الرئيسية » غير مصنف » إلى الذاهبين بخفة إلى عملية “القلب المفتوح”… حذارِ ألف مرة!!!!!

إلى الذاهبين بخفة إلى عملية “القلب المفتوح”… حذارِ ألف مرة!!!!!

طبيب القلب الأميركي الفذ برنارد لاون* يحذّر…

مقدمة أسرة التحرير:
بما أن الطب في بلداننا شبيه جدا جداً بنظيره في الولايات المتحدة الأميركية من حيث نزعته التجارية، وبما أننا دائما نتشبه بـ”أمريكا”، نقدم للقراء العرب ترجمة لمقابلة مع أحد أشهر أطباء القلب في الولايات المتحدة حول رأيه في الطب الأميركي وفي عمليات القلب المفتوح التي انفتحت شهية الطب عندنا عليها مؤخراً على مصاريعها، فصارت تجرى بخفة مخيفة لما فيها من ربح للمستشفيات والأطباء على السواء. هكذا يصبح الربح أهم “بطبقات” من الإنسان. ونلفت كل من يقدم على عملية القلب المفتوح إلى أن يفكر في الأرقام والنسب التي أوردها الدكتور لاون من خلال تجربته المهنية. وإلى فكرة أن الأطباء يجب أن يتقاضوا أجراً كغيرهم وقد تدخل في هذا الأجر عناصر من متل نتائج عمل الطبيب في شفاء المرضى أو في توعيتهم على الطريق السليم في العيش والمأكل وما شابه من عناصر. بهذا يسحب البساط من تحت الرغبة التجارية لأن الطبابة تكون أحياناً كثيرة مسألة حياة أو موت. وهي تستحق اهتمام وزراء الصحة عندنا. إليكم أدناه نص المقابلة مع الطبيب الأميركي برنارد لاون.
……………
الطب الأميركي يمكنه أن يفعل أي شيء.. بما في ذلك الكثير مما لا لزوم له!
“هو الأفضل في العالم، ولكن الأسوأ منه قليل. وهو، مع كونه الأكثر تقدما وإسرافاً، يشفي ويفلّس البلاد بنفس القدر من النجاح”. “يأتي إلى الطب أكثر فأكثر اختصاصيون باردو القلب عقلانيون، ولذا غير قادرين على شفاء أحد… هؤلاء الأشخاص لا مكان لهم في هذه المهنة، ومن الأفضل لهم أن يذهبوا إلى الـ”وول ستريت” – يقول الطبيب الأخصائي بأمراض القلب الأميركي البارز برنارد لاون Bernard Lown ، وهو من أشد منتقدي إخضاع الطب لقوانين السوق والتجارة…
ليس سرا أن النموذج الأميركي في الطب ينظر إليه العديد من الناس على أنه قدوة ومثل يحتذى ويحلمون باستيراده بالكامل تقريبا. وثمة في نفس الوقت عدد قليل من الناس في بلادنا يدركون أن نظام الرعاية الصحية الأميركي إياه بات يتعرض مؤخرا لانتقادات حادة على إفراطه في استخدام التقنيات الحديثة، وعلى حسابات الربح والخسارة فيه وتجاريته ولامبالاته بالمريض.
كبير السينمائيين المشاغبين مايكل مور أنتج فيلما تحت اسم “سيكو” (الرعاية الصحية)، حيث انتقد انتقادا شديداً نظام الطبابة الأميركي المتبجَّح والمتفاخَر به و”لم يترك منه ما يخبّر”. وهذا ما أثار فضيحة خطيرة. ومع ذلك وجد مور له في الولايات المتحدة أنصارا حتى بين الأطباء.
هناك في بروكلين، ضاحية بوسطن، مركز جيرهارد لاون لعلاج القلب والأوعية الدموية. مؤسسه ورئيسه الدكتور لاون البالغ من العمر 86 عاما هو طبيب القلب البارز، والرئيس المشارك في الحركة الدولية المسماة “أطباء العالم لأجل منع الحرب النووية”، والتي منحت جائزة نوبل للسلام، ويمارس المهنة منذ أكثر من أربعين عاما.
وقد اخترع أجهزة تقنية رائعة مثل جهاز تَقْويم نَظْمِ القَلْب (بالصَّدْمَةِ الكَهْرَبائِيَّة) ((cardioverter وجهاز وقف الرجفان ((defibrillator أدرجت في ترسانة علاج أمراض القلب. وينتقد برنارد لاون بشدة في كتابه “فن الشفاء الضائع” الذي ترجم إلى عشرات اللغات الرعاية الصحية في الولايات المتحدة والأطباء أنفسهم.
– دكتور لاون، لا يمكنك أن تنكر أن الطب الأميركي هو الأكثر تقدما في العالم؟ وكنت أنت قد أسهمت في حيازة هذه الزعامة…
– هذا صحيح، أنا لست أنتقص من مزاياه. ولكن قطاع الرعاية الصحية في الولايات المتحدة هو، بصفة عامة، في أزمة عميقة برأيي. فالعلاج يقتصر على استخدام منجزات العلوم الطبية. وعندما يُجعَل العلم أمراً مطلقاً، لا يعود يُرى الإنسان نفسه. الأطباء يركزون على خلل ما في جهاز أو عضو ما – القلب أو الرئتين أو الكبد أو الكلى. ولكن من أين جاء المرض إياه؟
80٪ من الأمراض التي تجبرك على استشارة الطبيب سببها الرئيسي أعباء الحياة والإجهاد. كأن لا يكون الرجل مثلا على وفاق مع زوجته. أو ان يكره وظيفته، أو يكون مصاباً بخيبة أمل في الحياة. أو، فرضاً، هو في يأس لأن ابنه مدمن على تناول الكحول. ولكن عندما يأتي إلى الطبيب البراغماتي، فإن هذا يرى المريض فقط مصاباً بمرض معين، فيما باقي الأمور الحياتية لا يهتم لها.
فليس جزء معين من الجسم هو المريض، بل إن الشخص مريض ككل، وجسده مضطرب كمنظومة متكاملة. ومعرفة كل هذا مهمة جدا لنجاح العلاج.
– و ما الخطأ في أن يلجأ الطبيب غالباً إلى الابتكارات التكنولوجية؟ أولم تنقذ هذه حياة الكثير من الناس؟
– الأطباء، أمثال دكتور فاوست عصرنا عقدوا اتفاقا مع العلم والتكنولوجيا. وكثير منهم – أنا لا ألوم الجميع! – ينطلقون من الحساب التجاري، وأحيانا حتى من الجشع، ونزعة الاقتناء والربح. والطبيب تدفعه إلى هذا الظروف الاقتصادية الصارمة.
عندما أستقبل مريضاً، فإني أحصل على 60- 70 دولاراً في ساعة. ولكن إذا أدخلت في قلبه أنبوباً لتنظيف شرايينه، فسيمكنني الحصول لقاء عملية بسيطة على 2- 3 آلاف دولار. بعبارة أخرى، المجتمع يدفع لقاء استخدام التكنولوجيا ثمناً أعلى عدة أضعاف مما يدفعه لقاء مهارات التواصل الحي مع المريض.
ونتيجة لذلك نسي الأطباء الأميركيون فن الشفاء. وأنا أفهم هذا الأمر على أنه حوار حريص بين خبيرين اثنين: الطبيب والمريض. نعم، والخبير الأول في مرضه هو هنا المريض نفسه وهو ذو المصلحة الأولى في نجاح العلاج.
– الأطباء في أميركا يكسبون جيداً، وبالتالي فإن تدفق راغبي الالتحاق بمهنة الطب كبير على الدوام. هناك حوافز للترفع المهني والمنافسة العادلة. فلماذا هذه العوامل لا تفعل فعلها يا ترى؟
– يأتي إلى مهنة الطب اختصاصيون يزدادون يوماً عن يوم براغماتيةً وسعيا إلى الربح المادي، وهؤلاء ليسوا قادرين على شفاء المريض، غير قادرين على الدخول في علاقة ثقة مع المريض. هؤلاء الأشخاص لا مكان لهم في هذه المهنة…. فللأسف، بسبب تدفق أمثال هؤلاء الناس باتت سمعة الأطباء اليوم في الحضيض.
– هل صحيح أن العمليات الجراحية على القلب، بما في ذلك جراحة تغيير الشرايين، يقرَّر إجراؤها في كثير من الأحيان فقط لأسباب تجارية؟
– للأسف، هذا صحيح. ففي عام 1970، توصلت على أساس الملاحظات السريرية إلى استنتاج مفاده أن علاج أمراض الأوعية الدموية بدون جراحة ليس أقل فعالية من الجراحة وتبديل الاوعية الدموية. فهناك 70٪ من مرضى القلب لا يستفيدون من العملية الجراحية.
– هل سمعت خطاً – 70٪؟
– لا. وهذه أكبر مشكلة بين مشاكل علاج أمراض القلب الأميركية! في منتصف تسعينيات القرن الماضي رحنا في مركزنا نراقب 800 من المرضى الذين يعانون من أمراض حادة في الأوعية الدموية. من بين كل هذه المجموعة من المرضى أوصينا بالجراحة فقط لـ 9 (!) في المئة.
لا تظننّ أني ضد التكنولوجيا، فأنا لست من دعاة تحطيمها!! ولكن معايير الاختيار لإجراء عملية جراحية في المستشفى عندنا صارمة جدا. جميع الآخرين يتلقون علاجاً غير الجراحة. وهؤلاء المرضى هم أولئك الذين أوحى إليهم الأطباء بأن وضعهم مخيف كأن يقولوا لهم: “في صدرك قنبلة موقوتة”، أو “أنت تعيش على بركان”، أو “أيامك معدودة”، وغير ذلك. هذا علماً أن نسبة الوفيات في هذه المجموعة التي تعالج من دون جراحة هي فقط 1.3٪ سنويا. هل هذا كثير أو قليل؟
تعالوا نقارن: نسبة الوفيات في الولايات المتحدة بين من أجريت لهم جراحة في القلب – 3.1٪. لقد حدثت في أساليب العلاج غير الجراحي ثورة، ولأول مرة أصبح من الممكن وقف نمو أمراض الأوعية الدموية. هل تعرف كم من الوقت يستغرق منا في المركز استقبال كل مريض؟ نحو ساعة. ويتبين أن هذا اللااستعجال اقتصادي للغاية.
في معظم الحالات، لم تعد هناك حاجة للاختبارات. لكن يجب أن يتحدث الأطباء إلى المرضى. كثيرون منهم باتوا كما الطهاة يعدون الطعام وهم ينظرون في كتاب الطبخ. انهم في حاجة الى التذكير بأن 80٪ من المعلومات الهامة حول الحالة الصحية للمريض، وهو ما يؤدي إلى التشخيص الصحيح، يتلقاها الطبيب من سيرة علاج المريض المسجلة، و 10٪ من الفحص البدني، 5٪ من اختبارات بسيطة (فحص الدم، قياس ضغط الدم، الأشعة السينية، وهلم جرا)، وهناك أيضا 5٪ فقط من الاختبارات التكنولوجية المكلفة.
برنارد لاون والطبيب الشهير وزير الصحة السوفياتي في الثمانينيات يفغيني تشازوف

 

– وكيف يمكن إخراج الطب الأميركي من أزمته؟
– الطب الأميركي هو طب التكنولوجيا العالية، والدرجة العالية من التخصصية، وهذه وسيلة مكلفة للغاية وتضمن الوصول إلى الإفلاس. لا يمكن أن تتحمل أميركا طبابتها، لأنها باهظة التكاليف وغير فعالة.
محاولة إصلاح الرعاية الصحية الأساسية التي كانت بدأتها هيلاري كلينتون لفترة طويلة خلت فشلت بسبب وجود مقاومة شديدة لها من قبل شركات التأمين ذات الجبروت. فقد نظموا حملة واسعة في الصحافة. وهددوا الأميركيين بأنهم سوف يفرض عليهم شخص الطبيب الخاص بهم، وأنهم سوف يعاملون مثل الماشية.
– وما الذي ينبغي فعله إذن؟
– أن يتقاضى الأطباء أجراً. أتفهمني؟ أجراً. أنا لا أريد أن يجوع الطبيب. ولكن لا ينبغي أن يتعود الحصول على المال من المرضى، لا ينبغي أن يتم الإثراء على مصائب الآخرين.
لكي يشعر الشباب أنهم أبناء الأمة كغيرهم، من الضروري أن يكون لهم كل الحق في الصحة على قدم المساواة مع الآخرين. يكفي مجرد التفكير في الآتي: يفتقر 45 مليوناً من الأميركيين إلى أي رعاية صحية، و30 مليوناً لا يسعهم الحصول عليها إلا في حالات الطوارئ. اسأل أي سائق سيارة أجرة في نيويورك، هل لديه تأمين صحي، وسيجيبك بلا. في أغنى بلد في العالم حيث ينفق مبلغ تريليوني دولار سنويا على الرعاية الصحية، ليس ربع السكان مضموناً ومشمولاً بالرعاية الطبية.
– ولكن لننظر، دكتور لاون، إلى الوضع في كندا التي لديها نظام صحة عامة حكومي يشمل جميع المواطنين ويبدو أن الجميع هناك متساوون في الحق في الرعاية الصحية، غير أن الناس هناك أيضا لا تتوقف عن الشكوى. دعنا نقول، يبقون شهوراً عديدة في انتظار الاختبارات وعمليات الجراحة.
– انتظر لحظة، مهلك. لقد ذهبت إلى كندا عدة مرات. هل هو أمر سيء أن تكون الرعاية الطبية مكفولة للجميع ؟ أنظر كيف يخلق في الناس الإحساس بالانتماء للمجتمع، شعور الانتماء إلى الأمة؟ هل سيظهر مثل هذا الشعور إذا كان الناس لا يساعد بعضهم بعضاً في اللحظات الصعبة؟
نعم، عندنا في أميركا ثمة من يساعد، ولكن من؟ من هم الأكثر جشعاً يساعدون من هم الأكثر حاجة (the greedy help the needy). ديمقراطية الطب الكندي لا جدال فيها، وهي تغطّي على كل عيوبه. وبالإضافة إلى ذلك، الكنديون يعيشون فترة أطول مما يعيش الأميركيون ويمرضىون أقل منهم.
معدل وفيات الأطفال أقل مما عندنا. سيارة الإسعاف تأتي سريعاً مثلما في الولايات المتحدة. تقول إنك تنتظر الفحوصات فترة طويلة؟ أليس هذا أفضل من عدم الحصول عليها على الإطلاق! إن هذا لأفضل من تقديم الطبابة تبعا لسماكة دفتر الشيكات، كما هو الحال في أميركا. لا داعي لأن يكون المرء بلشفياً ليعلن هذا…
– هل هناك فرصة افتراضية على الأقل لكي يستطيع المتوسط الحال الأميركي استدعاء طبيب إلى المنزل، كما كان في الاتحاد السوفياتي؟ أقله الأطفال؟
– هل تعرف أين رأيت ذلك؟ في كوبا. ما سأقوله الآن لن يعجب الكثير من الناس. أعتقد أن في كوبا أفضل نظام للرعاية الصحية في العالم. هناك عشرات الآلاف من الأطباء المدربين من الدرجة الأولى. كل منطقة سكنية في هافانا لها طبيب معالج. لقد رأيتهم كيف يعملون بشكل جيد. طبيب العائلة هذا يجول على جميع المرضى بناء على استدعائهم له، ثم يقوم بزيارات للمصابين بأمراض مزمنة. وهو، إذا لزم الأمر، يوجه الناس إلى العيادة أو المستشفى.
– كثيرون يرون في الطب الأميركي نموذجاً يحتذيه الآخرون ويحلمون بمثله.
– العقل يحار! اعتقد ان روسيا يجب عليها اتباع المعايير الصحية الأوروبية والاسكندنافية في المقام الأول الفنلندية، السويدية، مع تركيز قوي على المساعدة الاجتماعية وعلى ديمقراطية الطبابة والوقاية.
في الاتحاد السوفياتي كان هناك نظام جيد للصحة العامة ترعاه الدولة. كان بعيدا طبعاًعن الكمال، ولكن منافعه كانت تصل إلى كل شخص. التثقيف الصحي، والرصد الدقيق لنوعية المياه، والزيارات المنزلية – كل هذا كان. اعتقد ان روسيا يجب أن تعود إلى تقاليدها على مستوى جديد. لا داعي لأن تستورد النظام الصحي التجاري من أميركا، فبه عيوب هيكلية خطيرة، وهو سوف يؤدي فقط إلى تفاقم الوضع المزري الحالي.
– هل تعتقد أنه وضع يرثى له؟
– نعم، وأنا على استعداد للبكاء! روسيا الآن واحد من الأماكن غير المحظوظة على وجه الأرض. الروس يختفون كأمة. عدد السكان ينخفض كل عام بنسبة أكثر من نصف مليون شخص. هذا أمر فظيع! مما يموت الناس؟ من أمراض القلب، والحوادث، والإجهاد العام، والعنف. والكحول الأقل جودة.
ولكن روسيا دولة غنية جداً. البيروقراطيون السابقون الذين أصبحوا في غمضة عين رجال أعمال ينبغي أن يتقاسموا الثروة مع الناس. روسيا يمكن أن تكون بلداً ديناميكياً جدا. والواقع أن مستوى التعليم لا يزال مرتفعا جدا. هي تحتاج فقط إلى إعطاء الناس الأمل…
….
* السيرة الذاتية لـBernard Lown
ولد برنارد لاون في بلدة أوتينا الليتوانية في عام 1921. في عام 1933، هاجر والداه إلى الولايات المتحدة. وفي عام 1942 حصل على شهادة بكالوريوس من جامعة مان، وفي عام 1945 – على درجة الماجستير في الطب من جامعة جونز هوبكنز.
في الوقت الحاضر هو أستاذ فخري في طب القلب في كلية هارفارد للصحة العامة، ومدير مركز أمراض القلب والأوعية الدموية في بروكلين. في عام 1985 أسس برنارد لاون، جنبا إلى جنب مع الأكاديمي يفغيني تشازوف، الحركة الدولية “أطباء العالم مع منع نشوب حرب نووية” التي منحت جائزة نوبل للسلام.
في عام 1988، أسس لاون منظمة دولية غير هادفة للربح، ولكنها تهدف إلى توفير المعلومات الطبية ذات الصلة للأطباء في البلدان النامية عبر التكنولوجيا الإلكترونية. هو مؤلف العديد من الكتب، وأكثر من خمسمائة مقالة نشرت في المجلات الطبية الكبرى. متزوج وله ثلاثة أطفال وخمسة أحفاد.
أجرى المقابلة أوليغ سولكين، نيويورك
ترجمة ميشال يمين

اترك تعليقا