الرئيسية » أخبار المجموعة » إبداع أيتماتوف، أزمة اليوم اشتياق الغرب لحياة أخرى. كلمة إرمتراود غوتشكي في منتدى مجموعة الرؤية الاستراتيجية «روسيا – العالم الإسلامي»

إبداع أيتماتوف، أزمة اليوم اشتياق الغرب لحياة أخرى. كلمة إرمتراود غوتشكي في منتدى مجموعة الرؤية الاستراتيجية «روسيا – العالم الإسلامي»

إرمتراود غوتشكي

جميع الكتاب العظماء مهندسوا جسور بين عالمهم الروحاني والقراء من شتى بقاع الأرض ومختلف العصور. جينكيز أيتماتوف فتح للألمان الطريق إلى موطنه، موطن الجبال والسهول. والطريق إلى قرغزستان برفقته كان مرتبط بمشاعر جياشة. تارة تنظر إلى وادي المشاكل الاجتماعية وتارة تقف على قمة جبل وتنظر منها إلى الماضي والمستقبل.

نجح جينكيز أيتماتوف بربط فترات زمنية مختلفة أكثر من أي شخص آخر، خبرة حياة الترحال خبرة قديمة جدا، نائمة منذ زمن طويل في الجينات الألمانية، خبرة الأمل المفقود في بناء مجتمع اشتراكي تسوده العدالة الاجتماعية والرخاء، وفي سنواته الأخيرة خبرة الرأسمالية التي تتسم في بعض الدول ببعض طباع الإقطاع.

والأهم، أن الأديب كان دائما يعني شيئأ أكبر، الشيئ الذي بإمكانه أن يعلوا على واقعنا اليومي.

وهذا ما ينقصنا في أوروبا الغربية.

إن المجتمعات الرأسمالية الصناعية توفر لأفرادها نوع من الرخاء، ولكنها في نفس الوقت ترميهم في نوع من العزلة، حتى أن هذه العزلة باتت تعتبر أمرا طبيعيا. مثلا غالبا ما لا نعي خطر الإبتعاد عن الطبيعة، ولكن عندما تقرأ أيتماتوف كثيرا ما تعجب برؤية الرجل المرتبط ارتباطا وثيقا مع الكون في وعي الطبيعة الحية. ولم يكن ذلك في روايته الأخيرة فقط، بل وفي قصته المبكرة «عين الجمل»، كان يخشى أيتماتوف من أن الارتباط بالطبيعة يضعف كما يضعف الارتباط بين الناس لصالح سيادة الأنانية والطمع. وحسب رؤيته، ما وصل إليه الغرب أمر ليس بالغريب.

وهذا ما يجعل التحديات المذكورة في أعماله تدخل في الصميم، ونسمع فيها صدى اشتياقنا لحياة أخرى.

ففي تربة إمكانيات الاقتصاد المتطور تنمو المطالب والفرص البشرية.

وفي نفس الوقت هناك عدد كبير من الناس الذي يشعرون بأنهم على حافة المجتمع أو يخشون من أن يجدوا نفسهم عليها.

رد فعلهم أصعب على غياب العدالة الإجتماعية النامية في ظل النيوليبيرالية.  وهنا يكمن سبب انتشار عقيدة القوميين الجدد، وظاهرة الخوف من الأجانب في الدول الغربية، رغم أن الدول الرأسمالية الغربية تفخر بعقيدتها الديمقراطية. بيد أن هذه الديمقراطية مبنية على حساب استقرار الطبقة الوسطى من السكان، من الذي وجدوا أنفسهم الآن في وضع حرج ويخشون الفقر.

«الحقد الجماعي يحكم جميع المجتمعات التي طغت عليها العقيدة النيوليبيرالية» في هذه الجملة لعالم الإجتماع الألماني فولفغانغ إنغلير تبدو واضحة أشكال الغضب المختلفة النابعة من أسباب اقتصادية.

أتذكر تشتان بيك من الرواية الأخيرة لأيتماتوف «العروس الأبدية. عندما تتساقط الجبال» الذي يريد أن يقضم «حصته من العولمة» بعملية إرهابية.  تحدثت مع أيتماتوف عن ذلك سنة 2007. وقال حينها «لا بد من درىء أزمات كهذه» وأضاف « على الديمقراطية أن تتحمل المسؤولية عن اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وعن عدم اتساعها أكثر، لأن ذلك قد يؤدي إلى المزيد من العنف.

عندما يملك أحدهم طائرتين أو ثلاث، وعدة سفن وقصور في بقاع مختلفة من العالم، بينما لا يتمكن آخر من شراء حذاء لطفله كي يتمكن من الذهاب إلى المدرسة.. هذا أمر غير طبيعي»

فسألته حينها: ما العمل اذا؟ لا يمكننا أن نتوقع من أولئك الذين اغتنوا بشكل مخيف أن يتنازلوا عن شيء من أملاكهم؟! فأجابني أيتماتوف « لن يفعلوا ذلك أبدا بمحض إرادتهم» وأضاف «ذلك يتطلب شرعية معينة، تفرض على الثروات الكبيرة المسؤولية عن الباقي. وقد فعل بوتين في هذا الصدد الكثير.. وعلى ذلك أن يصبح نظاما»

تم تحويل غضب الفقراء في بلادي نحو من هم أكثر فقرا. يعتبر المهاجرون منافسين في سوق العمل، وإن كانوا عاطلين عن العمل ويتقاضون المعونات يثيرون غيرة من يعمل لكسب قوت يومه عملا شاقا يستنزف العامل.

يقف الخوف وراء هذه الأمزجة، الخوف من فقد ما بقي من الرخاء الغربي، والخوف من الثقافات والديانات الأخرى.

لا يمكنني أن أسأل أيتماتوف بعد، لذلك أسألكم أنتم في هذه الصالة، ماذا يمكننا فعله كي يتمكن الناس من استيعاب تلك القيم التي تربطنا عبر اعترافهم بتعددية طرق تطور بلادنا؟

لقد منحني أيتماتوف الكثير، بل يمكننا القول أنه هو من رباني، وأيدني ودعم فيني الإحساس بالاستقلالية والمسؤولية الشخصية. جميع أبطال رواياته بداية ب «جميلة» ونهياة ب «أرزينا سامانتشينا» أناس مفعمون بالطاقة مستعدون لتجاوز الحدود المتعارف عليها. وشخصية بوراني يديغي الذي يتوجه للخالق وهو يقف عند ضريح صديقه كازانغاب ويقول كلمات قد تكون كفرا في ديانات مختلفة وهي «إن فقد الإنسان القدرة على أن يلتمس في ذاته الرب، فلا وجود لك بعد ذلك أيها الرب، وأنا لا أريدك أن تختفي دون أثر»

رب إسلامي أو مسيحي؟ لا يغير من الأمر شيئا في هذا السياق.

إبداع أيتماتوف فريد لأن أبطال رواياته يفكرون على مستوى البشرية.

الوعي الكوني والقيم الإنسانية، كان يفكر كرواد الفضاء في الرويات، عندما قال « وطول اليوم أطول من قرن». كان على قناعة بأن بقاء البشرية على الأرض مرهون بهذا النوع من التفكير.

وإن نظرنا إلى الكرة الأرضية من الفضاء اليوم، سوف نلحظ نيران الحروب والصراعات المسلحة في كل مكان، والحقد ظاهر في شتى بقاع المعمورة. وهو لأمر مخيف. في هذه اللحظات أتذكر أقوال أيتماتوف سنة 1984 عندما وصلت الحرب الباردة إلى طريق مسدودة. دعاني إلى نزهة مع عائلته إلى الجبال القرغيزية حيث جلسنا على ضفة أحد الأنهار الصغيرة وكان يبرد ساقاه في الماء، لم تكن تلك الظروف الأنسب للحديث عن السياسة الدولية ولكنني تحدثت عن مخاوفي ولن أنسى جوابه طالما حييت: « لا تخف، قد تبدو الأمور على السطح مضطربة، ولكن التيارات الرابطة القوية موجودة في الأعماق».

فاليبارك الرب سفن الدبلوماسية التي تسير بطواقمها على هذه التيارات العميقة، بطواقمها المتقنين لفن المفاوضات، وبمهاراتهم الدبلوماسية يخففون من خطورة توتر الأزمات»

إن محاولات بعض الساسة الغربيين عزل روسيا عن طريق فرض العقوبات قد تؤدي إلى الزعل. والزعل يجعل الإنسان ضعيفا حيث يفقد عظمته. إلا أن روسيا ستبقى دائما عظيمة بكرمها وعطائها الروحي.

كما هو معلوم، أيتماتوف كان دبلوماسيا حتى آخر أيام حياته، وقبل أن يموت وجه نداء للجميع في مؤلفاته، لكل من هو مسؤول عن مستقبل الأرض، دعا الجميع للإصرار. تجاوز الشعور بالعجز، وغرف الطاقة من الإحساس بالثقة، وأن أي جهد لا يذهب سدى وأن كلمتنا في نهاية المطاف سيكون لها أثر.

«كل شيء في الكلمة» قال لي ذات مرة، في الكلمة الطيبة التي تواجه الحقد والعنف، هذه وصية أيتماتوف لنا أينما كنا.

ترجمة محمد حسان

اترك تعليقا