأويلية ادوارد سعيد، يظهر الاستشراق كنظام صارم من التمثّلات، وهو مؤطَّر بطقم كامل من القوى التي قادت الشرق الى مجال المعرفة الغربية، والوعي الغربي، وفي مرحلة تالية، الامبراطورية الغربية. وإذا كان هذا التحديد للاستشراق يبدو سياسياً أكثر منه أي شيئ آخر، فذلك لأن الاستشراق كان هو نفسه نتاجاً لقوى ونشاطات سياسية معينة.
   وفق رؤية كهذه، يغدو الاستشراق معرفياً مدرسة للتفسير، فقد حَدَثَ أن كانت مادتها الشرق، بحضارته، وشعوبه، وأقاليمه المحلية. وأما اكتشافات الاستشراق الموضوعية فهي كانت دائماً وما تزال مشروطة ومحددة بكون حقائق الاستشراق، مثل أي حقائق أخرى تنقلها اللغة، التي وصفها نيتشيه مرة بأنها : “جيش متحرّك من الاستعارات، والكنايات، والتشبيهات المجسّمة، بل هي خلاصة من العلاقات الإنسانية عُمِّقت، ونُقِلت، وزُخِرَت شعرياً وبلاغياً، وصارت، بعد استعمال طويل صلبة، وشرائعية، وملزمة لشعب ما.
    ربما يصدمنا رأي كرأي نيتشه هذا بوصفه فيلسوفاً مغالياً في العدمية، لكنه على الأقل سوف يجذب انتباهنا إلى أن الشرق، من حيث وُجِدَ في وعي الغرب، كان لفظة تنامى لها فيه حقل واسع من المعاني، والترابطات، والتضمينات، وان هذه جميعاً لم تكن تشير بالضرورة الى الشرق الحقيقي، بل إلى الحقل المحيط باللفظة. وبالنسبة لأي اوروبي في القرن التاسع عشر، كان الاستشراق نظاماً من الحقائق بالمعنى الذي أعطاه نيتشه للكلمة، أي أنه كان يصدِّق ما قيل عن الشرق، ولو من باب الانحياز العاري. أما حصاد هذا كلّه، فإن – الأوروبي الغربي على وجه التّحديد- راح ينظر الى الشرق وأهله نظرة المتعالي، عرقياً، وثقافياً، ودينيا،ً وسياسياً. إضافة إلى ذلك، فإن المجتمعات الغربية المتقدمة، نادراً ما منحت الفرد شيئاً عدا طموحاتها الامبريالية، وثقافتها العنصرية، والتمركز العرقي في التعامل مع الثقافات «الأخرى»
                                    * ** * * * * * *
لو أجرينا قراءة إجمالية لما تُقضى اليه مقاصد الاستشراق في هذا الصعيد لوجدنا ان حداثة الغرب في العقل النخبوي للحداثيين العرب، لا تزال تستعاد على النشأة التي قرأها اصحابها الأصليون قبل اكثر من اربعة قرون. وما هو ادهى، ان العقل المشار اليه، وعلى الرغم من الميراث النقدي الهائل الذي زخر به تاريخ الحداثة، بقى حريصاً على التعلق بمحامل الحداثة الاولى ومقالتها البكر: اي بوصفها اطروحة لمدينة فاضلة تستنقذ العالم من فوضاه وجاهليته. ذلك يعني – ولو على سوء الظن- ان عقلاً كهذا لا يستطيع ان ينظر الى حداثة الغرب الا بوصفها عالماً متخيلاً لاحظ له من الحقيقة الواقعية في شيء.
يفعل ذلك المعاصرون من المثقفين العرب والمسلمين كما فعل الأسلاف من قبل. اولئك الذين اجتمعوا على مقالة النهضة حتى سُمَّي الزمن الذي عاشوه باسمها. فكان ختام القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين عامراً بفردوس الشعارات الكبرى: الدولة الأمة، والديمقراطية، والمجتمع المدني، والتحرر من نير الاستعمار، والعدالة الاجتماعية، والتعددية، ونقد طبائع الاستبداد.
اكثر هؤلاء حملوا سؤال النهضة على حسن الظن وسلامة النية. الا انهم لم يفارقوا دهشة الانوار فوقعوا في الشبهة. لم يدركوا الا متأخرين ان انوار الغرب مكثت في الغرب. ولم يأتِنا من حصادها سوى شراهة السيطرة الكولونيالية وتأبيد الجاهلية ورعاية الاستبداد. ومثلما أُخذنا على مدى مائة عام باستعاراتهم النهضوية من دون تفكيك او مساءلة، اخذوا هم حكاية الحداثة نفسها وأجروا سؤال النهضة على ما هو أدنى من سيرة المستشرقين، فقرأوه قراءة الغائب، ليحضر الاسلام في تلك القراءة على نحو يماثل حضور مسيحية الغرب في مقابل علمانيته الحادة.
اليوم سوف نرى ان سؤال النهضة المستأنف لا ينفك يظهر على النشأة نفسها، مع فارق جوهري، وهو ان السواد الاعظم من المثقفين يغيِّبون السؤال، ويعاملونه كحاصل ثقافة فات اوانها . . بل ويستغربونه كما لو كان سؤال فائضاً عن الحاجة.
ولو كان لنا ان نتساءل الآن عن مصير السؤال النهضوي ومآلاته فإنا على يقين من أن جواباً عليه لا يحصَّل بيسر. وفي زحمة الثورات الرمادية التي تجتاحنا من شهور، سيكون علينا ان نبذل أقصى الجهد لنعثر عليه، ولو في فضاء المستحيل.
محمود حيدر- مفكر وباحث في الفلسفة السياسية
رئيس مركز دلتا للأبحاث المعمّقة- بيروت

اترك تعليقا