الرئيسية » حضاريات » أيتماتوف رمز للتراجيديا والكوميديا في القرن العشرين

أيتماتوف رمز للتراجيديا والكوميديا في القرن العشرين

شهدت مدينة إسطنبول التركية بين 24-25 مارس 2018 تجمعا ثقافيا من معظم الأصقاع الروسية و الأوراسية تمحور موضوعه حول إبداعات الكاتب القيرقزي السوفياتي الكبير جنكيز إيتماتوف . و من الكلمات المميزة التي ألقيت في هذا التجمع كانت كلمة سعادة السفي الروسي في تركيا السيد ألكسي يروخوف التي ألقاها باللغة الروسية و قام بترجمتها الى اللغة العربية زميلنا الدكتور فالح الحمراني. وإليكم النص:
يُشرفني ان أتكلم اليوم في محفل” قراءات ايتماتوف” بحضور الزملاء الديبلوماسيين المحترمين الأكبر سنا، والعلماء والأدباء المحترفين. للأسف ان القدر لم ينعم علي بلقاءات شخصية على ” تقاطع الطرق الدبلوماسية” بجنكيز توريكولوفيتش، علما بأنني سمعت عنه من الزملاء الذين يحملون في ذاكرتهم أعطر الانطباعات الإنسانية عنه. هذا بالرغم من أن تسعينات القرن الماضي، والحق يقال، لم تكن مرفقة بالأوقات الجيدة بالنسبة للدبلوماسية، السوفياتية والروسية واجرؤ على الافتراض وبالنسبة للقرغيزية ايضا. لقد كانت فترة الفوضى و الفتنة، والزمن العصيب وانهيار المهابة، والأخطر من كل ذلك تقهقر المُثل والمبادئ والقيم الاخلاقية. في هذه الفترة تصرف الجميع بأشكال مختلفة، واذا ما تحدثوا عن شخص ما بصورة وردية إيجابية  في تلك الفترة الصعبة بصورة جيدة ، صدقوني، فان هذا يعني الكثير.
لا اود ان أتعمق وأتوسع في التفاصيل الأدبية. وبصراحة قد لا أتمكن من ذلك. أردت فقط ان أشاطركم بعض الأفكار التي تثيرها لدي حياة وإبداعات، ونشاط جنكيز توريكولوفيتش الانسان والكاتب والدبلوماسي.
واذا طُلب مني بصورة مباغتة ان أصوغ تصور أو مفهوم معين عن جنكيز توريكوليفيتش أيتماتوف، على مستوى شعار  مثل ” ليف تولستوي كمرآة للثورة الروسية”،  فإني سأقول أن هذا الرجل، هذا الكاتب ( على الرغم من انه دبلوماسي) كان رمزا ليس للكوميديا الإنسانية كما لدى دانتي، بل للتراجيديا الانسانية في القرن العشرين. وفي الوقت الذي يعطي فيه أهمية خاصة لجمالية الأسلوب، حمل لنا بثبات، ودقة مثل وتر مشدود يرن، فهمه وإدراكه للمأساة العليا والقيم العليا للحياة البشرية، ولموت الانسان.
طبعا، لقد عرف ذلك مباشرة.  ان القرن العشرين ” الحديدي”  ” القى عليهُ ” بكل اعباءه الثقيلة: من المعروف إن والده توريكول قد أُعدم رميا بالرصاص في 1938، وتعين على نجله ان يشعر على نحو تام ما يعني “أن تكون من عائلة خائن للوطن”. وربما من هذا الموروثث التراجيدي نلمس الكثير جاء من الانكسار الذي يصاحب تقريبا جميع روائعه الأدبية، بالضبط من تلك الصور المزعجة، واحيانا الفظيعة على المكشوف، التي رسمها لنا الفنان الماهر المحروم من النظارات الوردية. يحتفل ارازكول بارغامه الجد مأمون” على قتل الأم ـ الظبيةـ وقدم الطفل التي  تطئ بلا عودة مياه اسيك ـ كول. ويسطر مانكورت* اخر وشاية على عبد اللطيف، فيختفي من حياة اقربائه، اما جولامان، فبدون رحمة يطلق السهم على أمه نايمان ـ انات، لينغرز بجنبها فيرديها قتيلة. ويرمي ” سعاة المخدرات” من أجل الماريجوانا، من عربة القطار افدي كاليستراتوف غير اللبق والباحث عن الحقيقية ( او ربما الباحث عن الرب)  أما صيادو الظباء فيصلبوه.

نعم كل هذه الصور المغرقة في سوداويتها كانت تطبع القرن العشرين بكل خساسته وبكل دناءة وقسوة الجانب المعتم من السلوكية البشرية. وبالمناسبة فليس من قبيل الصدفة أبدا إن حَمَلة قيم الطيبة والخير والايجابية، لدى جنكيز ايتماتوف، الذي أنهى معهد الزراعة، غالبا ليسوا من البشر وانما الحيوانات ـ وهنا الأم ـ الظبية التي مر ذكرها، واهبة الحياة، وغولساري فرس البولاني تنباي، و الذئاب اكبر و تاشتشاينار.وكذروة ـ كارانار القوي والعنيد الذي لا يقهر.
   ولكن ربما ان كاتب القرن العشرين الكبير، لم يكن كبيرا لو ان المأساوية العالية في إبداعه لم تكن جنبا الى جنب مع ترنيمة هادئة، ولكن ثابتة لتمجيد الانسان الأصيل ـ إنسان العمل، إنسان المبادئ، إنسان الإرادة. وهكذا يرفع دانيار حملا يزن أكثر من 114 كيلوغراما ـ وعلى الرغم من كل شيء يترنم بعد ذلك، بأغنية ـ وتذهب جميلة معه. ويُعَلِم المعلم الاول دوشين، الاطفال الخير والطيبة. ويروض يديغي كارانار، وكلاهما يصبح رمزا لإرادة الحياة التي لا يمكن التغلب عليها ولا تتوقف، ولقوة الروح وخدمة الاخرين. وفي هذا كل حقيقة القرن العشرين القاسي، ولكن مع ذلك يتوجب ألا يجب عن النذر للإقرار من جهة أخرى بروعته. وليس فقط القرن العشرين، والآن تسير القطارات من الشرق الى الغرب ومن الغرب الى الشرق.
ونتذكر هذا كله، والقيم الخالدة، حينما تفكر بابداع جنكيز ايتماتوف في الزمن المعاصر، كما لو إنكسار. ما وراء الافق ـ مرة اخرى هالة، ومرة أخرى في مكان ما يقتلون الرجال والنساء والاطفال، وفي مكان ما يخططون لقتل أعداد متزايدة، وكسب ارباحا مالية رصينة من هذا. ومرة أخرى هناك حاجة للكذب والخداع ـ انظروا مثلا كيف يجري تشويه سمعة روسيا على خطايا لم يبرهن أحد على صحتها ـ على المنشطات في الرياضة، وعلى محاولة اغتيال مرتد في لندن، وما الى ذلك. وبالمناسبة فان نفس الأشخاص يتهمون تركيا ايضا ـ بعفرين وحقوق الانسان وبما يسمى” القمع” وما الى ذلك. يصنعون من الأسود أبيض ومن الأبيض أسود. ووراء كل ذلك مصالح تجارية لهذه الدول او تلك، وللجماعات، وللأشخاص.
ولمواجهة كل هذا، نحن جميعا بحاجة الان لأفضل صفات ابطال ايتماتوف ـ نقاء ضمير افداي كاليستراتوف، وقوة وصمود دانيار ونزاهة يديغي الصبور القادر على ان يحمل على عاتقه كل مصائب ومشاكل وطنه.
إذا سيكون لدينا كل هذاـ فسنتغلب معا على اورازكولي وعلى ابيرـ كادالوفيمي ومختلف المانكورتي.
  • المانكورت : بالمعنى المجازي، تستخدم للإشارة إلى الشخص الذي فقد الاتصال بجذوره التاريخية والوطنية، والذي نسي قرابته بالاخرين ( المترجم).
بقلم ألكسي يروخوف: سفير دولة روسيا الاتحادية في تركيا
ترجمة

اترك تعليقا